لندن- “القدس العربي”:
ناقش مارك لاندلر في صحيفة “نيويورك تايمز” رؤية القادة في الخارج حول إمكانية عودة الرئيس السابق دونالد ترامب إلى البيت الأبيض من جديد.
وقال الكاتب إن توجيه هيئة محلفين اتهامات لترامب في الأسبوع الماضي، لم تغير من حسابات قادة العالم حول إمكانية عودته إلى السلطة. وأضاف أنه سواء تعامل القادة الأجانب مع فرص عودة ترامب إلى البيت الأبيض بنوع من الأمل أو الرعب، فإن منظور عودة الرئيس السابق متجذرة عميقا لدرجة أن قادة الدول يعملون على تحويط رهاناتهم في مجال الدبلوماسية والأمن، وحتى يستثمرون ثرواتهم. ولا توجد هناك إلا إشارات قليلة عن تغيير القادة لحساباتهم بعد قرار محكمة في نيويورك توجيه تهم لترامب في قضية دفع أموال لممثلة أفلام إباحية مقابل سكوتها.
وقال دبلوماسيون إن القادة الأجانب راقبوا نجاة ترامب من أكثر من كارثة، لدرجة أنهم باتوا ينظرون لمرونته السياسية بنوع من العدمية.
وهذا واضح في أوروبا التي قضى قادتها أربعة أعوام يعانون من توبيخ ترامب لهم في عدد من الأمور، بما فيها الإنفاق العسكري والتغيرات المناخية. وحتى لو انتهت معركة ترامب القانونية بفقدانه القدرة على الترشح للانتخابات، فإنهم يخشون من ظهور قيادات جمهورية على شاكلته، حيث يعتبر حاكم فلوريدا رون دي سانتيس، المرشح الأكبر من بينهم.
وقال ولفانغ إستشينغر، السفير الألماني السابق في الولايات المتحدة، والذي أدار مؤتمر ميونخ للأمن حتى عام 2022: “حتى لو أصبح ترامب تاريخا، فالكثيرون في أوروبا يعانون من الأرق”، مضيفا أن “الخوف الجذري الذي أثاره ترامب قبل ستة أعوام لم يختف”. وقال: “ماذا لو انتقلت عدوى فيروس الانعزالية الذي أصاب ترامب لبقية المرشحين؟ وماذا لو لم يكن ترامب المرشح الجمهوري، وحلّ محله مرشح انعزالي آخر؟ ماذا لو فاز ذلك المرشح؟”.
وزادت هذه المخاوف عندما علّق دي سانتيس بأن الحرب في أوكرانيا هي “خلاف حدودي” حيث سحب التعليق بعد ضغوط من الجمهوريين. إلا أن تعليقه الذي ردد فيه كلام ترامب حول الغزو الروسي، أحدث دويا في العواصم الأوروبية أكثر من الولايات المتحدة، نظرا لاعتماد أوروبا على المساعدات العسكرية والدبلوماسية الأمريكية في دعم والحفاظ على جبهة موحدة ضد العدوان الروسي.
وعلق السفير البريطاني السابق في واشنطن، كيم داروش: “ترامب هو ظاهرة، ولكنه لم يعد فريدا من نوعه” و”أدى لولادة جيل كامل من أمثال ترامب أو الترامبيين.. لهذا، فلو كنت تؤمن بأن الانعزالية تنمو في أمريكا، أو تناسبك سياسيا لكي تؤكد عليها، فلن تحملها بشكل كامل على ترامب”.
وقال داروش الذي أُجبر على مغادرة منصبه بعد كتابته برقيات دبلوماسية ناقدة لإدارة ترامب عام 2019: “هناك الكثير من البدائل”.
وهذا لا يعني أن ترامب قد انتهى أو لم يعد الرمز الوحيد، أو أن مصاعبه القانونية لا تثير اهتماما في الخارج. فالاتهامات الموجهة له بدفع أموال لممثلة أفلام إباحية مقابل سكوتها، هي نوع من القصص التي لا تثير إلا اهتمام الصحف الشعبية والعناوين خارج أمريكا. فقد وضعت صحيفة “ديلي ستار” في لندن عنوانا: “المشتبه المعروف” مع صور ترامب. واختارت صحيفة “التايمز” في عنوانها الرئيسي: “سيرفض ترامب القيد”، وضم مقابلة مع ستورمي دانيالز، الممثلة التي أقام ترامب علاقة جنسية معها، وحصلت على مال من محاميه مقابل سكوتها.
إلا أن “ديلي تلغراف” الميالة لليمين، ركزت على الجانب الإيجابي من القضية، قائلة إن التهم هي “فرصة ذهبية لترامب”، مما يشي بشعور بأن مشاكل ترامب القانونية قد تمتد من البرلمان إلى الحكومة. وبالنسبة لداروش، فمَن يتابع ترامب، يرى أن هذه واحدة من الاتهامات الموجهة له، في عدد من القضايا التي تشمل تدخلا في نتائج الانتخابات، وإساءة التعامل مع الملفات السرية.
وسيركز العديد من المراقبين بدلا من ذلك على تقدم ترامب في استطلاعات الرأي على منافسيه الجمهوريين. ويقول داروش إن جزءا من محاولة الأوروبيين التعامل مع إمكانية عودة ترامب، نابعة من أنها تعزز أجندتهم الجيوسياسية. ففي بريطانيا، يتحدث معسكر اليمين وبشكل مفتوح عن عودة ترامب الذي دعم خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ولوّح بإمكانية اتفاقية تجارة حرة مع بريطانيا. ووضع بايدن الاتفاق ذلك على الرف، ورغم علاقته الودية مع بريطانيا، إلا أنها ليست حماسية مثل ترامب، ولم يحضر تتويج الملك تشارلس الثالث، وهي حفلة لم يكن أسلافه ليتجاهلوها.
في فرنسا، دعم الرئيس إيمانويل ماكرون فكرة “الاستقلالية الإستراتيجية” لأوروبا، وهي نظرية تؤكد على أهمية اعتماد القارة على نفسها في أمور الدفاع. وكان احتقار ترامب عاملا مهما وراء هذه الفكرة. ومن هنا، ففترة ثانية لترامب حيث هدد بالخروج من الناتو، تجعل من فكرة ماكرون حتمية.
في الشرق الأوسط، تقوم الدول هناك بتحويط رهاناتها حول إمكانية عودة ترامب إلى السلطة. فقد استثمرت دول مثل السعودية والإمارات وقطر في شركة سندات خاصة بدأها صهر ترامب، جارد كوشنر. ويرى الخبراء أن الاستثمارات تعكس الرغبة في الحفاظ على علاقات جيدة مع كوشنر المتزوج من إيفانكا، ابنة ترامب.
ويعول السعوديون تحديدا على عودة ترامب أو على الأقل عودة رئيس جمهوري كما يقول مارتن إنديك، السفير الأمريكي السابق في إسرائيل، معلقا أن “العلاقة بين بايدن وولي العهد محمد بن سلمان محفوفة بالمخاطر”.
ولكن إنديك متشكك في إمكانية تغيير القادة العرب حساباتهم بسبب الاتهامات لترامب، ويقول: “أشك فيما إن توصلوا لنتيجة في أن هذا سيخرجه من السباق” و”لو حدث هذا، فقد يفتح الباب أمام جمهوري آخر لديه حظ أكبر لهزيمة بايدن”.
وفي إسرائيل، يرى المحللون أن بنيامين نتنياهو قد يرحب بعودة ترامب، فكلاهما يواجه نفس المشاكل والملاحقات القانونية. ومثل ترامب، فقد اتهم نتنياهو القضاة بملاحقته لدوافع سياسية.
وبالنسبة للدول الأعداء مثل روسيا والصين، فمنظور حملة انتخابية جديدة للرئاسة، ودفاعه عن نفسه في ملاحقة قانونية يخدم السرد الإعلامي لديهم وهو أن أمريكا في حالة من الفوضى. وقال إيفان أس ميديروس، مستشار باراك أوباما في شؤون الصين إن “الصينيين سيستخدمون هذا لتعزيز النقاش الذي قدموه في السابق، وهو أن أمريكا استنفدها الخلل الوظيفي في الديمقراطية وأن الصين هي الرهان الأفضل”.