هآرتس:ميزانية لبنان… بين المطلب الاقتصادي وأطماع النخب السياسية و”كورونا”

حجم الخط
0

في المستشفى الكبير المسمى على اسم رفيق الحريري في بيروت، لم تكن حاجة إلى انتظار فيروس كورونا كي تدرك حجم أزمة الخدمات الصحية. قبل فترة طويلة من انتشار الفيروس، الذي أصاب لبنان بشكل محدود حتى الآن، واجه المرضى نقصاً كبيراً في الأدوية والمعدات الطبية. العمليات الاختيارية توقفت، ومن استُدعوا إلى عمليات طارئة اكتشفوا أن هناك نقصاً في وحدات الدم والإبر لدى الطاقم. طاقم المستشفى انضم إلى مظاهرات الاحتجاج التي أجراها آلاف المواطنين في المدينة، الذين تصادموا مع قوات الأمن ونشطاء حزب الله.

الحكومة الانتقالية مثل الحكومة التي تشكلت قبل نحو شهر ونصف برئاسة حسان دياب، لم تتمكن من تخفيف الوضع. لقد وافقت حقاً على أن تبيع المستشفى والمراكز الصحية في الدولة دولارات بالسعر الرسمي، 1500 ليرة للدولار، مقابل السعر في السوق السوداء الذي وصل إلى 1800 ليرة للدولار. ولكن هذا القرار لم يُطبق بشكل كامل. واضطرت الخدمات الصحية إلى صندوقها كي تمول الأدوية والمعدات بدولارات تم الحصول عليها من السوق السوداء.

الدين العام الضخم الذي وصلت إليه الحكومة أجبرها على اتخاذ خطوات متشددة تشمل، ضمن أمور أخرى، قيوداً شديدة على إخراج العملة الصعبة، إلى درجة أن المواطنين ورجال الأعمال الذين أودعوا الدولارات في حساباتهم اكتشفوا أنه لا يسمح لهم بسحب أموالهم. والحل لموعد سداد سندات الدين مثل “اليورو بوند”، حلق كتهديد فوق الحكومة. فموعد تسديد الدفعة الأولى، 1.2 مليار دولار، كان في 9 آذار. صحيح أن الأموال المطلوبة للتسديد موجودة في البنك المركزي ، ولكن التنفيذ كان سيؤدي بالدولة إلى الوصول إلى مستوى الحد الأدنى من احتياطي العملة الصعبة المتدني ويعرض للخطر القدرة على تمويل نشاطات الحكومة الحالية والاستيراد ودفع مخصصات التأمين الوطني للمحتاجين.

في المقابل، عدم تسديد الدين (جزء من إجمالي يبلغ 90 مليار دولار، 160 في المئة من الناتج الخام) كان سيضر بشكل كبير بقدرة الحكومة على الحصول على قروض أخرى من السوق العالمية، ويعرض استقرار البنوك للخطر أيضاً.

الضغوط السياسية كانت كبيرة، فمحافظ البنك المركزي، رياض سلامة، طالب الحكومة بالإيفاء بالتزاماتها ومحاولة إيجاد مصادر تمويل إضافية لأغراض نشاطاتها. ومن الجهة الأخرى، طلب الشعب وكثير من السياسيين تأجيل موعد التسديد حتى تستطيع الحكومة الوفاء بالتزاماتها حسب الميزانية، وضخ أموال لصالح نمو الاقتصاد.

السبت الماضي، تم اتخاذ قرار تاريخي، فللمرة الأولى لن يقوم لبنان بتسديد سندات الدين ولن يسدد دينه. الدولة التي حصلت في السابق على لقب “بنك الشرق الأوسط” ونجحت في جذب مستثمرين كثيرين، تقف الآن في أزمة ثلاثية: يجب عليها إجراء مفاوضات مع أصحاب سندات الدين حول الطريقة التي يقبلون فيها دفعاتهم، وعليها العثور على مصادر تمويل للدفعات القادمة.. 700 مليون دولار في نيسان و600 مليون في حزيران، وعليها أيضاً جمع العملة الصعبة لتمويل نشاطاتها.

وقبل اتخاذ قرار تأجيل موعد الدفع، حاولت الحكومة التوصل إلى تفاهمات مع أصحاب “اليورو بوند”، وخصوصاً بنوك لبنان ودائنين أجانب، الذين رفضوا مناقشة هذه الإمكانية. يقف أمامها الآن خيارات صعبة على الهضم؛ الأول هو “عملية تجديد” بحجم الدفعات التي تعود لأصحاب السندات، والثاني هو طلب قرض من صندوق النقد الدولي.

قدر رئيس الحكومة دياب، في هذا الأسبوع، بأن إجراء المفاوضات مع أصحاب السندات يمكن أن يستمر لتسعة أشهر “إذا أظهروا تفهمهم ونوايا حسنة”. والسؤال هو: من الذي سيوافق على إجراء مفاوضات مع حكومة لم توف بالتزاماتها، ومن أين ستأتي الأموال للدفع إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق؟

المسار المنطقي هو التوجه إلى صندوق النقد الدولي. ولكن القيادة السياسية تعرف أن الحصول على قرض من الصندوق يعني الالتزام بتنفيذ إصلاح عميق، الذي لن تتم المصادقة على تقديم المساعدة من دونه. هذا الإصلاح تحول منذ زمن إلى أمر فقد سحره في لبنان بعد أن وعدت جميع الحكومات في لبنان، في العقود الأخيرة، بتنفيذ إصلاح ما وانتهى ذلك بدين أكبر من الدين الذي بدأت ولايتها فيه. الميزانية الأخيرة التي صودق عليها في 2019 وعدت بإجراء الاصلاحات، لكن لا شيء نُفّذ حتى الآن.

من الواضح لجميع التيارات والحركات السياسية في لبنان بأن أي إصلاح سيقتضي صراعاً منهجياً وناجعاً ضد الفساد، وشفافية في نشاطات الحكومة، وتغيير بنية نظام البنوك، وتغيير سلم الأولويات في الميزانية، بحيث تستجيب لمطالب الاقتصاد وليس لمطالب النخب السياسية. هذا يعني فقدان السيطرة على صنبور التمويل ورقابة صندوق النقد الدولي على ما يجري في الاقتصاد اللبناني.

من الصعب تخيل وضع يتوصل فيه رؤساء الحركات السياسية إلى تفاهمات قبل وصول الحكومة إلى عجزها الكامل عن التسديد. والدليل على ذلك هو حقيقة أن قرار تأجيل موعد سداد سندات الدين لم ترافق كل خطة اقتصادية. لبنان لم يقرر بعد هل هو معني فقط بتأجيل سداد الدين إلى موعد أبعد أو إعادة جدولته من جديد، وهي الخطوة التي تقتضي الطلب من أصحاب الدين التنازل عن جزء منه، مقابل خطة إصلاحات شاملة.

في هذه الأثناء تستفيد الدولة من أن الاحتجاج هدأ لأن المواطنين يقلون من الخروج إلى الشوارع خوفاً من كورونا. ولكن قريباً سيكون عليها استنتاج الدروس حول قدرتها على الاستمرار في إدارة الدولة.

بقلم: تسفي برئيل

هآرتس 12/3/2020

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية