هآرتس: كنيست 2022.. يمين يكشر عن أنيابه ويسار يسلم بـ”العربة الفارغة” وأكاديميون في برج عاجي

حجم الخط
1

صافرة الإنذار الحقيقية التي تسمع في جميع البلاد قبل فتح صناديق الاقتراع لا تغير حقيقة أن أي نتيجة حتماً ستظهر وضع اليسار البائس. ليس صدفة أن يطلق عليه لقب “العربة الفارغة” الذي كان سائداً طوال سنين في الصراع بين المتدينين والعلمانيين. الشعور بأن اليسار يتعرض لأزمة أيديولوجية يبرز في أيام الانتخابات ويظهر من مقالات نشرت في “هآرتس”، توجه إصبع الاتهام لتوجهات متطرفة أبعدت اليسار عن “الحياة نفسها” (مثلاً، مقال أوري مسغاف في 20/9).
لكن ضعف اليسار لا ينبع فقط من توجهات ولدت في العقود الأخيرة. فمنذ سنوات لا توجد في عربته أفكار جديدة تثير الحماسة، التي يمكن بواسطتها المساعدة على تجنيد الجمهور وحتى جذب مصوتين إلى صناديق الاقتراع. يحدث هذا عندما لا يعرض اليسار أي بديل عن سيطرة الليبرالية الجديدة على اقتصاد إسرائيل خصوصاً في انتخابات تجري في ظل أزمة اقتصادية وعدم المساواة عميق وغلاء المعيشة آخذ في الارتفاع.
لا يدور الحديث عن مشكلة محلية فقط. فعملية خصي اليسار، تم التعبير عنها بزيادة تطرف نظريات نقدية والتخلي عن مشكلات اقتصادية – اجتماعية والتركيز على المواضيع الثقافية والنفسية – العاطفية، التي ميزت الحياة الثقافية في العالم الغربي من النصف الثاني للقرن العشرين. خرجت الهجمات الشديدة على جذوره الفكرية من قلب “المؤسسة” الفكرية اليسارية، لا سيما بعد الحرب العالمية الثانية التي هزم اليمين فيها. هكذا تم نسيان المثل التي مهدت الطريق لثورات سياسية – اجتماعية وساهمت ليس فقط في تحقيق قيم مثل المساواة في الحقوق، بل أكثر من ذلك؛ تحسين جودة الحياة لمعظم سكان العالم.

انتقاد الوضع القائم كان نقطة انطلاق اليسار على مر الأجيال. فهو الذي أشعل نار الثورات في العصر الحديث، وهو الذي ولد الحركات المتنورة التي عملت على تخليص الإنسان والمجتمع من قالب العالم القديم للمضي بالحقوق العالمية لكل إنسان كفرد مفكر وحر. صحيح أن حركات مضادة في القرن الثامن عشر قامت ووجهت سهام النقد لمبادئ التنور، على رأسها الفردية والعالمية، وهي حركات اعتبرت كخطر على تماسك المجتمع والطائفة ورأت سلطة العقل كإفشال للقيم الروحية والدينية والعلمانية على حد سواء.
لكن عندما اشتدت الهجمات على التنور في النصف الثاني للقرن العشرين، بالتحديد من قبل اليسار الذي اعتبر “يساراً جديداً”، حدثت الثورة. ليس فقط ثورة الطلاب، بل الثورة الثقافية، وقد سميت أيضاً “الانعطافة الثقافية”. الثورة، التي كان تأثيرها بعيد المدى مثل التخلي عن محاربة عدم المساواة الاقتصادية، تظهر حالياً في الواقع السياسي الإسرائيلي، لا سيما عشية الانتخابات، حيث اليمين المتطرف يكشف عن أهدافه.
ثمة كتب صدرت في السنة الأخيرة وحصلت على الاهتمام تمكن من واقع آني في إطار عملية تاريخية، كتاب بعنوان “مقال عن التسامح” للمؤلف وولتر (كتب في 1763) من إصدار “الكرمل”، وكتاب بعنوان “اليمين المتطرف الجديد” من إصدار الكيبوتس الموحد، وفيه محاضرة لثيودور ادورنو من العام 1965. هذان الكتابان يشكلان نقطتين فارقتين في تاريخ اليسار. الكتاب الأول يعرض مصادر عن فترة نموه، والثاني عن أفوله. المقالات التحليلية الحالية المرفقة مع هذين الكتابين تمكن من التعرف، أو تذكير من نسي، على التراث الفكري الذي استمد منه اليسار قوته خلال مئات السنين الأخيرة، التي تنقصه في هذه الأيام، في إسرائيل، وبالتحديد في فترة الانتخابات.
كتب المقال عقب قضية تأسيسية، وهي إعدام بروتستانتي فرنسي بالتعذيب بتهمة قتل ابنه على خلفية دينية، التي تبين فيما بعد أنها كانت تهمة باطلة. من ناحية وولتر، الذي اعتبر من آباء حركة التنوير، كان هذا رمزاً للتعصب الديني الذي شاهدنا في أعقابه نتائج فظيعة للحرب الدينية في أوروبا. ولكن المقال لم يستهدف فقط الدعوة إلى التسامح الديني، بل استهدف أيضاً النضال من أجل الدفع قدماً بقيمة التسامح كقاعدة لنظام سياسي – اجتماعي جديد. وولتر الكاثوليكي، كما أشار البروفيسور آفي ساغي والبروفيسور دنيس شربيط في المقالات المرفقة بالمقال، لم يروج للقيم النسبية التي قد تخلق المساواة بين الديانات، لكنه رسخ الأسس العالمية مثل حرية الضمير وحرية الروح وقدسية الحياة. هذه القيم ولدت مبدأ المساواة في الحقوق، الأمر الذي زعزع الاستبداد الملكي والتعصب الديني. لم يكن وولتر شخصاً ثورياً، لكنه آمن بالإصلاح العقلاني الذي يقوم على المنطق وضبط النفس والنفعية. وهذه كانت أساس إرث التنوير.
لقد أوضح ساغي وشربيط مغزى الابتعاد في هذا الوقت عن مبادئ وولتر، في الأيام التي يمكن أن يواجه فيها اليسار التطرف لتعصب إسلامي عنيف وشعبوية يمينية وبعث قومي متطرف – ديني مسيحي. وهذه توجهات معروفة الآن جيداً أيضاً في أماكننا. يشرح ساغي الخلفية التاريخية لنمو نظرة وولتر للعالم، وأيضاً انتقاده لنظريته منذ ذلك الحين وحتى الآن. مقاله يمكننا من معرفة مبدأ التسامح الذي يستند عند وولتر إلى القيم العالمية دون التنازل عن تراتبية مبادئ أساسية فكرية مقابل نظريات نسبية تلغي وجود القيم الأخلاقية الموضوعية العالمية بذريعة أنها تخلق تراتبية هرمية مهيمنة وتقلص حرية التعبير عن الهوية الفردية الأصيلة.
إن محاولة وولتر العثور على طريقة للدمج بين قيم موضوعية عالمية وبين الحرية الشخصية تركت في الجانب اليساري للخارطة السياسية، واشتد انتقاده في النصف الثاني للقرن العشرين، وفي غضون ذلك تم تبن مبادئ نسبية، وتغلب التركيز على الجوانب الثقافية والنفسية – العاطفية، الأمر الذي أدى إلى الانفصال عن الواقع الحقيقي، الواقع القائم في المقام الأول على ظروف اقتصادية – اجتماعية.
شربيط أحسن في تحليل هذه الظاهرة التي ظهرت في فرنسا في السنوات الأخيرة عقب سلسلة عمليات الإسلام المتطرف. هذه أعادت رؤية وولتر التسامحية إلى الأجندة العامة. تراث التنوير الفرنسي الذي ارتكز على قيم الأخلاق العالمية بعث وطرح سؤالاً: أين يجب وضع حدود التسامح في مبدأ التعددية الثقافية الذي سعى إلى “احتواء الآخر” في وضع يعلن فيه الآخر بأنه يريد الاستيلاء على أوروبا بقوة السلاح.
في إسرائيل الواقع معقد أكثر. فهنا، المبادئ النسبية وغياب معايير موضوعية عالمية تخفي أسئلة مثل ماذا نفعل مع “آخرين”، الذين يعملون على إقامة دولة يهودية عنصرية وغير ديمقراطية، أو فرض عادات دينية تقليدية تضر بالنساء. أسئلة تتعلق بالعلاقة بين التسامح والنسبية تظهر أيضاً في كتاب “اليمين المتطرف الجديد”، التي يمكن أن تهم اليسار في إسرائيل أكثر من اعتبارها مواضيع مهمة بحد ذاتها مثل النسوية والهوية الجندرية. في المحاضرة التي ألقاها ادورنو في جامعة فيينا في الستينيات، في فترة ازدهار اليسار الجديد وفترة استيقاظ اليمين المتطرف، أشار إلى عمليات فقط في السنوات الأخيرة أدركنا كل أهميتها. وأكد ادورنو على تحدي القيم الأخلاقية وصحة مفهوم الحقيقة. في ذلك الحين حذر من الدعاية التي تستند إلى استخدام وسائل عقلانية لأهداف غير عقلانية، من خلال الارتكاز على معرفة نفسية الجمهور، وحذر من الزعماء المستبدين الذين يستخدمون المعلومات بشكل متلاعب، وينشرون في غضون ذلك الأوهام. رأى ادورنو في هؤلاء صفات تسبق نمواً جديداً للفاشية.
في هذا السياق أيضاً، من الجدير قراءة ماركس من جديد لإعادة الاهتمام بالواقع المادي والاقتصادي ووجود طبقات لكل طبقة منها مصالح شخصية، بدون إغراق الوعي الشخصي والطبقي في مزيج من الثقافة المتدنية، التي تحصل على الوقود من الشبكات الاجتماعية. هذه المهمة غير سهلة، لكنها في فترة الانتخابات هي التي كُشف فيها وجه اليمين المتطرف الحقيقي، لكنها تقتضي أيضاً من الأكاديميين الخروج من البرج العاجي ومواجهة الواقع مرة أخرى؛ وعن طريق ذلك اكتشاف أن عربة اليسار مليئة بالأفكار، وكل ما يحتاجونه هو كشفها وملاءمتها مع الواقع الحالي عندنا.
بقلم: زيفا شترنهل
هآرتس 31/10/2022

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية