لندن- “القدس العربي”:
نقلت صحيفة “نيويورك تايمز” تفاصيل المعركة الأخيرة للرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة الذي قرر الاستقالة ليلة الثلاثاء بضغط من القوات المسلحة.
وقالت إن بوتفليقة استقال بعد أسابيع من الاحتجاجات الحاشدة التي طالبت برحيله عن السلطة قبل نهاية عهدته الرابعة.
وينهي خروجه أطول فصول الحكم في شمال أفريقيا لكنه يترك البلاد أمام مأزق سياسي حيث يطالب الشارع الجزائري بتغيير ثوري.
وكانت وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية قد بثت بيانا عن تقديم بوتفليقة استقالته. وتبع ذلك بيان موجز من قائد القوات المسلحة الجزائرية، التي تعد المحكم التقليدي للشؤون السياسية في البلاد ودعا فيه المجلس الدستوري الإعلان الفوري عن أن بوتفليقة لم يعد صالحا للحكم.
الثورة الجزائرية السلمية تمنح فسحة تفكير لجيرانها من مصر إلى السودان والسعودية والإمارات، الذين نجحوا في إجهاض ثورات الربيع العربي
وحاول بوتفليقة الذي لم يتحدث لشعبه منذ سنوات، وعاجز عن الحركة، إطالة مدة حكمه التي مضى عليها 20 عاما. ودفعته عائلته ونخبة ضيقة من أصحاب المصالح للترشح لعهدة خامسة، مما أثار غضب الشارع الجزائري، وتعليق قائد الجيش الجنرال أحمد قايد صالح أن النخبة الحاكمة والمحيطين ببوتفليقة حاولوا “الحفاظ على مصالحهم الشخصية الضيقة”.
وقالت الصحيفة إن إعلان قائد الجيش كان كافيا لإجبار بوتفليقة على الخروج. مع أنه كان قد أعلن قبل يوم واحد أنه سيتخلى عن الحكم بنهاية عهدته الرابعة التي ستنتهي في 28 نيسان/ أبريل، لكن التنازل الأخير لم يكن مرضيا لا للجيش أو الشارع الغاضب.
وتقول الصحيفة إن الثورة الجزائرية السلمية في عام 2019 ركزت على ضرورة حدوث تغيير جذري في طبيعة الحكم. وتمنح هذه الثورة فسحة تفكير لجيرانها من مصر إلى السودان والسعودية والإمارات، الذين نجحوا في إجهاض ثورة الشارع وشعروا أن هذا النوع من الثورات أصبح من الماضي.
وتقول الصحيفة إن بوتفليقة بدأ حياته السياسية كوزير شاب في الستينات من القرن الماضي، كواحد من المريدين المخلصين للقادة الثوريين الذين قادوا حركة التحرير الوطني عن فرنسا. لكنه قضى وقتا طويلا في المنفى بعدما تورط في فضيحة مالية بنهاية السبعينات من القرن الماضي. وعاد مرة ثانية إلى السياسية بطلب من جنرالات البلاد للمساعدة في رأب جراح الحرب الأهلية الوحشية، وأصبح رئيسا للبلاد في عام 1999، وعزز سمعته كزعيم ماهر في المناورات وعقد صفقة مع الإسلاميين والمتمردين، ولكنه لم يستطع المواصلة بسبب عجزه الذي أقعده عن الحركة وأصبح ألعوبة في يد الدائرة المقربة منه وأعمته -حسب الذين عرفوه- سنوات الحكم ولهذا تجاوز الحدود عندما عبر عن رغبته بولاية خامسة. وكان هذا كفيلا بإغضاب الشعب المستسلم والذي قرر الخروج إلى الشارع في 22 شباط (فبراير) ولم يغادرها منذ ذلك الوقت.
وتعلق الصحيفة أن الشعب الجزائري سيظل عالقا في بقايا بُنية السلطة التي أقامها بوتفليقة رغم استقالته.
