نيويورك تايمز: فوز لولا دا سيلفا قد يخلّص البرازيل من جنون بولسونارو ويمينه المتطرف

إبراهيم درويش
حجم الخط
2

لندن- “القدس العربي”: قالت فانيسا باربرا، المعلقة في شؤون السياسة والثقافة بالبرازيل، في صحيفة “نيويورك تايمز” إن نتائج الانتخابات التي أدت لعودة مرشح يسار- الوسط لويز إغناسيو لولا دا سيلفا، ربما كانت إشارة على أن البرازيل قد تحررت من جنون جايير بولسونارو، “أربع سنوات من الجنون ربما انتهت، ففي جولة ثانية متوترة، تغلب لولا دا سليفا على الرئيس بولسونارو وحصل على نسبة 50.9% من الأصوات. وسيصبح لولا، باستناء حدث دراماتيكي، كالانقلاب المروع الذي يحوم على البلاد منذ أشهر، رئيسا للبلاد في 1 كانون الثاني/ يناير”.

ولم يكن الطريق سهلا، فالشهر الأخير كان بمثابة تقطير لعهد بولسونارو. وكانت هناك عملية تضليل واسعة (فقد كان على حملة دا سيلفا التأكيد ردا على الشائعات التي انتشرت على وسائل التواصل الإجتماعي أنه لم يعقد صفقة مع  الشيطان أو تحدث معه)، وكان هناك حديث مستشر  حول أكلة لحوم البشر والماسونية والسياسة التي ستعيد البلاد إلى القرون الوسطى. وكان هناك حديث عن عنف سياسي بمباركة من السلطات العليا”.

وتقول الكاتبة: “يمكننا القول ومن أجل صحتنا العقلية، أن بولسونارو قد هُزم، وهذا لا يعني أن كل البلد قد اصطف مع دا سيلفا وحزب الوسط اليساري “حزب العمال” الذي قاد البلاد لمدة 13 عاما حتى نهاية 2016. ولكن السنوات الأربع الماضية في ظل بولسونارو، كشفت لنا عن المدى الذي يمكن للبلد أن يهبط فيه للقاع، وكذا المدى الذي يمكن أن تذهب فيه الأمة للخروج من مستنقع التبعية السياسية الذي وجدت نفسها فيه”.

وأضافت: “هناك الكثير من الأمور التي لن آسف عليها من هذه الإدارة: تجاهلها الإجرامي، الفساد المستأصل وتشددها الجنوني. وأهم ارتياح هو أننا لن نضطر للمشاركة في النقاشات المجنونة، فستعود البرازيل إلى ما يشبه السلامة العقلية”.

وترى الكاتبة أن النقاش السياسي قد انحرف بطريقة لم يعد أحد يصدقها “فقبل  تسعة أعوام، خرج البرازيليون بأعداد حاشدة لدعم النقل العام المجاني. وكم ابتعدنا اليوم عن العقلية المدنية تلك؟  نقضي اليوم معظم وقتنا للتأكيد وبطريقة يائسة أن علم الفيروسات موجود وأن التغيرات المناحية ليست خدعة عالمية”. مضيفة: “نخشى الخروج للشوارع كي نحتج حتى لا نعطي الحكومة سببا للانقلاب العسكري. بتنا نعتقد أن كل مدني في سيارة مارّة هو مسلح، وأن من يرتدي اللون الأحمر يعبر عن موقف سياسي. وتمت مهاجمة كاردينال كاثوليكي بسبب زيّه الديني الأحمر، مما يعني أن رجال الدين ليسوا فوق الشبهات. ولم يعد البرازيليون يتجرأون على مناقشة الأخبار مع جيرانهم خوفا مما سيقولون”، و “الحقيقة هي أن المجتمع البرازيلي تسيطر عليه دائما القوى المحافظة. ولم يتحقق التقدم خلال العقدين الماضيين بسهولة، مثل الرفاه الاجتماعي أو بولسا فاميليا، وكذا الفعل الحاسم في الجامعات أو القطاع العام وزاوج المثليين. وكلها قوبلت من المحافظين بالسخرية إن لم تكن السخط العام”.

ولكنها كانت معارك خاضها يسار الوسط مع يمين الوسط اللذين كان لديهما الأسباب للانخراط في النقاش السياسي. وكل هذا تغير مع وصول بولسونارو إلى المشهد السياسي، وبدأ سد من الجناح اليميني المتطرف المقموع بالانفجار رويدا رويدا. وشهد الخطاب العام، يوما بعد يوم حالة تمييع من خلال المزاعم التآمرية التي شحنتها منصات التواصل الاجتماعي وشجع عليها بولسونارو. وكان على الناس تضييع وقتهم من أجل دحض النظرية التي قالت إن اللقاحات تحتوي على ربوتات نانوية، أو أن الغابات الاستوائية في الأمازون لم تشتعل فيها النيران.

وتم تضييع كل الطاقة التي كان يمكن أن تنفق بالمطالبة بخدمات صحية أفضل أو رد قوي على التغيرات المناخية، في مواجهة كلام تافه. وتقول باربرا إن بولسونارو لم يعط البرازيليين أي خيار حتى الانتخابات، فقد كان يهدف لإقامة نظام استبدادي، وانتهز كل فرصة للبقاء في السلطة، مما جعل هزيمته ضرورة مطلقة، وتفوقت على كل مظهر قلق آخر. وهذا ما يفسر سعة الائتلاف الذي تحلق حول حملة دا سيلفا، وضمّ حتى معارضين له في يمين- الوسط. وتم تخفيض المنافسة الانتخابية إلى مع أو ضد بولسونارو.

والحقيقة ليست بهذه البساطة، فلم يكن هناك حل ملموس للكيفية التي تقوم بها الشبكات الاجتماعية بدفع الناس نحو المواقف المتطرفة وتعميق الاستقطاب. والمشكلة الثانية هي أن الساسة الذين دعمهم بولسونارو باتوا جزءا من الفضاء السياسي. فهناك عدد من الحكام الذين دعمهم بولسونارو من بين 27 حاكما انتُخبوا، وحزبه هو الأكبر في مجلس الشيوخ بعد فوزه بثمانية من 27 مقعدا، وبعض هؤلاء الشيوخ الذين سيظلون في مقاعدهم لمدة 8 أعوام، كانوا وزراء في إدارة بولسونارو. وزاد اليمين المتطرف تأثيره في الكونغرس. وفاز حزب الرئيس بـ99 مقعدا من 513 في الغرفة الدنيا، وربما غادر بولسونارو الحكم، لكن نسخته “البولسونارية” لم تنته بعد.

ويمثل هذا تحديا خطيرا للإدارة المقبلة، فلن يصبح اليمين المتطرف المتجرأ شوكة في خاصرة دا سيلفا، ولكنه قد يجبره على التحول نحو يمين- الوسط، مما يفتح الباب أمام تبادل الخدمات -عادة الفساد- والتي رافقت السياسة البرازيلية منذ ظهورها.

وتقول الكاتبة إنه “مع ذلك، يجب علينا ألا نقلل من هذا المسار السياسي الجديد. فيمكن دفع اليمين المتطرف الذي هيمن على المشهد السياسي إلى الهامش. ويمكن للبرازيل أن تحصل في الحد الأدنى على حكومة مهتمة بعدم المساواة المتزايدة والجوع، أكثر من اهتمامها بعدد الأتباع في مسيراتها. وهذا وحده تحول منشط. وما هو مهم، هو أن البرازيليين سيعودون  للنقاش الملح حول القضايا المهمة، مثل العجز في الإسكان والتعليم العام والشرطة العسكرية والعنصرية. وربما وجد البرازيليون أنفسهم يفكرون في أمور تدهشهم وتعطيهم البهجة مثل السلاحف والفلك، على الأقل أمور تعطيهم راحة من الجنون”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية