نيويورك تايمز: شركة “واجهة” وتوقيع مستعار.. كيف استخدمت إدارة بايدن برنامج تجسس إسرائيليا تعهدت بتدميره؟

إبراهيم درويش
حجم الخط
3

لندن- “القدس العربي”:

نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” تقريرا من إعداد مارك مازيتي ورونين بيرغمان، قالا فيه إن إدارة الرئيس بايدن استخدمت برنامج تجسس لشركة إسرائيلية رغم محاولتها قتله.

ففي 8 تشرين الثاني/ نوفمبر 2021، تم التوصل إلى اتفاقية بين شركة “واجهة” مثّلت حكومة الولايات المتحدة، وشركة تابعة لمجموعة “أن أس أو” الإسرائيلية التي طورت برنامج التجسس (بيغاسوس) سيئ السمعة. وبناء على الاتفاقية، منحت الشركة الإسرائيلية الحكومةَ الأمريكية فرصة للتعرف على سلاحها القوي وقدرته على تحديد المكان الجغرافي للهاتف المحمول، وملاحقته سرا بدون معرفة صاحبه أو موافقته.

وعلق الكاتبان أن الاتفاقية غير طبيعية، ذلك أنها وقّعت من شركة “واجهة” تابعة لرجل أعمال مضى عليها باسم مستعار، كما أن توقيت العقد لم يكن عاديا.

إدارة الرئيس بايدن استخدمت برنامج بيغاسوس للتجسس رغم محاولتها قتله، حيث تم التوصل إلى اتفاقية بين شركة “واجهة” مثّلت الحكومة الأمريكية، وشركة تابعة لمجموعة “أن أس أو” الإسرائيلية

فقبل أيام، أعلنت الحكومة الأمريكية أنها بصدد اتخاذ إجراءات ضد الشركة التي استخدمت الحكومات حول العالم برنامج التجسس الذي أنتجته لملاحقة المعارضة السياسية وناشطي حقوق الإنسان والصحافيين. ووضع البيت الأبيض اسم “أن أس أو” على قائمته السوداء للشركات التي تعتبر تهديدا، وأرسل بهذا رسالة للشركات الأمريكية بعدم التعامل معها. ولا يتناسب العقد السري الذي تكشف عنه صحيفة “نيويورك تايمز” لأول مرة، مع سياسة إدارة بايدن المعلنة.

وبحسب العقد الذي اطّلعت عليه الصحيفة، ستكون “حكومة الولايات المتحدة” المستخدم النهائي للأداة، رغم أنه لا يشير إلى الوكالة الحكومية التي سيسمح لها باستخدامه. بل ويسمح العقد للحكومة الأمريكية بفحص وتقييم البرنامج ونشره ضد أي هدف تختاره في المكسيك.

وعبّر مسؤولو البيت الأبيض عن دهشتهم من الخبر، وقالوا إنه أمر جديد. وعلق مسؤول بارز في الإدارة: “نحن لسنا على دراية.. وأي استخدام لهذا المنتج سيكون أمرا مثيرا للقلق”. ولم يعلق المتحدث باسم البيت الأبيض ولا وكالة الاستخبارات الوطنية، وتركوا السؤال الخطير: “ماذا كان يعرف المسؤولون الاستخباراتيون ومسؤولو فرض النظام عن العقد الذي تم توقيعه؟ وهل كانت الإدارة تتعامل مع متعهد مارق تجنّب سياسة بايدن؟ ولماذا حدد العقد المكسيك كمكان لنشر برنامج التجسس؟”.

ويكشف العقد السري تفاصيل أكثر عن المعركة الجارية للسيطرة على أسلحة التجسس الإلكترونية داخل الحكومات بما فيها الولايات المتحدة. فقد منحت هذه البرامج قوة للحكومات كي تقوم بعمليات رقابة من الداخل، لم تكن متوفرة لها قبل اختراع هذه الوسائل. وقادت هذه القوة إلى انتهاكات للحقوق الشخصية وحقوق الإنسان، من المكسيك حيث استُخدمت للتجسس على الصحافيين الذين كانوا يحققون في جرائم الجيش، إلى السعودية التي استخدمت البرنامج لقرصنة أجهزة المعارضين السياسيين.

وقاد استخدام برنامج التجسس ضد الصحافيين إلى فضيحة سياسية في اليونان. وانتشرت دعوات في الغرب للحد من استخدام برامج التجسس التجارية نظرا لاستشراء الانتهاكات، إلا أن قوتها جعلتها جذابة للمخابرات والجيوش وقوات حفظ النظام في الدول الديمقراطية والاستبدادية على حد سواء.

يكشف العقد السري تفاصيل أكثر عن المعركة الجارية للسيطرة على أسلحة التجسس الإلكترونية داخل الحكومات بما فيها الولايات المتحدة

وتقول الصحيفة إن محاولة “أن أس أو” الدخول للأسواق الأمريكية، تكشف عن هذا التوترات. ففي الأسبوع الماضي، وقّع بايدن أمرا رئاسيا يحظر استخدام الحكومة برنامج تجسس تجاري. ويمنع دوائر الحكومة الفدرالية ووكالاتها من استخدام وتركيب أدوات للقرصنة يمكن أن تستخدمها حكومات أجنبية ضد أمريكيين في الخارج، أو تهدد الأمن القومي الأمريكي على شبكاتها. واستبعد الأمر الرئاسي القدرات التجسسية التي تطورها الاستخبارات التي لديها نفس القدرة في حالة استخدامها.

وبعد نشر هذا التقرير على الإنترنت، قال مسؤولون أمريكيون إن عقدا كالذي كشفت عنه “نيويورك تايمز” لو تم، فإنه سيخرق الأمر الرئاسي. وفي الوقت الذي كانت فيه إدارة بايدن تسعى لكي تخرج “أن أس أو” من التجارة، كانت هناك مؤسسات أمنية منجذبة لقوة هذا البرنامج. فقد اشترت عناصر في الوكالات الاستخباراتية الواسعة خلال الأعوام الأخيرة، أسلحة ونشرتها ضد مهربي المخدرات، ودفعت باتجاه السيطرة عليها مع حلفائها. وكما كشفت نفس الصحيفة في العام الماضي، فقد اشترى مكتب التحقيقات الفدرالي (أف بي أي) برنامج بيغاسوس الذي يخترق الهواتف المحمولة ويحصد محتوياتها.

وفي تحقيق لاحق للصحيفة، وجدت أن الاتفاقية السرية في تشرين الثاني/ نوفمبر 2021، ورد فيها اسم “كليوباترا القابضة” مع أنها شركة صغيرة مقرها في نيوجيرسي، أطلق عليها متعهد الحكومة اسم “ريفا نتوورك” والتي استخدمها “أف بي أي” قبل عامين. واستخدم مدير “ريفا” اسما مزيفا للتوقيع على العقد في 2021. وكان عقد 2021 هو لنفس أداة تحديد الموقع الجغرافي “جيولوكيشن” الذي استخدمه مستشار ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، كجزء من حملة قاسية لملاحقة من نظر إليهم على أنهم تهديد للمملكة.

وحدث التحرك في وقت حاولت شركة سندات خاصة أوروبية، تملّك “أن أس أو” والحصول على تعامل تجاري مع الحكومة الأمريكية، وإنشاء شركة “أنطمة غيدون الإلكترونية”، وكان هدف شركة السندات هو العثور على مشتر للشركة. ولم يتحقق أي تقدم في محاولات شركة “أل 3 هاريس” الأمريكية الدفاعية لشراء “أن أس أو”. ورغم شطب الشركة من القائمة السوداء، إلا أن “أل 3 هاريس” اتصلت مع وزارة التجارة حول صفقة محتملة.

وتقول الصحيفة إن تحقيقها قام على أكثر من 30 مقابلة مع مسؤولين أمريكيين وإسرائيليين حاليين وسابقين، ومدراء شركات وخبراء تكنولوجيا، ومراجعة لمئات الصفحات من الوثائق الحكومية، تم الحصول على بعضها بناء على قانون حرية المعلومات.

كان لدى شركة “نوفالبينا” هدف أكبر، هو بيع بيغاسوس للولايات المتحدة وحلفائها في مجموعة “العيون الخمس” وهي بريطانيا وكندا وأستراليا ونيوزلندا

 وفي شباط/ فبراير 2019، اشترت شركة مقرها لندن وهي “نوفالبينا”، “أن أس أو” بمبلغ مليار دولار، وفي ذلك الوقت كانت الشركة تحتكر أدوات القرصنة الرئيسية على الهواتف المحمولة، بهدف توسيع مجال تسويقها وبيعها لحكومات في العالم.

وقضت “أن أس أو” عقدا من الزمن في التعامل  التجاري معتمدة على النخبة العسكرية الإسرائيلية المتخصصة في القرصنة واختراق الهواتف المحمولة واستخراج كل شيء منها، من الرسائل النصية والإلكترونية إلى الصور.

وكان لدى شركة “نوفالبينا” هدف أكبر، هو بيع الأداة للولايات المتحدة وحلفائها في مجموعة “العيون الخمس” وهي بريطانيا وكندا وأستراليا ونيوزلندا. وجاء استحواذ نوفالبينا على الشركة وسط عدد من الفضائح حول إساءة استخدام بيغاسوس، خاصة بعد مقتل الصحافي في واشنطن بوست، جمال خاشقجي، مع أن الشركة أكدت أن منتجها بيع للنخبة الأمنية كي تستخدمه لملاحقة الجريمة المنظمة والمخدرات.

ورغم شراء نوفالبينا لشركة “أن أس أو” باعتقاد أن الضجة حول خاشقجي ستخفت، إلا أنها ظلت حتى 2020. وأنشات في 2020 شركة تابعة لها في أمريكا باسم “أنظمة غيدون الإلكترونية”. وكان الهدف من ذلك، هو تجريد “أن أس أو” من ملكية بيغاسوس، وتحويلها إلى شركة أمريكية.

وكان التفكير هو قيام نوفالبينا ببيع الفرع الأمريكي لشركة دفاعية أمريكية كبرى، بشكل يعبّد الطريق أمام الولايات المتحدة  لتملك جهاز تجسس قوي تستخدمه مع الدول الحليفة لها. وكان “أف بي أي” قد اشترى رخصة لنشر بيغاسوس في 2019 بهدف فحص الطريقة التي يستخدمها الأعداء وإمكانية استخدامه في داخل الشبكات التابعة له.

ولكي يتم العقد، استخدمت شركة ريفا نتوورك، ولكنها لجأت إلى واجهة باسم “كليوباترا القابضة”. ولدى ريفا خبرة طويلة في بيع المنتجات للجيش ودوائر الحكومة الأمريكية. وفي رسالة تعود إلى 2018 من وزارة العدل إلى الحكومة الإسرائيلية، سمحت فيها لكليوباترا القابضة بشراء بيغاسوس نيابة عن “أف بي أي”. وبالنسبة لنوفالبينا، فقد كان شراء “أف بي أي” برنامج بيغاسوس خطوة مهمة لإقناع بقية دوائر الحكومة الأمريكية بالاستثمار وشراء البرنامج.

ومع تقدم محاولات نوفالبينا في جذب الأمريكيين للبرنامج، ظهرت عدة محاذير تتعلق بإمكانية استخدامه كبوابة خلفية للمخابرات الإسرائيلية والموساد للحصول على معلومات أمنية من أمريكا. ومن أجل تجاوز هذه المحاذير، بدأت “غيدون” بالعمل مع شركة أمريكية أخرى هي “بولدند” ذات العلاقة القوية مع “سي آي أي” ووكالات الاستخبارات الأمريكية الأخرى.

وبعد أيام، تم اتخاذ خطوة في اتجاه آخر، حيث عقدت شركة غيدون اجتماعا مع كليوباترا القابضة، أعطتها فيه حق استخدام أداة تحديد الموقع في البرنامج. ومنح العقد الحكومة الأمريكية الحق في استخدام “لاندمارك” الذي يسمح لها بمتابعة الهدف، وهو نفس ما فعله مستشار ولي العهد السعودي عام 2017 لملاحقة خاشقجي.

وبناء على عقد غيدون، كان لدى المسؤولين الأمريكيين منفذ لبوابة “أن أس أو” الخاصة، والتي تسمح بعد طباعة رقم، بتحديد مكان الشخص بدون أن ينقر صاحب الهاتف عليه. وبناء على نموذج “أن أس أو” فكل محاولة لاستخدام البوابة تعني دفع أجر شهري على كل طلب.

وكانت الطلبات لتحديد المواقع قادمة من المكسيك بشكل رئيسي. ووقّع على عقد تشرين الثاني/نوفمبر 2021 شخص اسمه “بيل مالون” باعتباره مدير كليوباترا القابضة. وفي الحقيقة، كان الشخص الذي وقّع على العقد هو روبن غامبل، المدير التنفيذي لريفا.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية