شهادات لغزيين وأفلام فيديو وتغيير في روايات الجيش الإسرائيلي تعزز القول بأن الرصاص الذي قتل العشرات الأسبوع الماضي قرب منشأة الطعام التابعة للصندوق الإنساني لغزة (جي.اتش.اف)، أطلقه جنود الجيش الإسرائيلي وليس على يد مسلحين فلسطينيين، كما ادعى متحدثون رسميون إسرائيليون. حسب الشهادات، فإن المنطقة التي أطلقت فيها النار، من مسافة كيلومتر عن منطقة الإغاثة في رفح، ومسيرات وسيارات مصفحة تابعة للجيش الإسرائيلي، وجدت في المنطقة زمن إطلاق النار. تضاف الشهادات إلى شهادات أطباء وطواقم طبية فلسطينية وأجنبية في المستشفيات في جنوب القطاع، التي تحدثت عن عشرات القتلى والجرحى بسبب إطلاق النار، الذين تدفقوا إلى المستشفيات في المنطقة.
أمس، وضع الجيش الإسرائيلي أكوام تراب في محيط مركز التوزيع لمنع الاحتكاك بين الجنود والسكان. هذا عقب ادعاءات سلطات غزة تقول إن الجيش أطلق النار على السكان الذين وصلوا إلى المكان. رفض الجيش هذه الادعاءات، لكنه قرر إقامة أكوام التراب لأن الأحداث تثير اهتماماً كبيراً في العالم، وقد تضر بشرعية الحرب.
في المرة الأولى التي أطلقت فيها النار في منطقة توزيع والعشرات، نفى الجيش الإسرائيلي أي علاقة بذلك، ولكن في محادثة مغلقة، اعترف الجيش بأن إطلاق نار حدث في المنطقة. أول أمس، تقلصت الفجوة بين الرواية الفلسطينية والرواية الإسرائيلية، واعترف الجيش بأن الجنود أطلقوا النار لإبعاد الناس. حسب وزارة الصحة في غزة، فقد قتل 27 شخصاً بإطلاق النار.
إطلاق النار بهدف إبعاد الناس يتناسب مع الشهادات التي قدمها ضابط له صلة بما يحدث في منطقة منشآت التوزيع، وكان الضابط حذر من أن عدداً من كبار الضباط أرادوا ترتيب الناس، بواسطة استخدام النار. “القصد كان توجيه السكان عن طريق النار”، قال الضباط. تعامل الجيش مع ذلك كوضع عادي للتعامل مع مشبوهين دخلوا إلى منطقة القتال، لكن لا يمكن توجيه سكان بهذا الحجم عن طريق النار إذا كنت تريد أن يشعروا بالأمان من أجل الوصول إلى المناطق التي فتحتها”.
هذه الشهادات تضاف إلى شهادات منظمة “أطباء بلا حدود”. “الناس تشاجروا على 5 رزم غذاء، قالوا لنا أن نأخذ الغذاء، بعد ذلك أطلقوا النار من كل الاتجاهات. ركضت 200 متر قبل أن أفهم بأنهم أطلقوا النار علي، هذا ليس مساعدة، هذا كذب. هل يجب علينا إحضار الغذاء لأولادنا ونموت؟”، قال منصور سامي عبادي في شهادته.
أ. أحد سكان رفح الذي انتقل إلى المواصي في خان يونس، وصل إلى مركز رفح عندما حدث الحادث الأول في بداية الأسبوع. هو نفى ادعاء الجيش بأن المسلحين المحليين هم الذين أطلقوا النار. “هذه فرية لا أساس لها”، قال للصحيفة. “لم يكن هناك مسلحون، بل طائرات ومدفعية ومسيرات. الناس الذين كانوا هناك كانوا مدنيين أبرياء جاءوا للحصول على المساعدات”.
حسب أقوال أ. فإن “ما شاهدته هناك يصعب استيعابه – إطلاق نار لبضع دقائق من كل الجهات. كان هناك آلة رماية وضعت على رافعة وشاهدت أنهم يطلقون النار منها، وكان الأمر يتعلق بروبوت، إضافة إلى المسيرات. إطلاق النار كان من كل الجهات، وكان الناس الذين جاءوا إلى المنشأة خططوا لعملية غزة، وليسوا جائعين يريدون الغذاء”.
فاطمة، مواطنة من خان يونس، استعادت ما سمعته من أصدقاء أحد جيرانها، فؤاد أبو الخير (34 سنة)، الذي قتل أول أمس في المنشأة. حسب قولها، هو يعيش مع والدته وشقيقه في خيمة أقاموها فوق أنقاض بيتهم. “والدته قالت إنه لم يأكل لثلاثة أيام. يشرب الماء لا أكثر. أولاد شقيقه كانوا يبكون بسبب الجوع. هذا جعله يخاطر ويفعل كل ما في استطاعته للوصول إلى رفح”، قالت للصحيفة.
“وقال أصدقاؤه إنهم وصلوا في الخامسة صباحاً إلى المنطقة، وكان هناك الآلاف الذين وقفوا قرب نقطة التوزيع. وحسب قولهم، كانت الدبابات في المنطقة. لقد قيل لهم عبر مكبر الصوت بأنه لا يوجد توزيع للمساعدات، وأن عليهم الرجوع إلى الخلف. من كثيرة الناس، لم يكن بالإمكان الرجوع إلى الخلف، وواصلوا التقدم إلى الأمام، بدأ الجيش يطلق النار في الهواء لجعل الناس يتراجعون، لكنهم كانوا جائعين وفعلوا كل ما في استطاعتهم للحصول على المساعدات ولم يرغبوا في العودة. بعضهم استلقوا على الأرض وحاولوا الزحف على البطن للتقدم. تم إطلاق النار على صدر فؤاد، فحمله صديقه إياد على أكتافه، وفي الطريق أطلق عليه النار ونزف حتى الموت. زوجته حامل في شهرها الخامس. كلاهما ماتا بدون طحين وبدون غذاء”.
معظم الإصابات كانت في الرأس والصدر
حسب الصندوق الإنساني لغزة، فإنه منذ بداية نشاطه الإثنين الماضي، وزع 107.520 صندوق غذاء، فيها حسب شهادته أكثر من 7 ملايين وجبة غذاء. وحسب إعلان الصندوق، لم يعمل معظم الأيام إلا مركز واحد في تل السلطان جنوبي رفح قرب الحدود المصرية. الأربعاء الماضي، عمل مركز آخر في محور موراغ، والخميس عملت -حسب شهادة الصندوق- ثلاثة مراكز في تل السلطان وفي محور موراغ وفي مخيم البريج قرب ممر نتساريم.
هذا الأسبوع، طوال ثلاثة أيام متتالية، أبلغ الصليب الأحمر بأنه تم إحضار الكثير من المصابين إلى المستشفى الميداني التابع له في رفح. حسب الصليب الأحمر، شهد جميع الجرحى بأنهم أصيبوا أثناء محاولتهم للوصول إلى مركز توزيع المساعدات، وحسب التقرير تم إحضار 179 مصاباً يوم الأحد، بينهم 21 تقرر موتهم، وفي يوم الإثنين أحضر 50 مصاباً، بينهم 2 تقرر موتهما، وأحضر يوم الثلاثاء 184 شخصاً، بينهم 19 أعلن موتهم فور وصولهم، و8 أعلن عن موتهم بعد ذلك.
محمد، رجل إسعاف يرافق الطواقم الطبية، كان حاضراً في أحداث الأحد والثلاثاء. وقال إن إطلاق النار وجه للمدنيين الذين امتثلوا للتعليمات، لكن ربما خرجوا عن المسار بسبب الضغط. “الجيش أعطى تعليمات للجميع بسلوك طريق مفتوحة، وسار الجميع حسب التعليمات”، قال محمد. “في مرحلة معينة، أطلقت النار الحي على الجمهور. معظم الإصابات كانت بإطلاق مباشر على الرأس والصدر. كان إطلاق النار صادراً من سفن ومسيرات ودبابات. لم يتوقع الجيش أن يأتي هذا العدد الكبير جداً، ولم يكن المكان معداً لاستقبال الجميع. معظم الضحايا كانوا من النساء والأطفال”.
سامي (32 سنة)، أحد سكان رفح الذي انتقل إلى خيمة في خان يونس، قال إنه شق الطريق نحو منطقة الإغاثة ليلة الثلاثاء. “اجتزت ما كان ذات يوم مطعم أسماك في خان يونس. على الفور، سمعت إطلاق نار بدون توقف”، قال. هو استمر وتقدم إلى أن وصل إلى مسجد في المواصي بمنطقة رفح. “تجمع الناس هناك، حاولنا التقدم إلى على أمل أن نكون في أول الطابور”. عندما تقدموا، قال، ازدادت النيران وكان واضحاً أنها موجهة إليهم. “استلقيت على الأرض. الشخص بجانبي يصرخ: لا أشعر بقدمي. قال له أصدقاؤه بأنه على ما يرام، وحاولوا مساعدته كي ينهض، لكنه لم يقدر. عندما رفعوا قميصه، شاهدوا أن النار أصابت عموده الفقري”.
رغم استمرار إطلاق النار، استمر سامي في التقدم. في النهاية، وصل إلى ما كان ذات يوم مقهى. “دست على أحد ما بالخطأ، واعتذرت، لكن الشاب الذي بجانبي نظر لي وقال: مع من تتكلم، هو ميت. نظر سامي حوله، كانت الجثث في كل مكان، قتلى وآخرون جرحى. قال إنه في الساعة 4:45 هدأت المنطقة، وعاد هو وآخرون للتقدم، لكن إطلاق النار استؤنف. “هذه المرة كانت طائرات الأباتشي من أعلى هي التي تطلق النار، لا مكان نختبئ فيه. أفضل ما كان يمكن عمله هو الاستلقاء على الأرض وجعل الناس يسقطون فوقك. عندها لم أستطع معرفة من هو المصاب ومن الميت”.
بعد 15 دقيقة، هدأ إطلاق النار مرة أخرى. واصل سامي وآخرون السير بحذر، لكنهم ووجهوا بإطلاق النار مرة أخرى. “بدأت الدبابات تطلق النار علينا مباشرة” قال. “صرخنا وركضنا، أتذكر أنني أديت صلاتي أردد: يا الله، لا أريد الغذاء، لا أريد المساعدة، لا أريد الموت فتحزن أمي”.
في نهاية المطاف، وصل سامي إلى منطقة التوزيع. “كل شيء كان قد انتهى، لم تبق أي مساعدة، لكني شكرت الله لأنني ما زلت على قيد الحياة. في طريق عودته، التقى مع شخص يعرفه، نجح في الحصول على كيس فيه غذاء، وطلب أن يساعده في حمله. “بدأ يصرخ، أنت تنزف”، يتذكر سامي. “نظرت إلى نفسي، ملابسي كانت ملطخة بالدم، لكنه ليس دمي. أقسمت بأنني لن أعود إلى هناك، ولا يهم كم نحن جائعون”.
ثمة أفلام من مراكز التوزيع التي نشرت مؤخراً تعزز ادعاءات الفلسطينيين بأن الحديث لا يدور عن توزيع منظم، بل فوضى مهينة تخلق منافسة بين الناس على الطعام لأولادهم. تظهر الشهادات والأفلام أن معظم الغذاء أخذه أشخاص أقوياء يمكنهم الركض وجر وزن ثقيل، في حين يكتفي النساء والأولاد والشيوخ بما بقي، أو يعودون بأيد خالية. يظهر في أحد الأفلام أشخاص يفتحون الصناديق في منطقة التوزيع ويأخذون منها فقط السلع ذات السعر المرتفع.
أ، أحد سكان رفح الذي انتقل إلى المواصي في خان يونس، قال إنه ذهب إلى مركز التوزيع في التاسعة والنصف ليلاً، حسب قوله. استمر إطلاق النار تقريباً حتى الخامسة صباحاً. بعد ذلك، قال “نجحنا في الوصول إلى منطقة التوزيع واكتشفنا أنه لا شيء هناك”. يقول سامي إن الحدث الذي شاهده الثلاثاء كان المرة الثالثة التي حاول فيها الحصول على المساعدات من صندوق غزة. عاد بأيدي خالية في كل المرات.
مصطفى عصفور، أحد سكان غزة الذي يعيش خارج القطاع ومعارض شديد لحماس، نشر فيلماً من ساحة الحدث. جاء غزي اسمه أمين خليفة، ووثق نفسه هناك وهو يستلقي على الأرض، وإلى جانبه شباب، حيث في الخلفية سماع إطلاق نار. إلى جانب الفيلم، كتب عصفور: أمين خليفة قبل دقائق من قتله. يقول خليفة في الفيلم، “كما ترون، نحن محاصرون ولا يمكننا الحركة، نحاول إحضار الطعام، ولكنه غارق في الدماء. نموت من أجل إحضار الطعام”.
فضل الجيش الإسرائيلي عدم الرد على هذا المقال.
شيرين فلاح صعب وآخرون
هآرتس 5/6/2025