لندن -“القدس العربي”: كيف يمكن وقف الانقلاب في السودان؟ تجيب البروفيسورة كيليان كلارك بجامعة جورجتان ومي حسن الأستاذة المشاركة في العلوم السياسية بجامعة ميتشغان بمقال نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” وأشارتا بداية إلى تحرك الجنرال عبد الفتاح البرهان يوم الإثنين وسيطرته على الحكومة الانتقالية وفرض حالة الطوارئ واعتقال عبد الله حمدوك وعدد من أعضاء حكومته.
وبرر البرهان تحركه بأنه محاولة لمنع الحرب الأهلية وبسبب الانسداد السياسي المتمثل بعدم تحرك الحكومة الانتقالية وتدهور الأوضاع الاقتصادية.لكن السبب الحقيقي للانقلاب ربما كان أكثر وضوحا: فقد كان البرهان سيسلم رئاسة المجلس السيادي للحكومة المدنية ولم يكن مستعدا للتخلي عن السلطة.
ورفض قادة الجيش، رغم جوقة من الشجب الدولي التراجع عن تحركهم، مع أنهم أفرجوا عن رئيس الوزراء الذي يخضع للإقامة الجبرية. وردوا بشدة ضد المدنيين الذين احتجوا على استيلاء العسكر على الحكم، وقتل حتى الآن 12 شخصا وجرح أكثر من 150 متظاهرا.
وعليه فمنظور عودة الحكم العسكري والقمع يحوم فوق السودان. لكن الوقت لم يتأخر لإحباط الإنقلاب. ويمكن للاحتجاج الشعبي القوى المترافق مع ضغوط دولية عالية إجبار العسكر التراجع عن مواقفهم.
ولا يزال هناك مجال لعكس الثورة المضادة. والمقارنة القريبة لتجارب مماثلة في المنطقة قد لا تكون واعدة، فقد سيطر الجيش في مصر بقيادة عبد الفتاح السيسي على السلطة عام 2013 وأطاح بالرئيس المنتخب عام 2012، لكن الانتفاضات التي حدثت في تونس عام 2011 وبوركينا فاسو تجنبت عودة العسكر، مع أن التطورات الأخيرة في تونس واستيلاء الرئيس على السلطة مثيرة للقلق، إلا أن تحركاته تمت بدون مساعدة الجيش، حسبما تقول الباحثتان.
وفي كل حالة، كان العامل المحدد لنجاح الانقلاب هو حجم الرد الشعبي. وكان الرد الشعبي في مصر غائبا، وبحلول عام 2013 تفككت قوى الثورة وبدأت جماعات علمانية متحالفة بدعم عودة العسكر. وقام أنصار الحكومة المنتخبة من الإخوان المسلمين بالحشد والتعبئة ضد الإنقلاب لكن جهدهم لم يكن كافيا لإجبار الجيش للتخلي عن السلطة.
وفي بوركينا فاسو، كان العكس هو الصحيح، فبعد عام على الانتفاضة حاولت مجموعة من الضباط السيطرة على السلطة بانقلاب وقوبلوا برد ثوري قوي بما في ذلك تظاهرات جماهيرية وإضرابات. وتخلى الجنرالات عن السلطة للمدنيين بعد أسبوع من الانقلاب.
وفي تونس حن ناشطون إلى تدخل عسكري في صيف عام 2013، لكن معظم الأحزاب الثورية والحركات قاومت الرغبة هذه ولم يحصل أي انقلاب. ولهذا هناك عدد من الأسباب التي تدعو للتفاؤل في السودان، وواحد منها أن الصدع بين القوى الثورية السودانية ليس خطيرا بنفس الدرجة الذي أصاب تحالف الثوريين المصريين. ويبدو الدعم للانقلاب الحالي نابع من أحزاب صغيرة وجماعة سابقة في “قوى الحرية والتغيير” والتي قادت الفرع المدني في العملية الانتقالية. وكان الاعتصام أمام القصر الجمهوري قبل الانقلاب بأسبوع صغيرا وبدا وكأن الجيش هو الذي رتبه.
يخطط الناشطون لاحتجاجات عامة في كل البلاد غد السبت والتي ستظهر حجم المعارضة للانقلاب. إلا أن الاحتجاجات قد لا تكون وحدها كافية لإحباط الانقلاب.
وبالمقابل فقد شجبت معظم القوى الثورية الانقلاب بما فيها قيادات نقابة المهنيين السودانيين، وهي المظلة التي تضم نقابات العمل ودعت عبر منصات التواصل الاجتماعي إلى الاحتجاج السلمي. وفعل آخرون من حركات التمرد مثل عبد الواحد نور وعبد العزيز الحلو نفس الأمر. والأهم من كل هذا هي استجابة المواطنين السودانيين للاحتجاج ومنذ اليوم الأول للانقلاب واستمروا في التظاهرات والإضرابات والعصيان المدني. وتم تفعيل لجنة المقاومة في الأحياء، وهي اللجان المحلية التي نظمت الاحتجاجات أثناء الثورة في عام 2018- 2019.
ويخطط الناشطون لاحتجاجات عامة في كل البلاد والتي ستظهر حجم المعارضة للانقلاب. إلا أن الاحتجاجات قد لا تكون وحدها كافية لإحباط الانقلاب.
فالتهديد بإجراءات عقابية من الحلفاء الأجانب المؤثرين مهمة وضرورية لدعم المتظاهرين. وفي غياب الرد الدولي القوي، تشعر الثورات المضادة بالجرأة للمضي في طريقها. فالرد الأمريكي على انقلاب مصر عام 2013 كان فاترا في أحسن حالاته، وهناك أدلة عن تشجيع مسؤولين أمريكيين بارزين السيسي للتحرك. ولهذا لم يكن غريبا أنه تجاهل كل دعوات التنحي.
ومرة أخرى فالإشارات في السودان مشجعة أكثر، فقد شجبت معظم الدول الأجنبية الانقلاب وعبر مجلس الأمن الدولي الذي يضم الصين وروسيا عن القلق العميق.
وقررت الولايات المتحدة تعليق مساعدة بـ 700 مليون دولار وهو أمر هدد الاتحاد الأوروبي بعمل أمر مثله. وربما كانت البيانات التي صدرت عن دول الخليج مثل الإمارات والسعودية ضعيفة. وعلى الولايات المتحدة بذل كل ما بوسعها لتجنب الأخطاء التي ارتكبتها في مصر وتقود الطريق لإفشال انقلاب السودان.
وقطع الدعم هي خطة واعدة، وهناك حاجة لعمل المزيد، مثل العقوبات التي تستهدف قادة الانقلاب مباشرة.
ويجب على الولايات المتحدة استخدام نفوذها وتحالفها مع دول الخليج لوقف أي دعم، وليس أقله ماليا، يحصل عليه قادة الانقلاب من هذه الحكومات. ويمكن للاحتجاج والضغوط الجيوسياسية التعاون ووقف هذا الانقلاب. ويمكن أن يؤدي احتجاج قوي يوم السبت لتراجع قادة الانقلاب عن مواقفهم، وبعد كل هذا فالاعتصام أمام مقرات الجيش عام 2019 هو ما أقنع قادته للبدء في العملية الانتقالية مع المدنيين. ولو وجدت الاحتجاجات دعما قويا من الخارج فربما اقتنع الجنرالات بضرورة التراجع عن انقلابهم. ويبدو منظور الديمقراطية في السودان قاتما أكثر من الأسبوع الماضي لكن قضيتها لم تخسر بعد.