لندن – “القدس العربي”:
نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” تقريرا حول الصراع على السلطة في السودان بين المدنيين والعسكريين بعد رحيل الرئيس عمر البشير. وتحت عنوان” وسط النشوة في السودان رقصة خفيفة حول من سيحكم السودان: الجنود أم المدنيون؟” كتب ديكلان وولش وجوزيف غولدستين عن استمرار الإعتصام أمام مقرات القيادة العامة للجيش السودان ووصفاه بأنه بمثابة مهرجان صيفي للثقافة المضادة بدلا من أن يكون ثورة.
ففي مقر الإعتصام تجرى الحفلات الموسيقية ويمتزج الجميع، صوفيون وشابات يلقين خطابات ونساء يزغردن، صوفيون بملابسهم الملونة ومسيحيون ينشدون الترانيم الدينية. ويشبه الجو نزهة حيث أحضر بعضهم أبناءهم لتذوق نشوة الإنجاز الباهر.
حقق المتظاهرون الأسبوع الماضي ما عجزت عن تحقيقه الثورات المسلحة وأطاحوا بالزعيم المستبد عمر البشير بعد 30 عاما في الحكم.
ذلك أن المتظاهرين حققوا الأسبوع الماضي ما عجزت عن تحقيقه الثورات المسلحة وأطاحوا بالزعيم المستبد عمر البشير بعد 30 عاما في الحكم.
والسؤال هل تغير الحال؟ فبعيدا عن المهرجان الإحتفالي وداخل بوابات مقرات الجيش لا يزال حماة البشير الأشداء يسيطرون على البلاد. ويديرون حوارا حساسا مع قادة غير معروفين لهذه الثورة الشبابية غير المكتملة. ولا يعرف أحد من الطرفين من هو العدو أو الحليف، وعدم الثقة واضح خاصة بين المتظاهرين الذين يخشون خداع الجنرالات لهم وانتزاع النصر وعرقلة العودة للحكم المدني.
ونقلت الصحيفة عن سلامة علي، المدرس الذي انضم للتظاهرات “قطعوا الرأس” و “لكن الجسد باق”.
وتردف الصحيفة أن المواجهة بين الجنود والمدنيين الذين يتصارعون معا لتحديد هوية ومستقبل السودان انتهت بحالة انسداد. ويخيم تاريخ الثورات السودانية السابق على الإنتفاضة الحالية. وهناك من يخشى أن ينزلق البلد لمصير يشبه ذلك الذي أصاب ليبيا منذ سقوط معمر القذافي عام 2011.
أما المتفائلون فيحاولون المقاربة بين مصير السودان الحالي والتجربة في جنوب أفريقيا حيث انتهى نظام التمييز العنصري في التسعينات من القرن الماضي عبر التفاوض السلمي بين نظام البيض والمعارضة التي قادها نيلسون مانديلا.
ورغم الإنجازات التي حققها المحتجون بعد رحيل البشير إلا أن الوضع لم يحسم بعد. فهذه الإنجازات تحققت بسبب تردد النخبة الحاكمة وتراجعها عن قرارات اتخذتها. وعزلت أول رئيس للمجلس العسكري الإنتقالي في محاولة لاسترضاء المعتصمين خارج مقرات الجيش. وأعلن المجلس في نهاية الأسبوع عن إلغاء حظر التجول والإفراج عن كل المعتقلين السياسيين. واستقال مدير المخابرات الرهيب صلاح قوش الذي اعتبر المتظاهرون بقاءه في السلطة غير مقبول.
وبدا الإنقلاب في لحظات وكأنه “تيندر” حيث عبر المتظاهرون كما في الموقع المعروف عن رضاهم أو كراهيتهم لمن يقترحه الجيش لكي يكون في القيادة. وبدلا من أن تكون ساحة النقاش هي الإنترنت ففي إنقلاب السودان كانت الساحة هي مقر الإعتصام الذي يتحول في الليل إلى ساحة غناء ورقص. وفي نهاية الأسبوع الماضي نصبت شاشة كبيرة ليتمكن المعتصمون من متابعة مباريات كرة القدم الأوروبية.
فيما أعلن المجلس العسكري عن تعيين الجنرال محمد حمدان (حميدتي) نائبا لرئيس المجلس الإنتقالي. وارتبط حميدتي بأحداث دار فور. وأصدرت السعودية، الحليف القوي لحمدان بيانا ثمنت تعيينه. وبعد يوم شوهد الجنرال وهو يصافح القائم بأعمال السفير الأمريكي في الخرطوم ستيفن كوتسيس.
أما قائد الحكومة الإنتقالية الجنرال عبد الفتاح البرهان فله علاقات مع السعودية التي تقدم للسودان البترول المدعم. وكان البرهان حتى وقت قريب يقود كتيبة سودانية تقاتل في اليمن تحت قيادة التحالف السعودي.
وفي المقابل ترى الصحيفة أن قادة قادة المتظاهرين المعتصمين خارج أسوار مقرات القيادة العامة غير معروفين. وهذا مرتبط بالقمع الذي مارسه البشير ومنع وتهميش أو تحييد الكثير من أعضاء النقابات والمجتمع المدني. فيما سجن النقاد ومن لم يسجن منهم هرب إلى الخارج ومات البعض تحت التعذيب.
تجمع المهنيين السودانيين كشف عن غطاء السرية في الأيام القليلة الماضية مع بدء المفاوضات بين ممثلي المعتصمين وقادة الجيش.
وتقول إن حركة الإحتجاج التي أجبرت البشير على الخروج من السلطة هي بقيادة تجمع المهنيين السودانيين والذي ولد من رحم الطبقة المتوسطة المحبطة. ويقودها الأطباء ونقابات المهنيين الأخرى وهي التي حفزت موجة الغضب التي اندلعت بسبب ارتفاع أسعار الخبز في تشرين الأول (ديسمبر) وشكلتها كحركة جماهيرية. وشكل تجمع المهنيين السودانيين تحالفا واسعا ضم الناشطين من منطقة دار فور التي مزقتها الحرب ولجنة الصيادلة و “منبر المغردين السودانيين” ولكن قادتها ظلوا غير معروفين خوفا من الإعتقال. وقال مصور الدعايات التجارية مصعب عبد الناصر، 19 عاما “قادونا إلى الحرية ولا نعرف شيئا عنهم”. وكشف عن غطاء السرية في الأيام القليلة الماضية مع بدء المفاوضات بين ممثلي المعتصمين وقادة الجيش. واختلف الطرفان حول مدة الفترة الإنتقالية ووافق الجنود على تولي المدنيين كل الوزارات باستثناء الدفاع والداخلية. ويريد المدنيون فترة إنتقالية طويلة بحيث تمنح البلاد الخارجة من الديكتاتورية فترة للنضوج. وأمام المتظاهرين درسي مصر وليبيا حيث عقدت الإنتخابات فيهما بطريقة متعجلة وانتهت بتقويض الديمقراطية لا تقويتها. والسؤال الدائر عمن سيكون في مركز السلطة وإن كان مجلسا عسكريا يتمتع بسلطة فيتو على رئيس الوزراء المدني. وترى الصحيفة أن المحادثات ستمتحن وحدة المتظاهرين. فقد استبعد الجيش الأحزاب الإسلامية التي كانت عربة البشير إلى السلطة وحزب المؤتمر الوطني ولم يتم تمثيل الجماعات في دارفور. ويحتاج المحتجون لموقف موحد قبل أن يتفوق عليهم الجيش كما يقول مجدي الجزولي، من معهد ريفت فالي للأبحاث. وقال “هناك ثورة في النشاطات السياسية في الخرطوم الآن” و “ربما لن تفتح النافذة لوقت طويل وعلى المحتجين معرفة ما يريدون تحقيقه قبل أن تغلق أمامهم”.