لندن – “القدس العربي”:
تساءلت الكاتبة في صحيفة “نيويورك تايمز” ميغان سبكيا عن السبب الذي تحولت فيه “خلافة” تنظيم الدولة من دولة مارقة إلى شظية صغيرة. وتحدثت في مقالها عن رفع العلم الأسود للدولة فوق مدينة الرقة بداية عام 2014. وكان هذا بداية التحول من حركة هامشية إلى لاعب إقليمي وتهديد دولي مخيف. وبنهاية ذلك العام كانت “الدولة” قد توسعت وسيطرت على مناطق شاسعة في كل من العراق وسوريا واقامت دولة مارقة بحجم المملكة البريطانية المتحدة. واليوم لم يتبق من هذه الدولة الكبيرة إلا قطعة أرض صغيرة على طول وادي نهر الفرات في جنوب- شرق سوريا. ويحتفظ التنظيم أو الدولة بألاف من المقاتلين في المنطقة إلا أن عددا كبيرا منهم حمل سلاحه وبدأ حرب عصابات واستمر في نشر الأيديولوجية حول العالم.
وتقول الكاتبة إن جذور التنظيم تعود إلى تنظيم القاعدة في العراق، وهو الفرع للتنظيم الذي شن هجمات إيلول (سبتمبر) 2001 على الولايات المتحدة. وبدأ الفرع العراقي كحركة تمرد دفعت العراق إلى حافة الحرب الأهلية في الفترة ما بين 2006- 2007 قبل أن يعاني من هزيمة منكرة على يد القوات الأمريكية والميليشيات المحلية. وبحلول عام 2013 أعادت بقايا القاعدة في العراق تنظيم نفسه باسم “الدولة الإسلامية في العراق وسوريا” ووجدت فرصة في سوريا التي تشهد حربا أهلية. وكان أبو بكر البغدادي، العراقي، هو الرجل الذي هندس عودة القاعدة بالإسم الجديد ودفع باتجاه السيطرة على الأراضي وإعلان الدولة. واستفاد التنظيم في سوريا من الفراغ الذي نشأ بعد سيطرة المعارضة لنظام بشار الأسد على مناطق في شرق وشمال البلاد. وأخرج التنظيم المعارضة من المناطق الإستراتيجية واندفع باتجاه مدينة الرقة في شمال- شرق سوريا وسيطر عليها في كانون الثاني (يناير) 2014 واتخذها عاصمة. وفي ذلك الوقت لم يسمع أحد بالتنظيم إلا أنهم لم ينتظروا طويلا. ففي ربيع وصيف العام نفسه اندفع التنظيم في شرق سوريا وشمال- غرب العراق واحتل المدينة تلو الأخرى حتى وصل مدينة الموصل ثاني مدينة في العراق وسيطر عليها. وفي حزيران (يونيو) من ذلك العام أعلن أبو بكر البغدادي من على منبر مسجدها التاريخي، الجامع النوري عن “الخلافة” ودعا المقاتلين الأجانب للدفاع عنها. ومع توسع “الخلافة” بدأت أعداد من المجندين من المنطقة وحول العالم بالتدفق إليها والمساهمة في بنائها ووصل عدد المقاتلين الأجانب حوالي 40.000 مقاتلا من 100 دولة. واستخدم التنظيم الصحافة الإلكترونية والدعاية لتوسيع دائرة الجذب إليه. ففي عام 2014 أصدر مجلة مخرجة بشكل جيد اسمها “دابق”. وراقب العالم برعب الصور المتتالية وأشرطة الفيديو التي أصدرها التنظيم عن ذبح الرهائن. وبدأت بصور ذبح الصحافي الأمريكي جيمس فولي، في آب (أغسطس) 2014 . وكان الفيديو على ما يبدو رد من التنظيم على بدء الضربات الأمريكية على مناطق “الخلافة”. ولم يكن الإعدام إلا جزءا من عمليات قتل ومذابح ارتكبها التنظيم ضد المدنيين. وحفلت الإنترنت بصور القتل والصلب والجلد وبشكل دائم. واستهدف التنظيم الأقليات مثل الأزيديين الذين استرق نساءهم. وشملت عمليات الإبادة المناطق الثقافية والتراث الحضاري للبلدين، فهدم المزارات والمساجد ودمر المدينة التاريخية في تدمر ونهب تربح من بيع الأثار القديمة. وذبح في تدمر أهم عالم آثار سوري عمل طوال حياته للحفاظ على الإرث التاريخي للمدينة. وظهرت صور للمتشددين وهم يدمرون الآثار في مدينة الحضر ونمرود في شمال العراق. ولم يتوقف الدمار على المناطق التي وقعت تحت سيطرتهم بل وقاموا بشن هجمات في الغرب في عام 2015 و2016 وكانت دليلا على قدرة التنظيم الوصول إلى أهداف أبعد من مناطقه. وشملت العمليات مجلة “تشارلي إبيدو” الساخرة في باريس والسيطرة على متجر كوشير في نفس المدينة وفي تشرين الثاني (نوفمبر) 2015 نفذ أتباع التنظيم عملية منسقة على ناد ليلي وعدد من مقاهي المدينة قتل فيها 130 شخصا. وهاجموا المطار ومحطة القطار في بروكسل، وسوق عيد الميلاد في برلين وحفلا غنائيا في مانشستر وحفلة سنة جديدة في ناد باسطنبول وناد ليلي في أورلاندو، فلوريدا وسان بريناردينو في كاليفورنيا. ولم تستمر قوة التنظيم حيث بدأ تمدده يتقلص في بداية عام 2016 وبدأ يخسر بسرعة ما سيطر عليه بسرعة. واستعادت القوات العراقية بدعم من الميليشيات التي تقف وراءها إيران معظم المناطق في العراق ومدينة الموصل التي استعيدت منتصف عام 2017 بحيث تم الإعلان عن نهايته في العراق. وفي تشرين الأول (أكتوبر) 2017 سيطر القوات الامريكية والكردية الوكيلة لها على الرقة. وسيطر قوات الحكومة السورية والروس على مناطق حدودية أخرى. ولم يخرج التنظيم من المدن والبلدات إلا بعد معارك ضارية تركتها أنقاضا وصورة عن حزينة عن ماضيها الزاهر. فقد تم تدمير ثلثي الرقة أما في الموصل فدمرت المساجد والأسواق التاريخية. ويقول الخبراء إن الخلافة انتهت لكن الأيديولوجية باقية والتهديد مستمر عبر الإنترنت.