الصورة المثيرة للجدل لنادر و ترامب ( نيويورك تايمز)
لندن ـ”القدس العربي” ـ إبراهيم درويش:
كشفت صحيفة “نيويورك تايمز” أن شاهداً تعاون مع المحقق الخاص روبرت موللر عمل ولمدة عام على التأثير على أحد المقربين والممولين لحملة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وتحويله لأداة ضغط عليه لصالح السعودية والإمارات العربية المتحدة. وفي تقرير أعده كل من ديفيد كيرباتريك ومارك مازيتي لصحيفة “نيويورك تايمز” قالا فيه إن مئاتٍ من الصفحات عن المراسلات التي تمت بينهما تكشف عن الجهود الحثيثة التي قام بها جورج نادر للتأثير على ترامب عبر إليوت برويدي بالنيابة عن الدولتين الغنيتين بالنفط. وقالت الصحيفة إن على رأس أجندة نادر، المستشار السياسي لولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد وبرويدي، نائب رئيس المالية في اللجنة الوطنية للحزب الجمهوري كان الإطاحة بوزير الخارجية ريكس تيلرسون وإقناع ترامب بعزله بالإضافة للحصول على تأييد الرئيس في المواجهة السعودية – الإماراتية مع قطر وتبني مدخل صدامي ضدها وإيران والضغط على الرئيس مراراً وتكرار الموافقة على لقاء ولي عهد أبو ظبي والحاكم الفعلي للإمارات خارج البيت الأبيض وبدون رسميات.
وكان الرئيس ترامب قد عزل وزير خارجيته تيلرسون الأسبوع الماضي فيما تبنى موقفاً متشدداً في مرحلة ما ضد قطر. وكان سلاح نادر في التأثير على الممول الأمريكي هي وعوده بعقود تصل إلى مليار دولار لشركة التعهدات الامنية التي يديرها برويدي “سيركينوس” وساعد على تأمين عقد لها مع الإمارات بقيمة 200 مليون دولار. وتقول الصحيفة إن نادر تملق لبرويدي مادحاً “الطريقة الممتازة التي يعامل فيها الرئيس” في إشارة لترامب. وكرر لصديقه ذي العلاقات القوية إنه أخبر الحكام الفعليين في السعودية والإمارات عن “الدور السحري الذي لا يستغني عنه والذي يقوم به من أجلهم”. وتقول الصحيفة إن الدور الذي لعبه نادر في التأثير على برويدي ظهر من خلال وثيقة حصلت عليها وتقدم حالة للدراسة والكيفية التي قامت بها الدولتان الخليجيتان الحصول على تأثير في بيت ترامب الأبيض، مشيرة إلى أن نادر حصل على صفقة مع المحقق الخاص، روبرت موللر توفر له الحصانة وذلك حسب أشخاص على إطلاع بالموضوع وبعلاقته مع برويدي. وتقدم حالته صورة عن الطريق الذي سيسير فيها التحقيق. وبحسب شخص مطلع فقد استدعي نادر هذا الأسبوع مرة ثانية لتقديم شهادة إضافية. ويبحث فريق موللر عن شهود لتقديم معلومات عن اتصالات نادر بإدارة ترامب وعن دور محتمل في نقل أموال إماراتية لدعم جهود ترامب السياسية، في إشارة عن توسع التحقيق ليشمل دور الأموال الأجنبية في إدارة ترامب. وتظهر الوثائق ولأول مرة الدور الذي لعبه نادر في تقديم نفسه كوسيط لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الذي اجتمع مع ترامب يوم الثلاثاء في المكتب البيضاوي، في بداية جولة داخل الولايات المتحدة وتشمل لقاء سياسيين ورجال أعمال أمريكيين. ورفض محامي نادر التعليق على تقرير الصحيفة ، فيما قال شخصان قريبان من برويدي إن المحقق الخاص لم يتصل بهما للتحقيق. وفي بيان أكد برويدي أن جهوده “كانت تهدف لتقوية الأمن القومي للولايات المتحدة وبتعاون كامل مع الحكومة الأمريكية” مضيفاً: “لقد اعتقدت دائما وبقوة بضرورة مواجهة إيران والتطرف الإسلامي والعمل مع أصدقائنا في العالم العربي من أجل عمل هذا”.
وثائق
وحصلت الصحيفة على الوثائق التي تضم رسائل ألكترونية ومقترحات وعقوداً تجارية من جماعة ناقدة للدور الذي يلعبه برويدي في السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط. وشاهد ممثلون له النسخ التي قالت الصحيفة إنها ستستخدمها في تقريرها.
وقال برويدي إنه لا يعرف ولا يمكنه التأكد من صحة هذه الوثائق حيث قال إن الصحيفة اعطته نسخاً مطبوعة من الوثائق وليس الأصلية. وقال متحدث باسمه إن الوثائق سرقها قراصنة يعملون لصالح قطر انتقاماً من دوره الناقد لها. وقال لي وسولسكي، المحامي عن برويدي: “لدينا أدلة تربط قطر بهذا الهجوم غير القانوني والتجسس على مواطن أمريكي بارز”. وكتب وسولسكي رسالة إلى السفير القطري في واشنطن جاء فيه إن لم تكن قطر مسؤولة “فنتوقع من حكومتك محاسبة الفاعلين المارقين في قطر والذين تسببوا بالأذى الكبير لبرويدي”.
بداية العلاقة
تقول الصحيفة إن الرجلين التقيا في عدد من الحفلات والمناسبات التي رافقت حفل تنصيب ترامب. فبرويدي /60 عاماً/ ومتبرع قديم للحزب الجمهوري ونائب مدير حملات التبرع بدأ رحلته محاسباً وبعد ذلك مديراً استثمارياً يعمل لصالح غلين بيل مؤسس “تاكو بيل”. أما نادر / 58 عاماً/ فهو مولود في لبنان ويحمل الجنسية الأمريكية وأصدر في السابق مجلة “ميدل إيست إنسايت” ولعب دور المبعوث غير الرسمي للحكومة السورية أثناء المفاوضات مع إسرائيل في فترة بيل كلينتون. وبحسب السيرة الذانية القصيرة فقد عمل لاحقاً مع نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني. وتشير الصحيفة أن الرجلين طورا وبسرعة علاقة قوية وأخذا يبتادلان الرسائل الألكترونية والحديث عن عقود محتملة في السعودية والإمارات. وناقشا كذلك أهداف السياسة الإماراتية والسعودية في واشنطن، مثل إقناع الحكومة الأمريكية التحرك ضد الإخوان المسلمين أو الضغط على الحليف الإقليمي قطر. ونجح الإثنان في بداية إدارة ترامب في منع تولي السفيرة الأمريكية السابقة في القاهرة آن باترسون منصباً بارزاً في البنتاغون. وينظر السعوديون والإماراتيون لباترسون على أنها تعاطفت مع الرئيس المصري المعزول محمد مرسي. ففي رسالة ألكترونية تعود إلى آذار (مارس) 2017 لنادر أشار برويدي إلى جماعة “سيكيور أمريكا ناو” (حافظ على أمريكا الآن) وهي الجماعة التي قادت حملة ضد باترسون و”هي واحدة من الجماعات التي أعمل معها”.
ونفى شخصان قريبان من برويدي أن يكون جمع تبرعات للجماعة هذه أو قام بحملة ضد باترسون. وتعلق الصحيفة أن السعوديين والإماراتيين اقاموا علاقة دافئة مع إدارة ترامب التي ظهرت وكأنها تدعمهما ضد حلفاء في المنطقة خلافاً لمواقف وزرائه، خاصة النزاع المر مع قطر. كما اتخذ ترامب موقفاً صقورياً من إيران أكثر من مواقف المسؤولين في حكومته أو إدارة باراك أوباما التي وقعت اتفاقية مع إيران تحد من برنامجها النووي. وفي 25 آذار (مارس) أرسل برويدي لنادر ورقة تشمل اقتراحات للقيام بحملات ضغط في واشنطن وحملة علاقات عامة ضد قطر والإخوان المسلمين تكلف 12.7 مليون دولار. ويقول الشخصان القريبان من برويدي إن الورقة أعدها طرف ثالث بهدف توزيعها لمتبرعين أمريكيين مثله ولم يتم تنفيذ إلا بعض البنود التي وردت فيها. ولكن نادر وفر لبرويدي مبلغ 2.7 مليون دولار لإغراض “الإستشارة والتسويق وخدمات استشارية أخرى يقدمها”. ويبدو أن هذه الأموال كانت من اجل دعم مؤتمرين نظمهما مركزي بحث في واشنطن “معهد هدسون” وآخر نظمته “مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية” لمهاجمة قطر والإخوان المسلمين. وتحظر سياسات معهد هدسون تلقي تبرعات من دول أجنبية غير ديمقراطية فيما تمنع مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية كل أشكال التبرع الأجنبي. ولهذا اعتمد نادر على برويدي في تقديم المال، ذلك أن علاقته بالإمارات كانت ستثير أسئلة بشأن التبرع. وحول نادر المال من خلال شركة يديرها في الإمارات “جي أس انفستمنت” إلى شركة مجهولة في فانكوفر يديرها برويدي واسمها “إكسيمان إنترناشونال”. وقال شخص إن المال تم تمريره عبر شركة كندية بناء على طلب برويدي والسبب هو تجنب الكشف عنه. وتكشف الوثائق أن محامي برويدي ناقشوا معه إمكانية حصول نادر على حصة من الأرباح التي سيحصل عليها من عقوده مع السعوديين والإماراتيين، وهو ما يظهر دوره البارز في تأمين العقود لشركة “سيركينوس” إلا أن بيان برويدي أكد أن نادر ” ليس مساهماً أو موظفاً في أي من شركاتي”. وبعد أشهر عندما كان برويدي يحضر للقاء ترامب في المكتب البيضاوي كتب له نادر في الأول من تشرين الأول (اكتوبر) حاثًا إياه على إقناع الرئيس لعقد لقاء خاص خارج البيت الأبيض بين ترامب وبن زايد الذي وصفه بـ “الصديق “قل له إن الصديق مستعد للحضور حالاً ويريد مقابلتك لمدة قصيرة خارج العمل الرسمي في نيوجرسي ” أو كامب ديفيد في ميريلاند. وأضاف “مرة بعد مرة، مرة، أرجوك حاول وكن الشخص الذي يحدد الموعد للصديق عندما تكون موجوداً”. وبعد ستة أيام فعل برويدي كما يريد نادر وضغط على الرئيس أكثر من مرة للقاء ولي عهد أبو ظبي في مكان “هادئ” خارج البيت الأبيض إما في نيويورك او نيوجرسي وذلك حسبما ورد في التقرير المفصل الذي كتبه برويدي وإرسله لنادر بعد فترة قصيرة من لقائه ترامب. وقال فيه إن مستشار الأمن القومي أتش أر ماكمستر منع اللقاء. وفي تقريره ذكر كيف ضغط على الرئيس لعزل تيلرسون بسبب عدم إعجاب السعوديين والإماراتيين بموقفه من قطر وإيران.
صورة
في نهاية الخريف اشتكى نادر من منع الحرس الخاص له التقاط صورة مع ترامب في حفلة جمع تبرعات، مع أن الاسباب التي منعت اقترابه من الرئيس غير واضحة. ففي عام 1991 ادين نادر أمام محكمة فدرالية بتهم جنسية مع الأطفال وحكم بستة أشهر سجن كما ضبط معه أثناء عودته من الخارج مواد إباحية حيث تم وقفه في مطار دالاس الدولي بواشنطن. وحكمت عليه محكمة في دولة التشيك بالسجن لمدة عام. ودهش برويدي من تصرف الحرس السري ورفضه صورة بين نادر والرئيس حيث حضر الحفلة بصفته مستشاراً بارزاً لولي عهد أبو ظبي والتقى أكثر من مرة مع مسؤولين أمريكيين. ولكن برويدي حصل ما يريد حيث أرسل في 14 كانون الأول/ديسمبر صورة لنادر إلى جانب ترامب. ورغم العلاقة القريبة بين البيت الأبيض والإمارات والسعودية إلا أن نادر كتب مرتين يطلب من صديقه التدخل والمساعدة في تخفيف المشاعر التي أثارها كتاب “نار وغضب في بيت ترامب الأبيض” لمؤلفه مايكل وولف والذي قدم آراء سيئة لترامب عن السعودية. وكتب نادر قائلاً: “حاول ما يمكمن ان تفعله ويمكننا مناقشة الأمر شخصياً” كما كتب نادر عن رغبة “حقيقية” لولي عهد أبو ظبي مقابلة ترامب على انفراد. وكتب نادر فيما بعد انه يتطلع لرحلته المقبلة إلى الولايات المتحدة، حيث كان يرتب له برويدي المشاركة في حفلة بمنتجع مار- إي- لاغو بمناسبة مرور عام على تولي ترامب الحكم. كما كانا يخططان لزيارة السعودية وبيع الامير السعودي بن سلمان عقوداً بقيمة 650 مليون دولار لشركة برويدي الأمنية. لكن الخطط الكبيرة هذه تعرقلت عندما استقبل محققو مكتب التحقيقات الفدرالي نادر مع وصوله لمطار دالاس الدولي.