تعريف مصطلح “النصر المطلق” الذي يكثر نتنياهو ووزراء حكومته من استخدامه أثناء التطرق للحرب في غزة ولبنان، أصبح تعريفاً مختلفاً عليه مع إطالة الحرب، دون معرفة هل ومتى ستحقق الهدف. في مجال آخر تحت مسؤولية الحكومة، قد يكون لهذا التعريف معنى واضح أكثر عندما يجرى النقاش حول من هزم من: حكومة إسرائيل حققت النصر المطلق على 20 في المئة من مواطنيها، أم على المجتمع العربي، أم أن منظمات الجريمة في المجتمع العربي هي التي حققت النصر المطلق على الحكومة.
تسلسل الأحداث في الأسابيع الأخيرة يدل على انهيار المجتمع العربي. في الأسبوع الماضي، قُتل مدير مدرسة في باقة الغربية في انفجار سيارته وهو في طريقه إلى المدرسة، عقب نزاع دموي بين عائلتين في المدينة. بعد بضعة أيام، وجد رئيس بلدية باقة نفسه أمام شخص مسلح هدده في المدرسة التي يديرها المدير المقتول. نتج عن الحادثة احتجاج كبير في المدينة وحتى إضراب ليوم واحد في القرى العربية. ولكن بدلاً من أن يغير هذا الاحتجاج جدول الأعمال اليومي، قفز التصعيد في الجريمة الجنائية إلى أبعاد مدهشة.
في نهاية الأسبوع، خلال 48 ساعة، قتل ثمانية أشخاص في عدد من القرى، من الجليل وحتى النقب (يصعب التعهد بأنه عدد لم يرتفع حتى وقت نشر هذه السطور). يضاف إلى الضحايا عدد من المصابين بإصابات بالغة بسبب إطلاق النار وتفجير العبوات، بينهم نساء وأطفال. في الوضع المعطى ورغم التصريحات عن برامج وجلسات يعقدها المفتش العام داني ليفي، ومدير مشروع مكافحة العنف في المجتمع العربي روئي كحلون، لا يوجد في المجتمع العربي توقع بتحسن هذا المنحى، بل بالعكس.
“منظمات الجريمة هزمت الحكومة ولم تهزمنا”، قالت المحامية راوية حندقلو، وهي مديرة هيئة الطوارئ لمكافحة الجريمة والعنف في اللجنة القطرية لرؤساء السلطات العربية. “يدور الحديث عن فشل وهزيمة، والتحدي في المجتمع العربي الآن هو التصرف كمجتمع منظم بإمكانه أن يقود نظاماً، وهذا لم ننجح بعد في بلورته حتى الآن، ولم ننجح في المضي بخطوات قد تشير إلى منحى تحسن”.
العنف والجريمة المنظمة أدت بالأساس إلى عدة محاولات للدفع قدماً بنشاطات في إطار لجان المصالحة المحلية، التي تعمل برعاية لجنة المتابعة العليا التي يترأسها الشيخ رائد صلاح. مدقق الحسابات مجدي أبو الحوف، الناشط في لجان المصالحة والمسؤول عن الدعاية، قال إن اللجان تحاول تسوية النزاعات الداخلية. في بعض الحالات نجاح، وفي بعضها نجاح أقل، وهذا يتعلق بدرجة تعقيد النزاع ومستوى ارتباطه بنزاعات أخرى خارج حدود القرية، وما إذا كان قد تجاوز خطوط العائلة أو أن هناك جهة شخصية ما تبحث عن الانتقام أو تطلب الأموال. “في بعض الحالات، يواجه أعضاء هذه اللجان أيضاً التهديد من جهات إجرامية، وتحاول الشرطة أحيانا إحباط نشاطاتها بذريعة أن الأمر يتعلق بتدخل في نزاع جنائي، وهكذا فالمهمة صعبة جداً ومعقدة، شرح.
يجب الاعتراف بأن هذه المحاولات حتى لو نجحت في بعض القرى ومنعت القتل المؤكد أو الإضرار بالسكان، فإنها لم تنجح حتى الآن في بث شعور بالأمان الشخصي في أوساط الجمهور العربي، لأن هذا الدور هو دور الدولة وجهاز إنفاذ القانون. “لا بديل ناجعاً عن الدولة”، قال الدكتور وليد حداد، الخبير في الجريمة والإدمان في المجتمع العربي، “في نهاية المطاف، من يمكنه توفير الأمن وعليه مكافحة الجهات الإجرامية هو الدولة. لكن ذلك لا يحدث، بالعكس، ثمة شعور الآن بأن هناك منطقة حرام تسمى المجتمع العربي، ويد الجريمة المنظمة تصل إلى الجميع. مثلاً، يكفي فحص قضية جمع القمامة لنفهم بأن المجتمع العربي الآن غارق بمعان كثيرة في القذارة والجريمة”.
الجريمة ليست سوى مشكلة من المشاكل التي يواجهها المجتمع العربي في السنة الأخيرة، في ظل الحكومة الحالية. بدءاً من موجة التشريع التي تقضم ما تبقى في هوامش الديمقراطية من ناحية المواطنين العرب مثل التسهيلات في شطب مرشحين للكنيست وطرد عائلات وتسريع هدم البيوت، كما حدث الأسبوع الماضي في أم الحيران، حيث سرعت الدولة هدم بيوت العرب لصالح إقامة مستوطنة لليهود. المجلس الإقليمي للقرى غير المعترف بها يحذر من أن الأمر يتعلق بقرية واحدة من بين عشر قرى سيتم إخلاؤها في القريب، وقيادة المجتمع العربي تجد صعوبة في قيادة خطوات مضادة أو حتى احتجاج ناجع في إطار القانون.
المجتمع العربي – الفلسطيني مجتمع يتيم، لا دولة تعنى به ولا قيادة، قال الدكتور نهاد علي، وهو رئيس مجال “عرب – يهود – دولة” في مؤسسة “شموئيل نئمان” في “التخنيون”، وهو محاضر في دائرة علم الاجتماع والأنثروبولوجيا في الكلية الأكاديمية “الجليل الغربي”. وحسب قوله، يرزح المجتمع العربي تحت عبء زائد في كل المجالات، في الأمان الشخصي والأمان بشكل عام، سواء بسبب الحرب أو بسبب الجريمة أو العبء الاقتصادي والاجتماعي. وكل ذلك يؤدي إلى عدم الثقة المطلق بمؤسسات الدولة وجهات إنفاذ القانون، وعدم الثقة بقيادة الدولة والقيادة المحلية، سواء رؤساء السلطات أو الأحزاب العربية، لذلك نشاهد تفككاً بشكل واضح. “المجتمع العربي يتلقى الضرب ولا ينجح في المواجهة. نحن كباحثين، نبحث عن نماذج في العالم تضم أقلية، لا سيما أقلية قومية، نجحت في مواجهة الجريمة المنظمة وحدها، ولكننا لا نجد”، وأضاف عليّ: “للأسف، المجتمع العربي مهمل، والمؤسسة تستغل ذلك كي يبقى المواطن العربي منشغلاً بالأمن الشخصي والاقتصادي والاجتماعي، ليس أكثر”.
جاكي خوري
هآرتس 18/11/2024