لندن- “القدس العربي”- من إبراهيم درويش:
قالت صحيفة “نيويورك تايمز” إن عفو الرئيس دونالد ترامب عن السعودية في قضية مقتل الصحافي جمال خاشقجي هو بمثابة رسالة للدول المستبدة.
وقال كل من مارك مازيتي، وبن هبارد، إن الرئيس ترامب يتعامل مع السياسة الخارجية كسلسلة من العقود التجارية المجردة من القيم والمُثل، إلا أن بيانه الذي جاء في 633 كلمة ونشره يوم الثلاثاء وحدد فيه موقفه من القتل الوحشي لخاشقجي يكشف عن المدى الذي يرى فيه أن الحسابات التجارية الفجة هي المعيار الذي يجب أن يقود السياسة والقرارات الأمريكية المتعلقة بالشرق الأوسط والعالم الأوسع.
وكان ترامب واضحا من أنه يرى التحالفات من خلال التعاقدات التجارية وتقوم على كمية السلاح التي يشتريها الشركاء الأجانب، فالوظائف للأمريكيين أهم من القيم الأمريكية. فكل الدول تتصرف بطرق شنيعة، ولهذا يجب على الرئيس أن لا يتعامل مع الأصدقاء بمعايير تختلف عن الأعداء.
نيويورك تايمز: ترامب يتعامل مع السياسة الخارجية كسلسلة من العقود التجارية المجردة من القيم والمُثل
وترى الصحيفة أن رسالة الثلاثاء قد تكون مفتاحا للقادة الأجانب عن الكيفية التي يمكنهم زيادة ورفع مستواهم في عين رئيس الولايات المتحدة وعن المدى الذي يمكنهم فيه الذهاب لسحق المعارضة المحلية بدون إثارة غضب أمريكا.
كما كان بيانه عبارة عن تأمل كاشف عن الدور الذي يجب أن تلعبه الحقائق في صناعة القرارات السياسية. فقد توصلت “سي آي إيه” لنتيجة مفادها أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان هو الذي أمر بقتل الصحافي جمال خاشقجي.
إلا أن ترامب يوم الثلاثاء لم يرفض التقييم ملمحاً أننا قد لا نعرف حقيقة مقتل خاشقجي. وبعبارات أتبعها بعلامة تعجب قال: “ربما عرف وربما لم يعرف!” عن محمد بن سلمان. فما يهم ليس الحقيقة، ولكن القرار الذي يتخذه الرئيس من أجل اقتصاد وأمن أمريكا.
وترى الصحيفة أن عبارات الرئيس تمثل ضربة لتركيا، الحليف المهم للولايات المتحدة والعضو في حلف الناتو والتي طالبت بمعاقبة السعودية على جريمة القتل التي جرت على أراضيها في داخل القنصلية السعودية باسطنبول.
ورحب حلفاء ترامب في الشرق الأوسط غير تركيا ببيانه الوقوف مع السعودية حيث ترك حكامها يحكمون كما يريدون.
وعلق عبد الخالق عبد الله، المحلل الإماراتي: “سينظر إلى ترامب على أنه حاكم شجاع تمسك بموقفه ضد الإجماع في واشنطن”. وقال: “شكر عظيم لك سيدي الرئيس من هذا الجزء من العالم. فلن تنسى الرياض وبقية دول الخليج هذا الموقف الصلب وسيتم رده بسخاء في موضوعات أخرى”.
ويكشف بيان ترامب عن محاولته إثارة الإنتباه للدول التي تستخدم القتل كوسيلة للسلطة. ففي مقابلة مع بيل أورايلي من “فوكس نيوز” بعد وصوله إلى السلطة، قلل ترامب من تاريخ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، واستخدامه القتل خارج القانون، وقارنه بالتاريخ الأمريكي. وقال إن أمريكا ستكون في أحسن حال بروسيا صديقة وليست عدوا.
وحلل ترامب السعودية في بيانه من مسؤولية القتلى المدنيين وحملها إلى إيران، وبدأ بيانه بعبارة “العالم مكان خطير” وتبع ذلك علامة تعجب.
وكان هذا تلخيصاً دقيقاً لأولويات ترامب في الشرق الأوسط والتي تقوم على حماية إسرائيل وقتال الإرهاب ودفع إيران التي اعتبرها عجلة عدم استقرار في لبنان واليمن وسوريا.
فمنذ وصول ترامب، قدمت السعودية نفسها لترامب وصهره جاريد كوشنر على أنها الدولة التي تملك المال والموقف للمساعدة في كل هذه. وكان الرئيس واضحا: “تنوي الولايات المتحدة البقاء كشريك قوي للسعودية والتأكد من مصالحنا وإسرائيل والشركاء في المنطقة”.
وذهب ترامب أبعد من المسؤولين السعوديين في وصف العلاقة والقتل. فالمملكة لا تقيم علاقات رسمية مع إسرائيل رغم مديح ترامب لها بأنها تخدم مصالح إسرائيل. وقال ترامب إن المسؤولين السعوديين وصفوا جمال خاشقجي بـ”عدو الوطن” وعضو في جماعة الإخوان المسلمين وهي تهمة لم يعبروا عنها بصراحة.
بل وصف شيق ولي العهد الأمير خالد خاشقجي بـ”الصديق” بعد اختفائه. وبعد ساعات من بيانه قال ترامب إن السعودية تسيطر على سقوط النفط، وأن دفع ولي العهد بقوة قد يؤدي إلى تخفيض انتاجها ورفع سعر البرميل إلى 150 دولارا.
ورد حلفاء الرئيس في الكونغرس بغضب، حيث قالوا إنه تخلى عن سلطة أمريكا في حقوق الإنسان من أجل بيع السلاح. وقال راند بول في تغريدة: “أنا متأكد من أن هذا بيان (السعودية أولا) لا أمريكا أولا”.
وتعلق الصحيفة أن بيان الرئيس سيزيد من التوتر في العلاقات مع تركيا، العضو في الناتو، خاصة أن العلاقات في أدنى مستوياتها على خلفية اعتقال قس أمريكي ودعم أمريكا للأكراد في سوريا الذين تنظر إليهم أنقرة كجزء من جماعة إرهابية.
وقام الرئيس رجب طيب أردوغان بالتلميح أن الأمير محمد بن سلمان هو من أمر بالقتل دون تسميته، ويواصل المسؤولون الأتراك نشر تفاصيل عن الجريمة.
وفي بيانه، وقف ترامب إلى جانب محمد بن سلمان بشكل قد يؤدي إلى عزل أردوغان. ويرى رامي خوري من الجامعة الأمريكية في بيروت والزميل في مدرسة كيندي بجامعة هارفارد معلقا على بيان ترامب بأنه “تذكير مروع لوضع القيادة الأمريكية الخطر من ناحية الإلتزام بالقانون والأخلاق والقيم العامة”. مضيفا: “الرسالة هي أننا الآن في عصر حكم الرجل القوي والمافيا والتي تتسيد تدريجيا المنطقة”.