هآرتس: بعد الشرط الموجه لأردوغان “حقوق الإنسان قبل الطائرات”: لماذا وافق بايدن الآن؟

حجم الخط
0

لقد انتظرت وزير الخارجية التركي، مولود تشاووش أوغلو، أمس، أجواء باردة في واشنطن. واليوم، عندما يلتقي نظيره الأمريكي، أنتوني بلينكن، ينتظره أيضاً لقاء بارد. تجري بين تركيا والولايات المتحدة رقصة سيوف. فمن جهة، تركيا عضوة في الناتو، لكنها أيضاً حليفة لروسيا، ولا تطبق العقوبات التي فرضت على الأخيرة. هي تطمح لشراء الطائرات القتالية “اف 16″، لكنها تهدد بغزو سوريا لإبعاد الأكراد الذين هم حلفاء الولايات المتحدة، من قطاع واسع وعميق على طول الحدود مع سوريا.

 الرئيس الأمريكي، جو بايدن، أوضح حتى في حملته الانتخابية بأنه يعتبر أردوغان ديكتاتوراً في بلاده والمسؤول عن المس بحقوق الإنسان، والشخص الذي لا يمكن اعتباره صديقاً حقيقياً وحليفاً؛ بسبب صفقة شراء منظومات الصواريخ المضادة للطائرات “إس 400” الروسية. لقد مرت أشهر كثيرة على تتويج بايدن رئيساً للولايات المتحدة إلى أن وافق على الالتقاء مع نظيره التركي، وذلك في مؤتمر دولي. يمكن إضافة علاقات تركيا مع إيران إلى الحوار المتشدد بين الدولتين أيضاً، وهي علاقات لا تراها واشنطن تعوض استئناف العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل؛ الأمر الذي اعتبرته أوروبا استفزازاً تركياً.

هذا في حين أنها ترسل سفناً للتنقيب عن النفط والغاز في شرق البحر المتوسط، وفي المناطق التي تعتبرها اليونان وقبرص مناطق تابعة لها. ومؤخراً، تلك الحساسية من تحسين العلاقات بين تركيا وسوريا، وهي الخطوة التي تعارضها الولايات المتحدة خلافاً لإيران وروسيا.

تم إقصاء تركيا من خطة تطوير الطائرة المتملصة “إف 35” كعقاب على صفقة الشراء مع روسيا، وبذلك خسرت مليارات الدولارات من المداخيل الفورية وتطوير المنظومة الجوية فيها. الآن، يوضع على طاولة بايدن طلب لتركيا من أجل شراء 40 طائرة “إف 16” متطورة ونحو 80 منظومة تطوير لطائرات مشابهة هي في حوزة تركيا، وهي الصفقة التي تصل تكلفتها نحو 20 مليون دولار. في الأسبوع الماضي، نشرت “وول ستريت جورنال” بأن الرئيس الأمريكي توجه بشكل رسمي للكونغرس من أجل طلب المصادقة على الصفقة كما يلزمه القانون بذلك.

جاء الرد القاطع في اليوم التالي. “يواصل الرئيس أردوغان سعيه لتقويض القانون الدولي، وهو لا يعطي أهمية لحقوق الإنسان ومعايير الديمقراطية، وهو متورط في نشاطات ضد الاستقرار في تركيا وفي دول جارة، وأيضاً ضد حلفاء في الناتو”، هذا ما قاله السيناتور بوب مننديز، رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ. وأضاف مننديز بأنه “ما لم يتوقف أردوغان عن التهديد ولم يحسن حقوق الإنسان في دولته، بما في ذلك إطلاق سراح صحافيين وخصوم سياسيين، وبدأ في العمل مثلما يجب أن يتصرف حليف مخلص، فلن أصادق على الصفقة”.

هذا هو نفس مننديز واسع النفوذ والقوة الذي حذر بنيامين نتنياهو من اعتبار ضم إيتمار بن غفير لحكومته مساً بعلاقات إسرائيل مع الولايات المتحدة. من يريد أن يرى تصريحه بخصوص تركيا رسالة لإسرائيل فهو يفعل ذلك بالطبع على مسؤوليته، لكنها مخاطرة محسوبة. مننديز ليس عضو الكونغرس الوحيد الذي يستاء من تركيبة الحكومة الجديدة في إسرائيل ومن سياستها كما تظهر حتى الآن.

تعرض تركيا ضد هذه الادعاءات إسهامها في جهود الناتو وفي صد روسيا، بواسطة جولات جوية تقوم بها فوق البحر الأسود ومنعها عبور سفن حربية روسية في مضيقي البوسفور والدردنيل، ونجاحها في التوصل إلى اتفاق بين روسيا وأوكرانيا حول نقل المنتجات من أوكرانيا إلى دول الشرق الأوسط. واشنطن في الواقع ربتت على كتف أنقرة، ولكنها أيضاً ذكرتها بأن حجم التجارية بين تركيا وروسيا ارتفع بعشرات النسب المئوية منذ بداية الحرب.

جندت تركيا أيضاً خطها التقليدي للدعاية ضد من يعارضون صفقة الطائرات. وقد تم التعبير عن ذلك في تصريحات المستشار المقرب من أردوغان، إبراهيم كالين، الذي قال في مؤتمر صحافي السبت بأنه “إذا كانت واشنطن ستستمر في دفع تركيا إلى اتجاهات أخرى مع صفقة الـ “اف16” والعقوبات على الـ “إف 35″ فعندها سترد تركيا. هم يتهمون تركيا مرة أخرى. هذه ليست لعبة نزيهة. يبدو أن قائمة طلباتهم لن تنتهي أبداً. دائماً هناك شيء آخر”. وحول هذا يمكن القول: انظروا من الذي يتحدث.

هذا هو الادعاء الذي أسمعه أردوغان في أذن الرئيس ترامب عندما قرر شراء الصواريخ المضادة للطائرات من روسيا. وافق ترامب في حينه على المبرر، بل واستخدمه في محاولته غير الناجحة لمنع فرض العقوبات على تركيا. بايدن معني ببيع الطائرات لتركيا، ليس فقط بسبب الخوف الذي سيغير مكانه إذا انهارت الصفقة.

في موازاة طلب تركيا الذي قدم في تشرين الأول 2021، قبل فترة كبيرة من اندلاع الحرب في أوكرانيا، يوضع الآن طلب لليونان لشراء طائرات “إف 35”. ويبدو أنها صفقة “صغيرة” في الحصول على المصادقة بسبب علاقات جيدة لليونان مع واشنطن وعضويتها في الاتحاد الأوروبي والناتو. ولكن واشنطن تريد أيضاً الحفاظ على ميزان قوة بين اليونان وتركيا لكبح مواجهة بينهما ولتعزيز منظومة دفاع الغرب في شرق البحر المتوسط. موافقة تركيا المبدئية، ولكن المتحفظة، على ضم السويد وفنلندا إلى الناتو ساعدت على استكمال صفقة الطائرات، وظهرت كضربة سياسية شديدة لروسيا، التي يجب مكافأة تركيا عليها. ولكن الآن، بعد مرور ستة أشهر على طلب الدولتين الإسكندنافيتين الانضمام للناتو، لم تنفذ تركيا بعدُ موافقتها، وحتى إن اردوغان أوضح بأن الموافقة النهائية لن تعطى قبل انتخابات تركيا الرئاسية المتوقع إجراؤها في حزيران، هذا إذا لم يقرر أردوغان تبكيرها.

تركيا تطالب السويد وفنلندا أن تسلماها نحو 130 كردياً يعتبرون “نشطاء في الإرهاب”، من بينهم صحافيون ونشطاء في منظمات حقوق إنسان، مقابل إعطاء موافقتها النهائية. هاتان الدولتان تحتجان على حجم القائمة، وقد أعلنتا بأن بعض المطلوبين لن يتم تسليمهم.

في الأسبوع الماضي تم تعليق دمية على شكل أردوغان في ستوكهولم، الأمر الذي أثار حفيظته وجعله يستدعي سفير السويد في أنقرة لمحادثة توبيخ. أعلن بايدن في حزيران بأنه لم يشترط بيع الطائرات القتالية لتركيا بالموافقة على انضمام السويد وفنلندا. ولكن كلما مر الوقت واقترب موعد عقد قمة الناتو في تموز، فإن بايدن بحاجة إلى مصادقة تركيا حتى لو من أجل الحصول على إنجاز سياسي آخر مهم قبالة بوتين. ولكنه بدون المصادقة على صفقة الطائرات، قد يخسر هذه الورقة.

يدرك أردوغان جيداً الضغط الأمريكي. والتقدير أنه سيستخدمه ليعرض طلبات أخرى، خصوصاً في كل ما يتعلق بالحرب ضد الأكراد ووقف دعم أمريكا لهم. السؤال هو: هل سيعرف أردوغان كيفية تمييز النقطة التي ستقرر فيها الإدارة الأمريكية بأنها قد تتدبر أمرها بدونه؟

بقلم: تسفي برئيل

هآرتس 18/1/2023

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية