سهام هيكل مرت بهذه التجربة، الشائعات، الشرطة، الخبر المؤكد وبعد ذلك العزاء. اعتادت العيش مع اللغز، ومع سؤال من أطلق النار ومع التوقع الذي لا يتحقق، وأن يتم إلقاء القبض على الجاني، ومع سؤال: هل سيحدث ذلك مرة أخرى، ومتى؟ لقد مرت 12 سنة منذ قتل زوجها وأولادها داخل بيتهم في أم الفحم. وفي الشهر الماضي حصلت على إجابة على أحد الأسئلة: آخرها. أسعد أبو هيكل شقيق زوجها المتوفى، أضيف إلى قائمة القتلى في المجتمع العربي. لقد كان عمره 50 سنة عند موته.
حسب الشكوك، فإن خلفية قتل شقيق زوج هيكل المتوفى هي خلافات مالية. حتى هذه اللحظة، حيث لم يتم اعتقال أحد بعد. وهذا أكثر من المعلومات التي لدى الشرطة فيما يتعلق بالقتل الثلاثي في 2011: زوجها توفيق، وابناها محمود وأحمد. “ما الذي لم نفعله لاعتقال القتلة”، قالت للصحيفة. “كاميرات؟ أعطيناهم. شهادات؟ قدمناها. لقد تعاونا بشكل كامل، بكل الجزئيات، لكننا لم نحصل إلا على وعود عبثية من الشرطة بأنها ستلقي القبض على القتلة”.
والد العائلة، تقول الأرملة، لم يكن له عداء مع زعران. ربما كان هناك خطأ في التشخيص، وربما كانت مقدمة لظاهرة تحولت الآن إلى ظاهرة أكثر انتشاراً. “الزعران اليوم لا يترددون في الانتقام من أحد أبناء العائلة، حتى من الدرجة الثانية، ليسببوا ألماً للمجرم الذي تشاجروا معه”، قال مصدر في الشرطة. “هذا يصعب علينا معرفة الهدف القادم”. وعلى خلفية حالة هيكل، فمن غير المستبعد أنه الأسلوب نفسه. “ظاهرة قتل أحد أبناء العائلة البريء كانتقام لمجرمين ليست ظاهرة جديدة”، أضاف المصدر نفسه. “لكننا مؤخراً نشاهد استخداماً زائداً لها مقارنة مع السنوات السابقة”.
لكن القتل كتحذير هو سبب واحد من بين بضعة أسباب تقف من وراء الارتفاع المستمر في عدد القتلى في المجتمع العربي، الذي وصل في عام 2023 وحده إلى 174 شخصاً. قائمة الأسباب، أو الخلفيات، التي تطول تشمل بالأساس اشتداد النزاعات بين التنظيمات والعائلات، وأيضاً ازدياد النزاعات على خلفية مالية والاستخدام المتفشي للسوق الرمادية، بما في ذلك حقيقة أن كثيرين في المجتمع العربي ليسوا زبائن في البنوك. اتساع ظاهرة أخذ رسوم الحماية والنزاعات على العقارات وما شابه، وأيضاً عجز الشرطة. إضافة إلى نقص في المعلومات، يقولون بأن الاحتجاج في أرجاء البلاد يصعب على الشرطة العمل كما كانت من قبل.
ربما تكون الناصرة نموذجاً جيداً للطريقة التي يجتمع فيها عدد غير قليل من هذه العوامل معاً. 34 شخصاً على الأقل قتلوا في المدينة في السنوات الثلاث الأخيرة، نتيجة الحرب بين تنظيمات سمير بكري وناصر الحريري (28 شخصاً قتلوا في السنتين الأخيرتين). بدأ هذا بالانقسام مثلما في عدد كبير من هذه القصص. في البداية، عملت هذه التنظيمات معاً، لكن عقب عداء حول مراكز السيطرة في المدينة، من بينها السوق الرمادية وجباية الخاوات، فقد تحولت إلى أعداء. من هنا فإن الطريق إلى محاولات القتل وتنفيذها، وأعمال الانتقام الأخرى، كانت قصيرة، وكلما مر الوقت تدخل عوامل أخرى إلى الصورة، إجرامية وعائلية، في الناصرة ومحيطها.
“عندما يقتل جندي من منظمة إجرامية في نزاع، تطالب عائلته بالثأر، إما من شخص في التنظيم المعادي أو أحد جنوده”، قال مصدر في الشرطة. “عندها يتوسع النزاع”. في هذا الوضع، يضيف المصدر نفسه، لا يعود هناك نزاع واحد محدد. “تجد نفسك في دائرة أوسع، ليس لديك أي معلومات استخبارية دقيقة عنها”، شرح المصدر. “هذه الدائرة تتوسع… تقتل أحد الأبرياء من جهتي فأقتل أحد الأبرياء من جهتك، وهذا أحد أسباب ارتفاع عدد القتلى هذه السنة”.
منظمة أمير بكري، على رأس قائمة المنظمات المطلوبة من قبل شرطة إسرائيل، إلى جانب أسماء معروفة أكثر أو أقل، مثل: أبو لطيف، والحريري، وعائلة جاروشي، التي انقسمت إلى منظمات ثانوية.
المصدر المالي الرئيسي لأبو لطيف، مثلاً، الذي يعتبر إحدى منظمات الجريمة الكبرى، هو السيطرة على المناقصات، من بينها مناقصات جهاز الأمن، وابتزاز رسوم الخاوات. وحسب تقديرات الشرطة، حصلت هذه المنظمة في السنة الماضية على مليار شيكل تقريباً. لكن بعد ذلك، تم اعتقال رؤساء هذه المنظمة، لكن الأموال واصلت التدفق، ولم تتوقف النشاطات الإجرامية. منظمات معادية سارعت إلى الدخول مكانها.
يُثار سؤال: أين مسؤولية الشرطة عما يحدث؟ شخصيات في المجتمع العربي، من بينها المتورطون في مشكلة الجريمة والعنف فيه، تعتقد أن الشرطة قد رفعت يدها، وبشكل أكبر بعد تشكيل الحكومة الحالية. “من الواضح للجميع وجود مشكلة شرطية”، قال رئيس بلدية الطيرة مأمون عبد الحي. “لا نرى رجال الشرطة في الشوارع”. وأشار عبد الحي إلى أن الشرطة كانت تجتمع وتشرك وجهاء المجتمع العربي في التطورات، هذا قبل بضع سنوات عندما كانت تحدث عملية قتل. “حتى لو كان الوضع صعباً ولم يتم حل لغز القضايا، كنا نشاهد وجود قلق وكانت هناك نية”، قال. “أما الآن وكأن شيئاً لم يحدث. هذا غريب. لا يمكن تفسير ذلك”. منذ فترة قصيرة قتل شخص أعرفه بشكل شخصي وهو مدير عام البلدية عبد الرحمن قشوع. أتساءل: “إذا كان المدير العام لبلدية قد قتل، فما أهمية مركز الشرطة في المدينة؟”.
تساؤلات رئيس البلدية يسمعها آخرون أيضاً. “إذا سألت شخصاً في المدينة فسيقول لك بأن الشرطة لا توفر أمناً شخصياً”، قال محمد عواد، ناشط اجتماعي في الناصرة. “الزعران يقتلون أي شخص ومتى يشاؤون. لا توجد شرطة هنا، بل مراكز لا تستهدف إلا قمع المظاهرات، وليس مكافحة الجريمة”.
حول البرامج والمظاهرات
المظاهرات كلمة تتكرر، حتى لو كان ذلك في سياقات مختلفة أو متناقضة. محمود نصار، وهو مركز مجال مكافحة الجريمة في لجنة رؤساء السلطات العربية، قال للصحيفة بأن المفتش العام للشرطة كوبي شبتاي، قال له في إحدى محادثاته بأن المظاهرات ضد الانقلاب النظامي “منعت الشرطة من تعزيز قواتها في المدن العربية”. ومصادر في الشرطة كررت هذا الادعاء. وحسب أقوالها، فإن الارتفاع الدراماتيكي في عدد عمليات القتل بدأ عند ازدياد الاحتجاج، هذا رغم أن معظم الحالات تتركز في منطقة الشمال، في حين يتركز الاحتجاج في منطقة المركز، إلا أنه تم الادعاء بأن اهتمام الشرطة موجه للمظاهرات، ويسرق الوقت للانشغال بالجريمة.
لكن ليست المظاهرات (التي مؤخرا تضاءلت) وحدها هي التي تفصل بين الشرطة وإحباط الجريمة، قالت مصادر في الشرطة، بل لأنه لا يمكنهم استخدام برنامج “بيغاسوس”. منذ تشكيل لجنة “مراري” لفحص استخدام هذا البرنامج، فقد مرت سنة ونصف والبرنامج مجمد فيها. استنتاجات اللجنة هي أن الشرطة قد تجاوزت صلاحياتها، والمطالبة بإجراء تغييرات في استخدام البرنامج ساعدت على إبقاء الوسائل في الوضع نفسه؛ هذا إلى جانب موقف المستشارة القانونية للحكومة بأنه لا يوجد اليوم تفويض قانوني لاستخدام برنامج “بيغاسوس”. قد يمتد التقييد إلى فترة أطول بسبب تشكيل لجنة من قبل وزير العدل لفحص استخدام البرنامج. “هذا جعلنا عمياناً بالنسبة لمنظمات الجريمة”، قال مصدر رفيع في الشرطة. وهو ليس الوحيد، فالمفتش العام للشرطة شبتاي، صرح حول ذلك عندما حذر مؤخراً من أن “الجثث ستتراكم” إذا لم يتم السماح بالعودة إلى استخدام وسيلة اختراق الهواتف المحمولة.
المفتش العام للشرطة حصل على التعزيز بشكل غير رسمي من رئيس “الشاباك”؛ ففي محادثات مغلقة عبر رونين بار، عن موقف يؤيد إعادة “بيغاسوس” للاستخدام، إلى جانب وسائل أخرى سيتم توفيرها للشرطة من أجل التعامل مع موجة الجريمة. حتى إن عدداً من المصادر أشارت إلى أن نحو 60 في المئة من القتلى منذ بداية السنة الحالية كان لهم ماض جنائي واضح. وربما أن وسائل استخبارية أخرى ستسمح بملاحقة النزاعات وتساعد في منع عمليات القتل.
أشارت الشرطة إلى الأزمة الاقتصادية التي حدثت في أعقاب وباء كورونا كأحد العوامل الرئيسية للجريمة. “الأزمة الاقتصادية دفعت المجتمع العربي إلى هوامش الاقتصاد”، قال مصدر في الشرطة. “الأشخاص الذين وجدوا أنفسهم في حالة خسارة كبيرة اضطروا إلى التوجه إلى السوق الرمادية، الأمر الذي يدخل الناس إلى دائرة النار والقتل وبعد ذلك القتل أيضاً. هذا الأمر وصل بعيداً، وجزء من النتائج بتنا نشاهده الآن”. هذا التفسير مثل مقدمة مشكلة الجريمة الاقتصادية في المجتمع العربي. قال كامل الطيبي، أمين صندوق مجلس تل شيفع، والضليع في هذا الأمر، إن “منظمات الجريمة أصبحت بنكاً بديلاً، يرحب بالأشخاص الذين هم بحاجة إلى القروض والذين ترفض البنوك إعطاء قروض لهم”. في الوقت الذي يحصلون فيه على الأموال، ثمة فوائد كبيرة وثمة صعوبة في تسديها. في المرحلة التالية، يدفع بعض هؤلاء الأشخاص (كثيرون منهم من الشباب الذين لم يتمكنوا من تسديد الديون) بطريقة أخرى، ويتم تنظيمهم في صفوف منظمات الجريمة. “شاب بلا أفق اجتماعي توجه إلى السوق الرمادية ولا يعرف إلى أين يدخل”، وتابع الطيبي: “هو يسمع نسبة مئوية، ولكنه لا يعرف معناها. بعد ذلك، عندما لا يتمكن من السداد، سيقولون له: حسن، لن نضطرك للسداد، ولكننا سنحتضنك وستكون جزءاً منا. سنعطيك مهمات وعليك تنفيذها. الناس يفهمون أنهم يفعلون شيئاً غير صحيح، ولكنهم لا يفهمون مدى خطورته”.
الأبعاد الدقيقة للقروض في السوق الرمادية غير معروفة، لكن المعروف أن 30 في المئة من المواطنين العرب لا حسابات في البنك، سواء بإرادتهم أو لأن البنوك ترفض فتح حسابات لهم بسبب تصنيفهم الائتماني الإشكالي، هذا حسب تقرير بنك إسرائيل في العام 2022. معطيات استخدام الاعتماد تظهر أن الاستخدام السنوي في العائلة المتوسطة في المجتمع اليهودي هو 167 ألف شيكل، وفي المجتمع العربي 60 ألف شيكل فقط. هذه الفجوة أو جزء كبير منها يتجسد كما يبدو بالقروض في السوق السوداء.
ليس وباء كورونا هو وحده الذي يقف من وراء هذه المعطيات، بل هناك الكثير من التفسيرات، أشار المحامي رسول سعدة، وأساسها يكمن في التغيرات الاجتماعية في السنوات الأخيرة. “في العقدين الأخيرين نشاهد تغيراً دراماتيكياً كجزء من عملية الحداثة السريعة، وغرق مجموعات داخل المجتمع فيما يسمى بثقافة الفقر”، قال. سعدة خبير في مكافحة الجريمة وأعمال الشرطة في المجتمع، وكان في السابق مدير مشروع “مجتمع آمن”. وأشار أيضاً إلى أن الكثير من “هؤلاء الأشخاص غير مندمجين في المؤسسات، وليس لهم حسابات في البنوك، ولا يشترون في الشبكات، وغير منظمين أو مندمجين في النقابات المهنية”. وحسب قوله، فإن عائلات كثيرة في المجتمع العربي وضعها الاقتصادي جيد كما يبدو. “متوسط فما فوق. ولكنها في الحقيقة غارقة في الديون اللامتناهية، وعملياً هي فقيرة”.
وأضاف سعدة أنه يمكن ملاحظة هذه الظاهرة بالأساس في أوساط عائلات شابة، التي خرج فيها الأب من دائرة العمل في بداية الألفين في ظل أحداث تشرين الأول. “هذا الجيل غير مستعد للعمل في حرف يدوية مثل الآباء. ومن جهة أخرى، لا يملك الأدوات للاندماج في سوق عمل حديث، لذلك، فإنهم يتوجهون للبحث عن حلول سريعة”، قال. “وهكذا، فإن الجريمة هي الأفق الرئيسي في هذا المسار”.
ضياء حاج يحيى ويهوشع براينر
هآرتس 11/9/2023