لندن – “القدس العربي”:
كتب مراسلا صحيفة “نيويورك تايمز” بن هبارد وديفيد هالبفينغر عن تداعيات مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في اسطنبول يوم 2 تشرين الأول (أكتوبر) على حلفاء السعودية في المنطقة خاصة إسرائيل. وجاء في التقرير أن صعود الأمير محمد بن سلمان إلى السلطة كان منحة لإسرائيل. فقد حاول وقف التأثير الإيراني بل وقرن مرشدها الأعلى آية الله علي خامنئي بالزعيم الألماني النازي هتلر. ولم يظهر اهتماماً بالقضية الفلسطينية ونظر إليه كشخص قادر على فرض خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الطرف الفلسطيني. ومع أن لا علاقة دبلوماسية بين البلدين إلا أن الأمير الشاب تحدث عن المصالح المشتركة بينهما. ولكنه الآن وسط أزمة شوهت سمعته وتحاول الرياض دحض تهمة قيام ولي العهد بقتل الصحافي خاشقجي بطريقة بشعة وهو ما أثار حليفيه الرئيسين وهما الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل اللتان تخشيان من تداعيات الأزمة على خططهما وأولوياتهما.
فبالنسبة لإسرائيل الاتهامات الموجهة لولي العهد وأنه أصدر أمراً بقتل جمال خاشقجي تركت أثرها حيث يقول المحللون إنها جمدت وبشكل فعلي الدفع لبناء تحالف دولي ضد إيران وتأثيرها في المنطقة والتي تعد الأولوية الأولى لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. ونقلت الصحيفة عن السفير الأمريكي السابق لإسرائيل دانيال شابيرو قوله “أنت بحاجة إلى السعودية لتكون في مركز التحالف” مضيفاً: “ومن غير المحتمل أن تجد الآن أي عضو في الكونغرس أو زعيماً في أوروبا مستعداً للجلوس مع ولي العهد للمشاورة”.
وزاد من الضغط على ولي العهد التسريبات المتكررة التي صدرت من تركيا وكان آخرها الكشف عن شبيه أرسل إلى القنصلية لكي يرتدي ملابس الصحافي القتيل والخروج من الباب الخلفي للقنصلية. مما أثار شكوكاً بشأن التفسير السعودي عن مقتله. وتقوم الرواية السعودية إن خاشقجي قتل بطريق الخطأ، وظهور الشخص يقترح أن العملية مخطط لها منذ البداية.
تغيير الرواية
وتقول الصحيفة إن التغييرات المستمرة في الرواية السعودية أسهمت في عرقلة جهودها لاحتواء الأزمة. وفي كل مرة يقدم فيها السعوديون تفسيراً يأتي تسريب تركي ليشوش عليهم ويثير شكوكاً وكل هذا يزيد من تشويه صورة المملكة وبالضرورة سمعة محمد بن سلمان، المعروف بـ “م ب س”.
وتواصل قائلة إن ضرراً دائماً بالسعودية سيترك آثاره على كامل المنطقة وسيؤثر على النزاعات في ليبيا واليمن وسيعقد من جهود إدارة ترامب الضغط باتجاه السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين وبناء تحالفات متعددة ضد. تقول لينا الخطيب الباحثة في “تشاتام هاوس” في لندن: “ما نراه في المنطقة هو تعبيرات للتضامن مع السعودية إلا أنها تخفي وراءها المخاوف الحقيقية بين حلفاء السعودية بشأن ديمومة النظام الحالي وما تسببه تصرفاته من أثر على المنطقة”. ولا توجد دولة عربية مرتبطة بالسعودية أكثر من الإمارات العربية المتحدة. فقد اعتقد قادة هذه الدولة أنه من خلال الحصول على نفوذ مع أثرى دولة عربية الإستفادة منها لتمرير مصالحهم. وتقاتل الإمارات العربية إلى جانب السعودية في اليمن ضد المتمردين الحوثيين المتحالفين مع إيران وتبحث عن أماكن أخرى لمواجهة إيران. وتعاون البلدان للإطاحة بنظام الإخوان المسلمين في مصر وتدخلا في ليبيا. وفي الوقت الذي حدث فيه الضرر لسمعة السعودية فإن الإمارات لديها الكثير مما ستخسره لو تخلت عنها.
ويقول إميل هوكاييم، المحلل في شؤون الشرق الأوسط بمعهد الدراسات الدولية والإستراتيجية: “بالنسبة للإمارات فالشراكة مع السعودية استراتيجية واستثمرت بشكل كبير في م ب س” و “لهذا فهو ليس أي استثمار يمكن التخلي عنه. وفي الوقت نفسه فإن التداعيات على سمعة السعودية أصبحت واضحة وطريقة إدارة هذا هو القضية الآن”. وفي الوقت نفسه فإن تشويه سمعه ولي العهد كانت نعمة لأعداء المملكة ممن يدعمون الإسلام السياسي ومن يتحالفون مع إيران. وقامت السعودية والإمارات بفرض حصار على قطر، جارة السعودية الثرية. وقامت قطر بتوجيه الضربة منذ اختفاء خاشقجي حيث أطلقت العنان لإعلامها وقناتها الفضائية، الجزيرة لنشر كل التفاصيل المتعلقة بمقتله. وانتفعت تركيا من القضية حيث استخدم نظام أردوغان ليؤثر على سمعة محمد بن سلمان. فمن خلال السماح للأجهزة الأمنية بتسريب التفاصيل بشأن مقتل خاشقجي، جعل أردوغان من القصة حية ولمدة طويلة وزاد من الضغط على الرياض وواشنطن للبحث عن حل، ولم يقدم أي منها شيئاً.
مضطرون للكشف عنها
وقال ثاد تروي، المسؤول السابق في سي آي إيه “الأتراك مضطرون الآن للكشف عنها” أي القضية. وأضاف أن “الأتراك سيستفيدون منها وجر “م ب س” قدر ما يستطيعون في العملية”. وما يكشف في مهاجمة الأمير محمد بن سلمان هو رد إيران وحلفائها، ففي الوقت الذي رحبت فيه تركيا وقطر والإسلاميون بفرصة توجيه ضربات لاسم محمد بن سلمان، راقب الإيرانيون بهدوء حيث ركزوا على الإستراتيجية طويلة الأمد كما تقول راندا سليم، من معهد الشرق الأوسط. فهم لا يحبون أكثر من رؤية انهيار للتحالف الأمريكي- السعودي. وتقول: “يعتقد الإيرانيون أنه اذا تخلى الأمريكيون عنه فسيتحول نحو روسيا والصين وسيصبح في محورنا” و “هذا حلمهم طويل الأمد وهو نزع السعودية من المشروع الأمريكي- الصهيوني”.
ولا يرى المحور الإيراني الذي يضم حزب الله وسوريا والقوى العراقية أي حاجة لإضافة تداعيات جديدة لمحمد بن سلمان “فعندما ترى عدوك يدمر نفسه، فلماذا تحتاج لعمل شيء؟” و “كل ما يفعلونه هو الجلوس والاستمتاع”. ولكن الدول الصغيرة والفقيرة في المنطقة مثل الأردن والكويت ومصر فأكثر طريقة سلامة هو التعبير عن التضامن مع حليفهم السعودي أو الصمت حتى تمر العاصفة لأنه لا خيار أمامها. ويقول عبدالله عبد الخالق، المحلل الإماراتي “أعتقد أن بن سلمان لا يمكن الإستغناء عنه ومن المؤمل أن يخرج منها أكثر نضجاً. مضيفاً أنه لا مفر إلا التعامل وسيظل موجوداً ويثق به الملك “وعلينا القبول بأن محمد بن سلمان هنا ليبقى”.