في الوقت الذي تضع فيه جداول بيانات المرض الولايات المتحدة على قمة هرم الوفيات بسبب كورونا، وفي الوقت الذي يواصل فيه الموت في فرنسا وبريطانيا وإسبانيا، فإن دولاً صغيرة وفقيرة مثل الأردن، الذي أصيب فيه حتى الآن 340 شخصاً، فقد أُبعد إلى هامش الاهتمام العالمي وآخر الدور في منظمات المساعدة.
قامت حكومة الأردن حتى الآن بمعظم الخطوات الصحيحة؛ فقد عزلت العاصمة عمان عن باقي أجزاء الدولة، وأغلقت حدودها مع السعودية والعراق وسوريا وإسرائيل، وأوقفت الرحلات الجوية الدولية، وفرض حظر تجول على الدولة، جرى تخفيفه قليلاً بعد أن أثار اضطرابات ومواجهات بين المواطنين الذين انقضوا على شاحنات توزيع الأغذية. مشافي الأردن دخلت مرحلة استعداد للتوقعات القادمة التي تقول إن عدد المصابين والوفيات سيقفز، ووسائل الحماية فيه، مثل الكمامات وأجهزة التنفس وعدد الطواقم الطبية، آخذة في التناقص.
شوارع عمان ومدن أخرى مكتظة برجال الشرطة وقوات الأمن، العلنية والسرية، الذين يعملون بتصميم وأحياناً بقسوة من أجل منع التجمعات أو الخروج من البيوت في وقت حظر التجول. منظمات الإغاثة تشتكي من عدم سماح الشرطة للسيارات التي تنقل الغذاء والمعدات الطبية بالسير في الشوارع، ويضطر عدد من موظفيها إلى السير على الأقدام وهم يحملون المعدات إلى البيوت والعيادات.
الأردن مثل لبنان وتركيا، هو دولة تستضيف 800 ألف لاجئ سوري، إضافة إلى آلاف اللاجئين العراقيين الذين بقوا من حرب الخليج، والعبء الاقتصادي يضعه على شفا الانهيار. قبل اندلاع كورونا بدأ الاقتصاد في الأردن بالاستقرار، وتقديرات مؤسسات التمويل الدولية منحت الأردن توقع نمو 2.1 في المئة في السنة الحالية و3 في المئة في السنة القادمة. أما الآن فقد تشوشت التوقعات المتفائلة هذه، ويمكن للأردن أن يكون راضياً إذا لم يتراجع النمو فيه سلباً.
تلك الإصلاحات الاقتصادية التي شملت رفع أسعار الوقود، صحيح أنها لم تستكمل في أعقاب الاحتجاج المدني الصاخب الذي اندلع في 2018، ولكن المساعدات الدولية، لا سيما القرض الذي حصل عليه الأردن من صندوق النقد الدولي بمبلغ 1.3 مليار دولار ومن دول الخليج… تساعد على تحسين قدرته هذه الأثناء على الإدارة الجارية لشؤون الدولة. حسب تعليمات الحكومة، خفّض البنك المركزي سقف سيولة البنوك، وبهذا ضخ نحو 700 مليون دولار لنشاطات الاقتصاد.
الملك عبد الله طلب من الجمهور، لا سيما رجال الأعمال، إظهار التضامن والتبرع للخدمات الصحية والجمعيات الخيرية من أجل مساعدة الحكومة على مواجهة عبء النفقات الضخم.
وتم إصدار أمر للبنوك أيضاً بأن تمنح قروضاً بفوائد متدنية تصل إلى 2 في المئة، ولكن هذه الخطوات لا يمكنها الآن إحياء فرع السياحة الذي بات مشلولاً منذ نحو شهر. وثمة تخوفات من أنها ستكون بحاجة إلى سنة على الأقل لإصلاح هذا الفرع الذي يدخل للدولة نحو 5 مليارات دولار في السنة. الفنادق في العقبة وعمان، بؤرتا السياحة الرئيسيتان في الدولة، أغلقت تماماً تقريباً، وفي موقع البتراء يشتغل عمال الصحة في تعقيم المنطقة والمباني القديمة من أجل إعدادها لليوم الذي سيأتي فيه السياح.
الملك عبد الله طلب من الجمهور، لا سيما رجال الأعمال، إظهار التضامن والتبرع للخدمات الصحية والجمعيات الخيرية من أجل مساعدة الحكومة على مواجهة عبء النفقات الضخم الذي وقع على كاهلها. وقد استجاب للدعوة شركات ورجال أعمال كثيرون، منهم صاحب وكالة شركة “تويوتا” الذي تبرغ بمبلغ 100 ألف دينار لوزارة الصحة؛ ومصنع أدوية الحكمة تبرع بمبلغ 3 ملايين دينار؛ ورجال أعمال سوريون فتحوا مشاريع في الأردن تبرعوا بمبلغ 600 ألف دينار، 400 ألف دينار نقداً و200 ألف دينار بالمعدات. “نريد أن نرد للدولة الجميل بدلاً من جميلها، لقد مكنتنا من فتح المشاريع، والآن يجب علينا مساعدتها في الأزمة”، قالت هيئة رجال الأعمال السوريين.
أصحاب رؤوس الأموال السوريين يدركون ثقل العبء الاقتصادي الذي يشكله اللاجئون السوريون على الدولة، ويرون أن من واجبهم الوقوف إلى جانب النظام، ولكن حجم تبرعاتهم بعيد جداً عن أن يلبي احتياجات اللاجئين. معظم اللاجئين يعيشون في مخيمات للاجئين أو في المدن الكبرى، ويعتمدون في مصدر الرزق على العمل وليس على المساعدات التي تأتي من وكالات إغاثة اللاجئين التابعة للأمم المتحدة. يمكن للاجئين أن يتوجهوا إلى الخدمات الصحية في الدولة مقابل مبلغ رمزي، لكن في الفترة التي تغلق فيها أماكن العمل، فإن هذا المبلغ الرمزي ليس في متناول اليد.
حسب موقع “ويب ريفلايف” الذي تديره وكالة اللاجئين التابعة للأمم المتحدة والذي يقدم معلومات عن وضع اللاجئين في العالم، فإن معظم اللاجئين السوريين في الأردن يعانون من وضع صحي سيئ حتى قبل انتشار كورونا؛ 82 في المئة منهم اضطروا إلى استدانة المال لتمويل وجودهم، و80 في المئة منهم يعيشون تحت خط الفقر، وهذا يعني أنهم لا يستطيعون تخزين ما يكفي من الغذاء في الشقق والخيام التي يعيش عدد منهم فيها في فترة الإغلاق وحظر التجول. أما الاكتظاظ في المخيمات فلا يمكن من الحفاظ على البعد الاجتماعي الذي يستهدف منع العدوى. وإن توقف عمل مؤسسات التعليم يمس بصورة خاصة أولاد اللاجئين الذين 40 في المئة منهم تقريباً لا يذهبون إلى المدارس حتى في الوقت العادي. بدأت الحكومة بخطة تجريبية للتعلم عن بعد بواسطة حواسيب وتطبيقات على الهواتف المحمولة، ولكن 2 في المئة من عائلات اللاجئين لديها حاسوب في البيت، ولهذا قد يفقدون سنة دراسية إذا ما استمرت أزمة كورونا بضعة أسابيع أخرى. ولا يوجد ما نتحدث عنه بما يخص العمل من البيت، حيث إن أغلبية اللاجئين يعملون في مصانع إنتاج وقطاعات البناء والزراعة.
الأردن في هذا الوقت يحاول معالجة الفجوة بين الاحتياجات الطبية والمخزون المستهلك في المستشفيات بشكل رئيسي، ولكن قادة الدولة أصبحوا يخشون من رد الجمهور الذي قد يهز الدولة بعد انتهاء الوباء
الأردن في هذا الوقت يحاول معالجة الفجوة بين الاحتياجات الطبية والمخزون المستهلك في المستشفيات بشكل رئيسي، ولكن قادة الدولة أصبحوا يخشون من رد الجمهور الذي قد يهز الدولة بعد انتهاء الوباء. أسباب احتجاج الجمهور لم تتغير، والفساد لم يستأصل، والحكومة تعتبر في نظر كثيرين كمن تهتم بنفسها فقط وليس بالجمهور.
في مقال لاذع نشره سفير الأردن السابق في اليمن، فؤاد البطاينة، في موقع “رأي اليوم” الذي يصدر في لندن، طلب من الملك عبد الله تغيير تشكيلة الحكومة لإعادة أموال الدولة التي سرقتها الشخصيات الكبيرة فيها، وأن يأمر بوضع خطة اقتصادية تحسن الإنتاج والقطاع الخاص وتدفع به قدماً، وأن يستغل الفرص التي يقدمها فيروس كورونا من أجل إجراء تغييرات جوهرية في المملكة. “هل تعدّ هذه الحكومة الفاسدة مناسبة لكل زمان ومكان؟ كورونا يدير ضدنا حرباً حكيمة قد تكون لها تداعيات على مستقبلنا. وعلينا أن ندير ضده حرباً لا تقل حكمة عن ذلك”، كتب البطاينة. هذه الحرب تحتاج -حسب رأيه- إلى تخطيط شامل غير محصور في تعليمات لشراء معدات مختلفة. “يجب أن يديرها خبراء يفهمون في مجالاتهم، بل يشعرون باحتياجات الجمهور والأمة”.
أقواله هذه تعكس الادعاءات التي طرحها نشطاء الاحتجاج وأسباب احتجاجهم. الآن يتوقع أن يجد الملك والحكومة أنفسهما أمام جمهور أشد غضباً، ومع نسبة بطالة أكبر ونسبة فقر أكبر، ولا توجد لديه أدنى ثقة. النضال ضد كورونا الذي يشكل فيه الجيش والشرطة أذرعاً تنفيذية، حيث قانون الطوارئ يستخدم بكامل القوة، فيما آلاف الأشخاص يعتقلون لخرقهم حظر التجول أو بسبب نشر “معلومات كاذبة”، يثير الخوف من أنه يستخدم أيضاً لتصفية حسابات مع زعماء سياسيين، وعلى الأقل جزء من اللوائح الوحشية ستستمر في الوجود حتى بعد انتهاء الوباء. اليوم التالي قد لا يكون أقل خطراً من الفيروس.
بقلم: تسفي برئيل
هآرتس 10/4/2020