إيهاب خليفةشعرية مغايرة للصخب تطل علينا من ‘نيران صديقة’ الديوان الأحدث للشاعر عبد الرحيم الخصار والصادر عن دار النهضة العربية ببيروت 2009م، بعد ‘أخيرا وصل الشتاء’ و’أنظر وأكتفي بالنظر’. يؤسس الشاعر في ‘نيران صديقة’ لمخيلة كخشبة مسرح محتشدة بأحداث لا تنقطع، حيث تتقاطع مصائر وتتوالى فصول ومشاهد تتنامى وتجثم على الذات، وتنهدم وتتلاشى فيها، جولان ومضي مطرد عبر أكوان تتراءى وتتكاثف ثم تتباعد وتنمحي تاركة خواء عارما، وندوبا في القلب، مخيلة فقط تأخذ هذه الحياة الطليقة في الكون لتفككها:
الذات بخرابها وعتمتها، كينونة تنبش قبر وعيها فتطير خفافيش هائلة من تساؤلات تسلب القارئ طمأنينته، وحبيبة عالقة بالفراغ التي خلفته، جد ينبت في الخراب، وأمم كالروم والمايا وأحفاد أمازيغ وآشور والفراعنة، وأشجار سنديان وملائكة كل هذا عبر سرد حصيف ومضاد للسرد القصصي والروائي، سرد يتسامى ليخلق لغة فاتنة ودالة بإيقاع تراجيدي لمخيلة مسكونة بالهواجس إنه هنا بخلقه لسرده الشعري الخاص يقدم شعرية طازجة، ويوقع السرد القصصي في مأزق حيث على ما يبدو أن النيران الصديقة ستتوجه في ديوان الخصار هذا إلى مواجهة بين السردين، ليحلق الشعر بأداة سرد مغاير! يبدأ أول نصوص الديوان ‘كأننا نخوض معركة دون أن نبرح السرير’ بالتأكيد على انتفاء الفعل عن الذات، فالعالم تافه والذات تتأمل نفسها تنفى ركام الحاضر، فتنهد أزمنة أخرى، وتتداعى وتنفتح أكوان كانت طي النسيان:’سوف أستعيدك الليلة كي تجلسي بجانبي على الأريكة التي تقادمتوتخبريني لماذا زرعنا ورودا كثيرة في الليلثم استيقظنا على حقل شوك’ومن المعنى الدال للعنوان نجد أن ‘نيران صديقة’ تومئ إلى أن الكلام عن المسكوت عنه، وافتضاح خبايا الذات لا يتم عبر آخر ما، بل يتوالد ذاتيا بحيث تكون بين هاجسين على الدوام:
الذات التي تحتشد لدفاع مطرد عن نفسها والذات التي تهاجم نفسها! وبعبارة أخرى إن الذات في ‘نيران صديقة’ هي التي تنسف وعيها بوعيها الكامل، وهي التي تورط نفسها في شرك مصائر أكثر فداحة، إن النيران الصديقة هنا ليست بين أحلاف، ولم تحدث بسبب أخطاء تكتيكية عسكرية بحيث يصبح الصديق بلحظة مصدر ريبة، بل الذات محتشدة لملاقاة ذاتها عن تل الذاكرة الخربة والسرد الشعري يخلق كينونته:’إنني أقف كشبح وسط الرتاجأستلذ بما حوليوبالأشياء التي لم يتح لي من قبل أن أراهاوحين يغمرني الضجرأستحضر روح جدي وسط الخراب’ إن الجد هنا ليس سوى مكاشفة للماضي، وومماحكة لهدم عراقة زائفة، وبينما تستلذ الذات بما حولها من فيوض كشف وتنوير داخلي تتضاءل صورة الجد برتابتها وصنميتها لتصبح الذات صانعة نفسها متنصلة من يد الماضي ومن تبجيله الأخرق:’أستحضر روح جدي وسط الخرابوالبرد والصقيع والجدران التي هدتها الصاعقةوأصرخ بأعلى ضجري في الريف:
لست جديأنت جد الجدار، وجد الحظيرة جد حقل يابس من القمحجد الهضاب والتلال والأهوارلست حفيدك أنا حفيد أفكاريحفيد المرامد والليل والأرق حفيد فزاعة تخاف من ظل طائر جبانوحين تنتهي التميمة’كل أطراف معارك عبد الرحيم الخصار أطراف وهميون لكنهم لم يكونوا كذلك! يبعثهم كإله ضجران ويجهز عليهم في مكاشفة غير رحيمة واحدا واحدا، وفي الوقت الذي يلامس فيه جوهر وجوده تتيبس بصيرته ليعمى عند كشفه لذاته ويمسي كجماد: ‘كأننا نخوض معركة دون أن نبرح السريركأننا نقاتل ضد الأغرابمع أن أطيافنا قد شلها الخدرلماذا نحس بشيء لا رغبة لنا فيه؟
لماذا نجد أنفسنا في ساحة لم نسر إليها يوما ما؟
لماذا ننام في غرفتنا ونستيقظ في غرف أخرى؟
نرتدي معاطف الوبر في عز الصيفونسير في طرقات نجهلهاوإذ نسير نتعثر بأفكارناينبت العشب فوق عيونناوشيئا فشيئا تتحول أقدامنا إلى أخشاب’أطراف المعارك التي يديرها الخصار هو بإزاء ذاته حيث تتبدل إنسانيته، وتنتقض على نفسها، فإنسانية الإنسان زايلته وأغوته الغابة بصراعاتها البائدة، سيحيا إذن إنسان عبد الرحيم الخصار لينقض على كل شيء حتى لو على نفسه:’الحيوانات أليفة كما يبدووالإنسان هو الضاريويوما ما ستطول أنيابه وستنبت في يده المخالب الجارحة’ووعي الشاعر وعي مستقل رغم تلك المواجهات إنه بين نهايتين: إما أن ينهدم بالمكاشفة لذاته أو ينهدم من دون مكاشفة وهو لا يملك التوقف أو تعطيل حفرياته في تلك الذاكرة وجعلها ساحة قتال لمواجهات عديدة: ‘إنني أهذيلكن وعيي حاد مثل معولو إذا ما بدوت لك أدنو من الجنونفلأن يدا سوداء تدفعني من الخلف’فهو ينجو بفعل وعيه ويهلك به: ‘هذا الوعي الحاد بالأشياءهو الذي سيميتنيوهاته الكلمات المتراصة على الأوراقأخاف يوما ما أن تدفعني إلى الهاوية’. يحيا من أجل ملاذ واحد، ملاذ يجعله يصرخ صرخة واحدة، صرخة تثبت له أنه حي بطريقة ما:’النيران تلتهب في داخليبينما الصقيع القاسي فحسب هو ما يحيط بيهل قدري أن أموت أخرس كما عشت؟”أريد أن أصرخ عاليا مثل السوبرانو’والحبيبة طرف يشارك في هذه المعارك لقد تركته يرعى الخواء والضجر في سرير ناءٍ:’أعرف أنك ذهبت بعيدا وربما ليس بمستطاعك الآن أن تعوديلكن دعيني أخبرك شيئاهذه الغرفة تحتاج إلى حنانكهذا الشعر الذي خف وشاب قليلا يحتاج إلى يدكيدك التي لا تشبهها يديدك التي لن أنساها، لأنها لم تكن لككانت يد قديسة’. إنه بفقدانها المخاتل فقدت الحياة مشيئتها، فتيبس كل شيء من حوله، ولم يعد موطنٌ ما قادرا على أن يلتقي بهما سوى الذاكرة التي أضحت سرادقا كبيرا لمفردات الغرفة:’أريد أن أرفع لك العزاءلكني لا أجيد تلك الكلمات التي عادة ما يرتجلها البشر في ساعة مؤلمةأعزيك إذن في الدمى التي كانت ترقص بغرفتكأعرف أنها ماتت بسبب الإهمالوبسبب النوافذ التي ظلت مفتوحة في البردأعزيك أيضا في النوافذوفي الستائر الوردية للنوافذفي المكتب، وفي أدراج المكتبفي الدولابوفي المشجب الذي كان على مقربة من الدولابفي الأباجور، وفي المصباح الخافت للأباجورفي السريروفي الطاولة الصغيرة التي كانت تحب السريرالطاولة التي كان عليها ركام من شرائط الموسيقىأعزيك في أغنية قديمة لفيروز لم يعد لها الآن مذاق’. يحيا معها حياة استثنائية في تلك النقطة البعيدة على حافة الوعي، الوعي المضفور ببهجة الماضي ليبين كيف كانت الذات وكيف أمست، ويتكئ الشاعر هنا على عذوبة مدهشة وبراءة من البعيد:’مثلما يلمح الراعي في غفوتهأميرة تستحم في النهرألمحكرغم الضباب الكثيف بينناوأمد يدي إلى يدك رغم الجداروأقبلك حتى من دون ان أراك’تحتشد مخيلة الخصار بوعي مشهدي عارم يظهر قيمة التلاحم البصري في إثراء النص الشعري وهو بارع في اقتناص مشهدية تتواشج مع دلالاته الثرية:’أحيانا تتسع غرفتيحتى أن طريقا تتفتح فيهاوعربة تصل إليها بأحصنة بيضاءثم أراك تنزلين بوردة على الصدروفستان من القرن الذي مضىوحين أشبك أصابعي بأصابعككي تترفق بك درجات السلمأشبكها فقط بالخشبوبسنوات لا ورد فيها’. ومن أطراف المعارك التي أدارها الخصار الوطن تلك الكلمة التي صارت الآن لا تثير في النفس هاجسها البعيد، فالأوطان هرمت ورئاتها معطوبة وهي تعاني من وهن مواز، الموات يجتاحها كما يجتاح كل شيء، فعلى عتبات العولمة يمسي مفهوم الهوية ملتبسا وغائما:’أنت مريض يا وطنيسعالك أسمعه من بعيدكنهاية رجل خدعته الحربعيناك غارتا من طول الانتظاروقدماك تورمتامن المشي في طرقات غير سالكةأنا أضعف منك يا وطني فلا تتكئ علي طويلا’والذات إذا أرادت أن تتبنى تحريضا ما، فإنها تتبنى تحريضا عدميا وتدفع العالم باتجاه الهاوية: ‘أملأ الخراب من حولي بالصفيروبابتسامة باردةسأنظر إليك أيتها الحياةمثلما ينظر طفل إلى زهرة غاردينيايدوسها جندي معتوه’ إن الخصار بـ ‘نيران صديقة’ يضيف وهجا لقصيدة نثر سامقة، ويشق مسارا خاصا بلغة شديدة الخصوصية وسط أجواء غبار دعائي ورؤى غائمة. شاعر من مصر