لندن – “القدس العربي”:
ناقش توماس فريدمان في صحيفة “نيويورك تايمز” الأوضاع الحالية في الشرق الأوسط وتحدث في مقالته عن انهيار الدعائم الرئيسية التي قامت عليها السياسة في الشرق الأوسط وتحكمت بمساره خلال نصف قرن أو يزيد.
ويرى أن من ركامها يخرج شرق أوسط جديد لا يشبه ما تصوره البعض في التسعينات من القرن الماضي. فهذا الشرق الأوسط الجديد يتشكل نتيجة لما يجري على “تويتر” والميمات لا جهود الدبلوماسيين وبسبب البطالة لا الإرهاب وبسبب الاضطرابات في الشوارع لا القصور وتدفع بولادته النساء أكثر من الرجال. ولا يعرف أحد عما سيخرج من كل هذا عندما ينجلي الغبار.
يدعو الكاتب إلى التعامل والحذر من انهيار ما يقول إنها خمسة أركان رئيسية للسياسة في الشرق الأوسط.
ولكن الكاتب يدعو إلى التعامل والحذر من انهيار ما يقول إنها خمسة أركان رئيسية للسياسة في الشرق الأوسط.
ويعلق فريدمان أن الركن الأول المنهار هو دور الولايات المتحدة التي طالما لعبت دورا مهما في تشكيل مستقبل المنطقة، ولكنها لم تعد موجودة، فليس لها سفراء في السعودية ولا مصر، العراق، الإمارات، تركيا أو الأردن. أما السفير الأمريكي في إسرائيل، محامي الإفلاسات السابق لدى دونالد ترامب فـ”مفتون جدا بحركة المستوطنين اليهود المتطرفة بدرجة أصبح فيها بوقا دعائيا لا دبلوماسيا”.
أما الركن الثاني فهو العملية السلمية بين الإسرائيليين والفلسطينيين والتي تقوم على حل الدولتين، وحل محله اليوم جهد أمريكي-إسرائيلي لتحقيق أفضل حل متوفر للدولة الواحدة، وهذا يعني تحكم دائم بالأمن في الضفة الغربية والقدس الشرقية مع شكل من الحكم الذاتي الفلسطيني.
أما الركن الثالث فيتعلق بالحكومات العربية التي كانت تضمن دائما وظائف لسكانها في البيروقراطية والخدمات الأمنية، ولم تعد قادرة اليوم في ظل تراجع أسعار النفط وتزايد اعداد السكان. فكل دولة عربية اليوم منشغلة بالبحث عن طرق لتقليل العاملين في مؤسسات الدولة والتخلص من الخدمات عبر التعاقد مع شركات خاصة. وأخبر الملك عبدالله الثاني وفدا عسكريا أمريكيا زار الأردن قبل فترة أن ما يجعله ساهرا في الليل ليس تنظيم “الدولة” أو القاعدة ولكن 300.000 أردني عاطل عن العمل ونسبة 87% ما بين 18-39 عاما أي سنوات العمل المهمة. وشهد الأردن في الأسابيع القليلة الماضية اعتصاما نظمه المواطنون العاطلون عن العمل أمام قصر الملك فيما نظمت مسيرات أخرى في مدن الأردن شارك في الجائعون واليائسون. وشهدت غزة الأسبوع الماضي “ثورة الجياع” ضد حكومة حماس. وفي الجزائر والسودان خرج المتظاهرون يطالبون بنهاية الحكم الديكتاتوري هناك. وقد يتساءل البعض أننا نشهد النسخة الثانية من الربيع العربي؟
الركن الرابع الذي انهار هو فقدان الحكومات السيطرة على تدفق المعلومات، ففي الماضي كانت المعلومات تتدفق من القمة إلى القاع. وذهب كل هذا واستبدل المواطنون معلومات الحكومة بـ” تويتر” و”فيسبوك” و “واتس آب”.
وعن الركن الرابع الذي انهار هو فقدان الحكومات السيطرة على تدفق المعلومات، ففي الماضي كانت المعلومات تتدفق من القمة إلى القاع. وذهب كل هذا واستبدل المواطنون معلومات الحكومة بـ” تويتر” و”فيسبوك” و “واتس آب” ،وتحركت المعلومات أفقيا بدلا من عموديا، وينشر السكان الآن مستخدمين أسماءهم الحقيقية أكثر المواد إهانة وتحقيرا لقادتهم. صحيح أن الأنظمة الأوتوقراطية مثل الصين تستخدم منابر التواصل الاجتماعي للقمع إلا أن زمن التحكم بالمعلومات مضى.
وعن الركن الخامس الذي انهار هو دور الرجل المتسيد للمرأة أو النظام الأبوي الذي كان فيه الرجل يتحكم بالمرأة من خلال الأعراف الدينية وغير الدينية والثقافية. إلا أن حالات الهروب الأخيرة من السعودية والإمارات وجهت رسائل للكثير من النساء العربيات اللاتي لا يردن البقاء تحت ولاية الذكور. وهذا صحيح خاصة أن النساء في العديد من الدول، والأردن منها يتخرجن من الجامعات والمدارس الثانوية بأعداد تتفوق على الرجال. ومهما كان الامر فلن تستطيع المرأة اكتشاف إمكانياتها في سوق العمل والاستفادة منها طالما لم تتغير قوانين الزواج والميراث والطلاق وحضانة الأطفال. ولا يستطيع الرجل الزواج بدون أن يكون لديه عمل. وبهذه الحالة فوجود أعداد من الرجال بدون سلطة أو وظيفة ولا علاقة مع فتاة هو وصفة للتمرد خاصة في زمن “توييتر”.
وهذا هو الشرق الأوسط الجديد، حيث ينقل فريدمان عن مروان المعشر، وزير الخارجية الأردني والمسؤول عن أبحاث الشرق الأوسط في وقفية كارنيغي قوله إن القادة العرب تعلموا أنهم لا يستطيعون مواصلة الاعتماد على أدوات القرن العشرين للتحكم بمواطنيهم. وأشار إلى أن الربيع العربي عام 2011 كسر حاجز الخوف في العديد من الدول فيما أدى انهيار سعر النفط في عام 2014 لكسر المقايضة المالية بين الأنظمة والمواطنين و “يقول المواطنون اليوم: إن لم توفر لي وظيفة في الحكومة فسأقول ما أريد”. وعما إن كان هذا سيقود إلى تحول الأردن إلى ديمقراطية في ليلة وضحاها يجيب المعشر قائلا بـ “لا” و “لكن يجب أن تكون هناك عملية تشارك في السلطة بين الحكومات والشعب ومؤسسات المجتمع المدني، فلا يمكنك مواصلة الطلب من السكان التضحية والتخلي عن الوظائف الحكومية والدعم والقبول بضرائب عالية وألا يكون لهم صوت في طريقة حكم أنفسهم”. ويعلق الكاتب أن هذه ليست أخبارا سيئة، على الاقل للأردن الذي يقوم فيه الملك عبدالله الثاني ومنذ 7 اعوام بمبادرة لدعم الشركات التكنولوجية الجديدة والتي باتت عاملا مهما في المنطقة. وهناك مئات الشركات الجديدة المستقلة عن الحكومة والتي تعمل لمواجهة المشاكل الاجتماعية مثل فرص العمل. والتقى الكاتب مع عدد من الأردنيين الشباب العاملين في هذا المجال. ونظمته لمى فواز، المديرة التنفيذية لأوايسيس500 المتخصصة في التكنولوجيا. والتقى بشار عرفة مدير الشرق الأوسط وأفريقيا في شركة “أيرسغارد” وهي الشركة التي تعمل في الهواتف النقالة و”العداسة” والتي تستطيع تحديد هويتك من خلال قزحية العين. وتستخدم الأمم المتحدة تقنيتها في تحديد اللاجئ الحقيقي من الذي يريد الدعم لبيعه مثلا. والتقى عددا آخر مثل زياد الفرخ ودينا شاور وأيسر بطاينة وحسام حمو وكل واحد منهم أنشأ شركته أو قدم تكنولوجيا تعطي صورة أن الشرق الأوسط الجديد لا يواجه مصير الاضطرابات المستمرة. ففي الأردن، فالقصة هي سباق بين عدد من التوجهات السلبية الكثيرة، مثل الشباب الذين يريدون تأمين وظيفة في الحكومة حتى لا يعملون وموجة جديدة تريد المساهمة. وسيحصل الأردن بحلول 2020 على نسبة 20% من طاقته من الطاقة الشمسية فيما تقوم وزارة العمل بتصنيف كل الأفكار الجديدة من أجل دفع أعداد كبيرة من الشباب إلى القطاع الخاص. والمشكلة هي أن ما يجري متأخر، فقد تم تأجيل الإصلاح السياسي ولوقت طويل فيما لا تزال الأعراف الثقافية القديمة متجذرة بعمق خارج عمان.