بوتفليقة أثبت كوزير خارجية في الستينات محب للقتال والمشاكسة أنه قادر على النجاة. واستخدم مهارته في البقاء على حساب خوف الأمة من شرور الحرب الأهلية
ومن أجل الحفاظ على السيطرة أعلن الرئيس السابق يوم الأحد عن حكومة جديدة ووعد بقرارات مهمة قبل استقالته. إلا أن الإعلان أثار مخاوف الجزائريين العارفين برئيسهم الذين يتقن لعبة الخداع السياسي. ولهذا تلقوا بياناته بنوع من الحذر، فهم لم يكونوا مستعدين لتقبل استمرارية الحكم أو أي من فروعه بل طالبوا ببداية جديدة. ويوم الثلاثاء أعلن الجيش الذي أراد إظهار نفسه بالوقوف مع رغبات الجماهير، أعلن عن استقالة الرئيس.
وتتساءل الصحيفة عما سيحدث بعد رحيل بوتفليقة، مجيبة أن لا أحد يعرف. فالجماهير تريد بداية جديدة لكنها لا تعرف إن كان الجيش سيمضي معها، أو سيتم تجاوز المتطلبات الدستورية التي تقضي بتعيين رئيس مجلس الشيوخ في البرلمان الجزائري رئيسا مؤقتا لحين تنظيم انتخابات رئاسية. فلم تشهد الجزائر الديمقراطية إلا في فترات متقطعة. وكانت الانتخابات الوحيدة التي عكست الإرادة الشعبية تلك التي نظمت عام 1991 والتي تدخل فيها الجيش وألغى جولة ثانية لها مما أدخل البلاد في جحيم حرب أهلية استمرت عشرة أعوام وحصدت على أقل تقديرات 100.000 شخصا.
ولكن الجماهير التي احتشدت في شوارع المدن الجزائرية منذ 22 شباط (فبراير) وكانت سلمية واحتفالية ومصممة، تؤمن على ما يبدو أن الديمقراطية لن تتحقق دون إعادة تشكيل كل شيء وبداية جديدة بعد حكم ديكتاتوري فاسد. ولهذا السبب هتفوا بشعار “أيها النظام، إذهب إلى الجحيم” وطالبوا بذهاب كل النظام بشرعيته الزائفة ومحسوبيته. ومع أن بوتفليقة لم يكن قادرا حتى على الحديث أو التجهم إلا أنه كان قادرا على استغلال مطالب الجماهير الغامضة وتحدث أو من حوله عن “الاستمرارية” و”الانتقال”.
وترى الصحيفة أن القرار لم يكن في النهاية هو قرار الشارع بقدر ما هو تحرك من الجيش الذي اتهم قادته “عددا من الأشخاص” في النظام بإطالة الأزمة.
وتحدث الجيش عن “حفنة من الأشخاص” التي “راكمت ثروات هائلة بطرق غير شرعية”، في تلميح واضح لرجال الأعمال الذين كانوا يدورون في فلك بوتفليقة.
ودعا الجيش إلى تفعيل بنود الدستور التي تعتبر بوتفليقة شخصا عاجزا عن الحكم. وكما وصف عبد العزيز رحابي، الوزير السابق والمعارض الآن فقد كان بوتفليقة مثل “لاعب القمار الكذاب” حيث حاول الحصول على ضمانات لنفسه وعائلته.
وتقول الصحيفة إن بوتفليقة أثبت كوزير خارجية في الستينات محب للقتال والمشاكسة أنه قادر على النجاة. واستخدم مهارته في البقاء على حساب خوف الأمة من شرور الحرب الأهلية.
ويقول هيو روبرتس، الخبير بالشؤون الجزائرية في جامعة تافتس: “لديه سمعة رجل ماهر وماكر وليس السياسي الملتزم بقضية ولا الرجل الذي التزم بمبدأ معين” وهذا ما دفعه لمساعدة هواري بومدين في عام 1965 للإطاحة بأحمد بن بيلا. وبعد وفاة بومدين عام 1979 اتهم بالاختلاس وكاد أن يلقى بالسجن. واتهم بمحاولة وضع أموال وزارة الخارجية في حسابات ببنوك سويسرية. وكان الدرس الذي تعلمه من ذلك الفصل أنه يجب البقاء في السلطة حتى النهاية.