رد حماس على عرض دولتي الوساطة، مصر وقطر، لصفقة مخطوفين أخرى، تسلمته إسرائيل في منتصف الأسبوع. بعد بضع ساعات، تم تسريبه لعدد من وسائل الإعلام وعلى رأسها صحيفة “الأخبار” اللبنانية المتماهية مع حزب الله. خلافاً للانطباع الذي تولد في البداية، فإن رد حماس لم يتضمن رفضاً مطلقاً للاقتراح.
عدد من الخبراء في موضوع “الأسرى والمفقودين” الإسرائيليين يعتقدون أنه شكل أرضاً خصبة للعمل، ومعه احتمالية معينة للتقدم في المفاوضات. ومؤتمر نتنياهو الصحافي الأربعاء الماضي مع كل الخدع التي تميز هذا الشخص، لم يعكس رفضاً مطلقاً للصفقة أو رفضاً كاملاً لطلبات حماس.
المفاوضات لا تتقدم بالوتيرة التي كان يمكن توقعها، خصوصاً أمام خوف على سلامة المخطوفين الذين بقوا على قيد الحياة (أقل من ثلثهم، حسب تقارير في وسائل إعلام أمريكية). هذه هي المرة الثانية التي بدا فيها الانطباع المتولد لدى الجمهور فيما يتعلق بالصفقة مختلفاً عما يحدث فعلياً. قبل أسبوعين، بعد قمة باريس بين ممثلي إسرائيل والولايات المتحدة ودول الوساطة، انتشرت تقارير خاطئة عن اختراقة سريعة. الآن يسود تشاؤم وكأن الصفقة عالقة تماماً بسبب طلبات حماس المتشددة. ولكن يبدو أن هناك هامشاً ما للمناورة.
هاكم ما حدث بالفعل: بعد باريس، حرص نتنياهو على تسريب طلبين متشددين لحماس وهما إطلاق سراح آلاف المخربين والوقف الشامل للحرب، مع انسحاب شامل لقوات الجيش الإسرائيلي من القطاع. بعد ذلك، أعلن أنه لن يوافق على هذه الطلبات. ولكن رد حماس، كما تم تسلمه في هذا الأسبوع، مختلف قليلاً. تتحدث حماس طبقاً لاقتراح الوسطاء عن إطلاق سراح 35 مخطوفاً لمبررات “إنسانية”، نساء (من غير الواضح إذا كان هذا يشمل المجندات)، وكبار سن ومرضى وجرحى. في المقابل، مطلوب وقف كامل لإطلاق النار مدته 45 يوماً، لكن المطالبة بوقف الحرب والانسحاب الكامل كما يبدو موجهة لمرحلة متقدمة أكثر في الصفقة، بعد إطلاق سراح باقي المخطوفين، من جنود ورجال أقل من جيل 50 وإعادة الجثامين. وحتى حسب بعض التقارير، فإن حماس تريد 1500 سجين في المرحلة الأولى – عدد مرتفع ولكن لن يفرغ السجون الإسرائيلية، مثلما ادعي بأنها طالبت بذلك في السابق. إضافة إلى ذلك، من بين طلبات حماس الأخرى تحسين ظروف السجناء في إسرائيل، أي أن حماس تقدر بأن جزءاً منهم سيبقون في السجن.
عملياً، يبدو أن رد حماس يتساوق مع تصريحات سابقة لنتنياهو. فبعد أن أعلن عدم موافقته على إطلاق سراح آلاف المخربين، طرحوا هم طلباتهم. هذا جزء تقريباً مطلوب في البازار الشرق أوسطي. فعلياً، فتحت هنا مرحلة تجسير جديدة، تجري فيها ي مرة أخرى مفاوضات غير مباشرة من خلال وسطاء. وأضافت حماس تعديلات طالبت بأنه يمكن اعتبارها نوعاً من كبش الفداء مرغوب إخراجها من النقاش في مرحلة قادمة من المساومة.
وهي طلبات غير مرتبطة بالقطاع، مثل تغيير إجراءات الزيارة للحرم، وهي عملية استهدفت إعطاء طابع ديني للحرب التي سمتها حماس “طوفان الأقصى”. ولكن ليس هناك شك أن الأهم لقيادة حماس في القطاع هو التوصل إلى إنهاء الحرب. هكذا سيتم ضمان بقاء القيادة والسلطة، وفي الواقع، يشكل هذا نصراً لحماس رغم الدمار والقتل الذي تكبده القطاع بعد الانطلاق إلى المغامرة القاتلة المتمثلة بمذبحة 7 أكتوبر.
فعلياً، ستصل المفاوضات قريباً إلى مرحلة حاسمة أخرى، بعد حوالي شهر من تحريكها مجدداً (الصفقة السابقة ووقف إطلاق النار لأسبوع انهارت في 1 كانون الأول الماضي). وقالت مصادر مصرية أول أمس إنه ما زال بالإمكان جسر الفجوات. ربما يكون هذا صحيحاً إذا تسامى كل طرف على اعتباراته السياسية. ولكنه أمر يرتبط أيضاً بهامش الضبابية الذي سيحافظ عليه الوسطاء في الصيغة النهائية للخطة. إذا تم إبقاء الإعلان غامضاً بشأن نهاية مستقبلية للحرب، بدون التزام صريح، ربما ستكون صيغة تستطيع الحكومة الإسرائيلية التعايش معها.
يا له من انتصار!
المؤتمر الصحافي الذي عقده نتنياهو أول أمس، جاء بعد هدنة مدتها أسبوع ونصف. وعلى غير عادته مؤخراً، فإن رئيس الحكومة لم يستغل هذه المنصة للتطاول في وسائل الإعلام. وكعادته، هذه المناسبة لم تتضمن أي مظهر من مظاهر التعاطف مع الأشخاص الذين خلا اسم عائلتهم من نتنياهو. لم يغب مكان الاقتباس من رسائل جنود الجيش الإسرائيلي – بطريقة أو بأخرى يقع هؤلاء دائماً ضمن عائلات متدينة، يعتقد آباؤها أن على إسرائيل استمرار القتال في غزة إلى حين هزيمة حماس. ويواصل نتنياهو التمسك بشعار النصر المطلق الذي كرره عدة مرات الشهر الماضي في كل ظهور علني له، وكأنه شعار أملته عليه روح آرثر فنكلشتاين، مستشاره الراحل.
أول أمس، توسع وأكد للجمهور بأننا على بعد خطوة واحدة من النصر، الذي أصبح قاب قوسين أو أدنى. كبار المسؤولين العسكريين أكثر تحفظاً، وبحسبهم فقد تم بالفعل إحراز تقدم في القتال في الأسبوعين الأخيرين، وهو ما يعتمد أيضاً على الدروس المستفادة حتى الآن. ففي خانيونس، سيطر الجيش الإسرائيلي بشكل كامل وتدريجي على المخابئ والأنفاق تحت الأرض التي كان رئيس حماس في قطاع غزة، يحيى السنوار، يتولى منها قيادة نشاطات رجاله. وثمة غارات عسكرية متكررة في شمال غزة أدت إلى قتل العشرات من نشطاء حماس الذين عادوا للعمل في المنطقة بعد خروج معظم قوات الجيش الإسرائيلي، وما زال هناك حتى الآن مخيمان للاجئين في وسط قطاع غزة وبالطبع منطقة رفح. في الحالتين، هدد نتنياهو أمس بتفعيل الجيش من الأرض قريباً.
السؤال كالعادة هو: هل تتراكم هذه الإنجازات التكتيكية بالتدريج لتصل إلى انتصار استراتيجي حقيقي؟ وقفت الولايات المتحدة أمام هذا السؤال في حرب فيتنام، وكذلك فرنسا قبل ذلك ببضع سنوات في الجزائر، كما جربت إسرائيل معضلات كهذه في السابق في حربها مع منظمات الإرهاب: في المنطقة الأمنية جنوبي لبنان وحتى الانسحاب في العام 2000، بعد بضع سنوات في عملية “الدرع الواقي” في الضفة الغربية، وفي الانتفاضة الثانية وفي حرب لبنان الثانية في 2006.
بخطوط عامة، ينقسم النقاش بين الصقور والحمائم. الصقور يعتقدون دائماً بأن النشاطات الهجومية ستؤدي إلى تغيير جوهري في الوضع، أما الحمائم فيفضلون قطع الاتصال وتقليص الخسائر. في الحالتين، فإن التصميم على البقاء في لبنان لم يؤد إلى تغيير نحو الأفضل، بل إلى تعقد الأمور مع حزب الله. في البداية، السنوات الطويلة والثمينة للموجودين في المنطقة الأمنية، بعد ذلك الرهان اليائس على الانقضاض إلى ما بعد نهر الليطاني. في الأيام الأخيرة للحرب التي أدارتها حكومة أولمرت في الضفة، كان تعنت إسرائيل مجدياً: استمرار القتال عقبه موت ياسر عرفات (أيضاً بدرجة معينة قرار الحكومة بشأن الانفصال عن القطاع)، كل ذلك أدى إلى وضع راهن نسبي فيه الإرهاب تم صده وانخفض مستوى التهديد لسنوات كثيرة.
الذعر الذي بثه نتنياهو في الأسابيع الأولى للحرب اختفى، ويبدو أنه بليغ وواثق من نفسه تماماً. ولكن كما تظهر استطلاعات الرأي، فأي ظهور له يثير قدراً من العداء لجزء كبير من الجمهور. وحقيقة أنه وحكومته ما زالوا في السلطة بعد مرور أربعة أشهر على المذبحة الفظيعة التي حدثت في عهدهم، باتت أمراً لا يمكن فهمه. بات واضحاً أنه لا ينوي الرحيل.
خرج أحد تنظيمات الاحتجاج “مقاتلو يوم الغفران” هذا الأسبوع في حملة جديدة من الإعلانات التي تطالب نتنياهو بالاستقالة عقب مسؤوليته عن الفشل. لغة التصميم الغرافيكي لم تؤخذ صدفة من غلاف مجلة “هعولام هزيه” في السبعينيات. في نظر الكثيرين، نتنياهو هو غولدا مئير بالطبعة الجديدة. ولكن الأخيرة كانت على الأقل تتمتع بدرجة من اللياقة لتستقيل في 1974 عقب استنتاجات لجنة أغرانات بشأن الحرب.
في تشرين الثاني الماضي، وقفت على الأجندة صفقة المخطوفين الأولى. ولم يستجب نتنياهو لتحذيرات كل أنواع المحتالين الذين قالوا بأن الصفقة ستوقف العملية العسكرية في القطاع وإلى الأبد. وافق رئيس الحكومة على إطلاق سراح سجناء فلسطينيين بنسبة 3: 1 مقابل إطلاق سراح 110 مخطوفين إسرائيليين وأجانب، معظمهم من النساء والأطفال. هؤلاء المخطوفون تم تخليصهم من بين أنياب الموت. اليوم، نعرف من أفواههم بأنهم اجتازوا ظروفاً صعبة جداً. المخطوفون الذين بقوا وراءهم محتجزون في غزة لفترة أكثر من الضعف، بعضهم مات.
تعرف القيادة الإسرائيلية أنه لن يكون بالإمكان التوصل إلى صفقة أخرى في مثل هذه الشروط المريحة، ربما باستثناء سيناريو يقوم فيه الجيش بطريقة معينة بمحاصرة الفتحة التي يختبئ فيها السنوار (حتى عندها من المرجح أن يكون حوله درع بشري واق على شكل المخطوفين الإسرائيليين). في الأسابيع القريبة القادمة سيتم تبادل، هذا ما نأمله، المزيد من المسودات بين الطرفين عن طريق الوسطاء. الاتصال مع السنوار نفسه صعب لأنه في حالة هرب ويختفي في الأنفاق.
إذا تم التوصل إلى مرونة في موقف حماس، فسيصل القرار إلى الكابنيت الموسع والحكومة. ولكن ستجري نقاشات في مجلس الحرب حتى قبل ذلك، حيث يعتمد الكثير على مقاربة وزراء المعسكر الرسمي، غانتس وآيزنكوت، من الواضح تماماً أن في يدهم قرار هل يحلون الائتلاف بصيغته الحالية، حول الخلاف المتوقع أن يتطور حول الصفقة. في ظل غياب صفقة، فإن انسحابهم قد يعطي ضوءاً لتطور موجة احتجاج واسعة وأشد ضد نتنياهو وسياسته في الحرب.
قال آيزنكوت في هذا الأسبوع، في ظهور علني نادر في مؤتمر في ذكرى أريئيل شارون بجامعة رايخمان، إن “الحديث لا يدور عن جندي مخطوف، بل عن مئات المواطنين الذين كانوا يعيشون حياتهم ووثقوا بالجيش الإسرائيلي، وحاربوا ذات يوم على قفل باب الملجأ الآمن في بيوتهم، ثم تركوا لمصيرهم”. حسب قوله، علينا واجب مزدوج لإعادتهم، واجب قيمي وأساسي. التصريحات ضد الصفقة خطيرة جداً. ما هي احتمالية سماع أمور بسيطة وواضحة كهذه من نتنياهو أو من أحد وزراء الليكود؟
في هذه الأثناء بقيت العائلات وحدها تقريباً، ورأينا في المظاهرات الداعمة لها مشاركين في احتجاج بلفور وكابلان من الماضي. لكن نتنياهو نجح، أيضاً هذه المرة، في تحويل خلاف أخلاقي وإنساني إلى موضوع يقسم فقط حسب خطوط الفصل بين اليمين واليسار، وبين بيبي و”كله إلا بيبي”.
الانقضاض الأسبوعي
ليس وحده الفشل الحكومي عشية الحرب (تحت ظل الانقلاب النظامي) وخلاله، بات يستقبل بلامبالاة نسبية من قبل الرأي العام، بل يحدث أيضاً حول سلوك يومي يبدو مثل هجوم مستمر على نفس القسم من الجمهور الذي يتحمل على الأغلب عبء الضرائب والخدمة في الجيش.
هذه الأمور ظهرت هذا الأسبوع في عدة قرارات وتصريحات، التي من جهة زادت العبء على معظم المواطنين. ومن جهة أخرى، دفعت قدماً بتوزيع الأموال والامتيازات على الحريديم والمستوطنين. القطاع الأول تعافى من مشاعر الذنب التي دفعت بعض شبابه إلى الخدمة العسكرية. وتحاول قيادة القطاع الثاني استغلال إسهام أبنائها في الخدمة وحتى خسائرهم في حرب غزة لزيادة طلباتها السياسية المتنامية.
يجد الجيش الإسرائيلي نفسه رغم أنفه خاضعاً لعدم المساواة الصارخ، بل ويعمقه. هذا الأسبوع، أعلن عن زيادة كبيرة في العبء: زيادة الخدمة الإلزامية للرجال مرة أخرى من 32 شهراً إلى 36 شهراً؛ وسن الإعفاء من الاحتياط سيتم رفعه من 40 إلى 45 سنة، وربما يزيد عدد أيام خدمة الاحتياط في السنة ثلاثة أضعاف في هذه السنة (بالمتوسط 35 يوماً للجنود و45 للضباط).
الإدارة الأمريكية غير مستعدة للتساوق مع الواقع البديل الذي يمليه الوزير سموتريتش وأمثاله. في هذا الأسبوع ثارت عاصفة سياسية صغيرة في إسرائيل عندما تبين أن الأمريكيين شملوا في خطواتهم ضد اليمين المتطرف أيضاً خطوات اقتصادية شديدة ضد أربعة مستوطنين اتهموا بالتورط في أعمال عنف في الضفة. جمدت بنوك إسرائيل حساباتهم وأثارت الدهشة والغضب في أوساط المستوطنين. يبدو أن الإدارة الأمريكية تلمح إلى أنها ليست سوى البداية، سموتريتش وشريكه بن غفير، الشخصان غير المرغوب فيهما في واشنطن، ربما يكتشفان أن للأمريكيين طرقاً أخرى للتعبير عن خيبة الأمل.
عاموس هرئيل
هآرتس 9/2/2024