نيويورك تايمز: ليبيا تحولت إلى حاضنة للجماعات المتمردة في دول الجوار والمتمردون التشاديون كانوا مرتزقة فيها

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

لندن- “القدس العربي”: أين جهّز المتمردون التشاديون أنفسهم لشن الحرب الخاصة بهم؟ الجواب هو ليبيا.

قال ديكلان وولش، مراسل للشؤون الأفريقية في صحيفة “نيويورك تايمز” إن المعارضة التشادية قاتلت كمرتزقة لسنوات طويلة، قبل أن تقرر القيام بعمل مذهل وهو الغزو الذي انتهى بمقتل الرئيس التشادي إدريس ديبي، الحاكم القوي للبلد. وقال إن المعارضة لم يمر على دخولها إلى شمال تشاد أسبوعا، وبدأ أفرادها المعركة يوم الإثنين، حصلوا على الرأس القوي، وهو الحاكم الذي قاد تشاد بالحديد والنار.

وفي يوم الأربعاء، أُعلن عن وفاة ديبي، وساد حس من الترقب والذهول في العاصمة نجامينا، حيث قام الجيش بتعيين نجله محمد ديبي (37 عاما) كرئيس للبلاد. وانتشرت شائعات حول هجوم محتوم على العاصمة. ولكن سرّ انتصار المعارضة في الشمال بدأ في خارج حدود تشاد، وتحديدا في ليبيا حيث قاتلوا لسنوات كمرتزقة وراكموا السلاح والمال والخبرات القتالية، وذلك حسب محققين في الأمم المتحدة وخبراء في المنطقة ومسؤولين تشاديين.

استخدمت المعارضة التشادية الفوضى في ليبيا للتحضير من أجل معركتها. وكان أفرادها موظفين لدى خليفة حفتر وقاتلوا بأسلحة أرسلتها الإمارات

وبالفعل استخدمت المعارضة التشادية الفوضى في ليبيا للتحضير من أجل معركتها. وحتى وقت قريب، كان أفرادها موظفين لدى خليفة حفتر، القائد العسكري الذي دعمه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وقاتلوا بأسلحة أرسلتها الإمارات العربية المتحدة والتي تعتبر من أهم رعاة حفتر.

وتمركز مقاتلوا المعارضة التشادية في العام الماضي بقاعدة عسكرية ضخمة يعمل منها مرتزقة فاغنر، الشركة الأمنية الخاصة التي يدعمها الكرملين وتعتبر رأس الحربة الروسية لنشر التأثير العسكري الروسي. وقال الخبراء إن الانقلاب غير المتوقع من المتمردين التشاديين يقدم مثالا عن الطريقة التي باتت فيها ليبيا حاضنة لعدد من المرتزقة والجماعات المتمردة والتي تشيع الفوضى في المنطقة. وجاء هذا بسبب عقد من الزمان على فراغ السلطة في ليبيا الذي نجم عن الإطاحة بنظام معمر القذافي.

ويقول ناثلين باول، الأستاذ في مركز الحرب والسلام بجامعة لانكستر ببريطانيا: “خلقت الحرب الأهلية في ليبيا مناخا أدى لانتعاش جماعات التمرد ليس من تشاد بل ومن كل مكان بالإضافة لحصولها على الرعاة والحلفاء”. وأدى تحرك المعارضة إلى خلق حالة من الإرباك وعدم اليقين حول استقرار بلد طالما اعتبرته الولايات المتحدة وفرنسا حجر أساس في الجهود لمحاربة ما أسمته “التشدد الإسلامي” الذي انتشر في غرب ووسط أفريقيا.

وهددت حركة التغيير والوفاق (فاكت) هذا الأسبوع أنها ستزحف نحو العاصمة نجامينا بعد جنازة ديبي يوم الجمعة. ولا يُعرف إن كانت قادرة على الوفاء بتعهدها، مع أنها تكبدت خسائر كبيرة هذا الأسبوع. وزعم الجيش بأنه قتل 300 متمرد من الحركة، كما لا يعرف العسكريون الأجانب عن قدرة وطريقة زحف المتمردين إلى العاصمة التي تبعد عنهم أميالا. ومع ذلك حصّن الجيش الدفاعات في العاصمة وحول القصر الرئاسي ،حيث نفى الشائعات حول مقتل نجل الرئيس. وقال المستشار الرئاسي الشيخ ابن عمر: “لو أطلق عليه النار أو مات فهذا يعني أنه ممثل لأنه حي يرزق”.

خلقت الحرب الأهلية في ليبيا مناخا أدى لانتعاش جماعات التمرد ليس من تشاد بل ومن كل مكان بالإضافة لحصولها على الرعاة والحلفاء

ولكن هناك أسئلة حول ظروف مقتل الرئيس ديبي، وإن كان قتل على يد منافس له، لكن ابن عمر أكد على رواية الجيش، وهي أن ديبي مات بسبب انفجار عبوة قرب سيارته في جبهة نوكو التي تبعد 170 ميلا عن العاصمة. ومات ديبي بعد فوزه بفترة سادسة في انتخابات تميزت بالتجاوزات. وغض الغرب الطرف عن سجله الصارخ في الفساد وحقوق الإنسان؛ لأنه كان حاجزا ضد صعود التشدد الإسلامي في منطقة الساحل.

واحتفظت فرنسا بوجود عسكري في العاصمة نجامينا منذ 1986 وتتخذها مركزا لعملياتها لمكافحة الإرهاب بمنطقة الساحل المعروفة باسم “باركين” منذ عام 2014. وتقول فرنسا إن لديها الآن حوالي 1000 جندي في تشاد. إلا أن المعارضة التي حاولت الإطاحة بديبي تمثل طيفا من المظالم المحلية ضد رجل حكم البلاد بطريقة الرجل القوي طوال 30 عاما ويتهم بتبديد ثروة البلاد النفطية بشكل جعل تشاد من أفقر البلدان على وجه الأرض.

وحاولت جماعات متعددة الإطاحة بديبي في التسعينات من القرن الماضي. وتميزت هذه الحركات بانتمائها لجماعة عرقية معينة، منها جماعات كانت في إقليم دارفور حيث حظيت بالدعم العسكري من نظام الرئيس السوداني السابق عمر البشير. وبعد اتفاق وقّعه البشير وديبي عام 2010 تعهدا فيه بوقف دعم الحركات المعارضة في البلدين غادرت هذه الجماعات السودان وانتقلت إلى ليبيا.

وفي الفوضى التي أعقبت سقوط معمر القذافي عام 2011 بدأت الجماعات الليبية المتنافسة بالبحث عن المرتزقة الأفارقة، وكان الطلب قويا على المقاتلين التشاديين المعروفين بخبرتهم العسكرية كمقاتلين في الصحراء. وطالما غيّر هؤلاء المرتزقة الأطراف لو كان الثمن أفضل. وبدأت حركة التغيير والوفاق العمل  مع جماعة ليبية بمدينة مصراتة، حسب مسؤول في الأمم المتحدة. وبحلول 2019 غيّر المقاتلون ولاءهم وانضموا إلى معسكر خليفة حفتر الذي شن هجوما على العاصمة طرابلس.

مقاتلي حركة التغيير والوفاق التشادية كانوا يتدربون في قاعدة الجفرة الجوية التي كانت مركزا للمرتزقة الروس ووصلت إليها شحنات جوية عسكرية من الإمارات

ولم يكن المرتزقة التشاديون الوحيدين في ليبيا. فقد لعب المرتزقة السوريون والروس دورا مهما في هجوم حفتر على طرابلس. ولكن المال والسلاح والتجربة التي اكتسبها المرتزقة، خاصة من السودان وتشاد يتم استخدامها في بلدان أخرى. وفي تقرير للأمم المتحدة نشر في شباط/ فبراير، كشف أن مقاتلي حركة التغيير والوفاق التشادية كانوا يتدربون في قاعدة الجفرة الجوية التي كانت مركزا للمرتزقة الروس ووصلت إليها شحنات جوية عسكرية من الإمارات.

 وبعد فشل محاولة حفتر العام الماضي وتوقيع الأطراف المتنازعة اتفاقية لوقف إطلاق النار، عاد المقاتلون التشاديون لإعلان انتفاضة ضد ديبي في 11 نيسان/ أبريل. وربما جلبوا معهم بعص الأسلحة المتقدمة من ليبيا، كما قال كاميرون هدسون الباحث في المجلس الأطلنطي بواشنطن. مضيفا أنهم سافروا على ما يبدو بعربات مصفحة تبرعت بها الإمارات لحفتر.

وقال المسؤول في الأمم المتحدة إن المتمردين التشاديين كانوا يخططون حتى في ذروة الحرب الأهلية الليبية للعودة إلى بلادهم. و”كان هذا هو اهتمامهم الحقيقي”. و”تحدثوا عن جمع أكبر قدر ممكن من الأسلحة ثم العودة إلى تشاد”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية