بعد سنتين من المصادقة على الخطة الخماسية لتغيير وجه شرقي القدس بتكلفة نحو ملياري شيكل، بدأت تعطي ثمارها. الخطة 3790، كما تسمى، نجحت في التأثير على شبكة العلاقات بين السكان الفلسطينيين الذين يشكلون نحو 40 في المئة من سكان العاصمة وبين السلطات الإسرائيلية. ولكن إذا كانت قد حققت أهدافها بصورة نسبية في مجال التعليم والنظافة، فقد فشلت في مجال مثل المواصلات وتسجيل الأراضي. وحسب منتقدي الخطة، فإنها لا تتجرأ على المس بالمجالات الأكثر أهمية مثل تخطيط السكن والمواطنة.
جاءت الخطة من اجتماع ظروف استثنائية أدت إلى الربط بين سياسيين من اليمين ورجال سابقين من الشاباك وموظفين في المالية، وهؤلاء نجحوا في إقناع الوزراء والحصول على ميزانيات من خلال الإصرار على أنه “لا يمكن الاستمرار بهذا الشكل”. وهذا بعد أن تمت المصادقة قبل أربع سنوات على خطة أخرى مع ميزانية متواضعة تبلغ 244 مليون شيكل، ثلثها خصص للشرطة وتحسين جهاز الأمن، والتي فشلت. تبلورت الخطة الجديدة في وزارة القدس ووزارة المالية وصودق عليها يوم القدس 2018.
الدكتور أمنون رمون، من معهد القدس لأبحاث السياسات والذي حقق في تدحرج الخطة لصالح وزارة القدس، قال تحذيرات رجال الأمن اجتمعت أثناء بلورتها ووقفت أمام خطاب السيادة وتوحيد القدس للسياسيين من اليمين والتقت مع الرؤية الاقتصادية لموظفي المالية، وأدرك هؤلاء أنهم بدون معالجة الـ 40 في المئة من سكان العاصمة، لن تنهض العاصمة.
كان يجب على هذه الخطة أن تعالج عدة قضايا في شرقي القدس، منها التعليم والمواصلات والصحة والتشغيل والبنى التحتية. تم تحقيق التقدم الأكبر في مجال التعليم بمساعدة استثمارات كبيرة في التعليم غير الرسمي، وفي تعلم العبرية والتعليم التكنولوجي وكشف طلاب الثانوية الفلسطينيين على البرنامج الأكاديمي الإسرائيلي. نجحت الخطة بشكل جزئي للدفع قدماً بأسرلة جهاز التعليم، أي الانتقال إلى تعلم منهاج البغروت الإسرائيلي بدل موازيه الفلسطيني، التوجيهي. وشملت الخطة إعطاء ميزانيات ومنح كبيرة للمدارس التي ستفتح فيها صفوف للبغروت الإسرائيلي، بل وكان هناك استعداد لذلك من جانب الفلسطينيين. شعر عدد من الأحياء العربية هناك أن إسرائيل تحاول أن تفرض على أولادهم تغييراً في الهوية، لكن هذه الخطوة ووجهت بمعارضة. اليوم ما زال هناك أكثر من 90 في المئة من طلاب شرقي القدس يدرسون للتوجيهي.
“نشعر بالتغيير”، قال مدير مدرسة في شرقي القدس، “يعطون إطاراً لكل ولد، ومعهداً للعبرية، ودورات خاصة لإصلاح الهواتف المحمولة والتكييف، وتحسين الصفوف، وتقديم بنية تحتية للإنترنت وتظليل في الساحة”. وحسب قوله: “لا توجد لدينا معارضة من قبل الأهالي، لكن في أحياء أخرى توجد معارضة. ووجود “بغروت” لدينا في المدرسة ساعد في الحصول على ذلك”.
الخطة تجد صعوبة في إحداث تحسين جوهري في مجال تشغيل النساء، رغم تضمينها نظام توجيه للنساء وإنشاء خدمة نهارية. في التقرير الذي أعدته جمعية “عير عاميم” ومنظمة العمال “ماعن” وجد أنه رغم ارتفاع معين في نسبة النساء الفلسطينيات العاملات، حدث أيضاً ارتفاع في معدلات الفقر. ووجد التقرير أن غياب مواصلات عامة جيدة إلى أماكن التشغيل ونقصاً في الأطر للأولاد، وحواجز اللغة والثقافة، لا تسمح للنساء في شرقي القدس بالخروج إلى سوق العمل. ولو أن هؤلاء النساء وجدن عملاً، فهن يحصلن على الأغلب على أجر منخفض جداً.
وفي مجال البنى التحتية، تضمنت الخطة تخطيط وإقامة 15 شارعاً جديداً أو مجدداً، المشروع الأكبر الذي هو قيد الإنشاء سمي الشارع الأمريكي الذي يربط أحياء شمال شرق القدس وجنوب شرق القدس. مع ذلك، فإن ميزانية الشارع التي تقدر بنحو 250 مليون شيكل كانت موجودة قبل الخطة ويصعب أن نرى فيها إضافة على الميزانية. مشاريع أخرى في مجال البنى التحتية للمياه والمجاري هي الآن في مراحل التخطيط، وبعيدة عن إغلاق الفجوة بين شرقي المدينة وغربها. فشلت الخطة حتى الآن في إدخال بطاقة المواصلات “الراف كاف” إلى نظام المواصلات في شرقي القدس. في شرقي المدينة يعمل عدد كبير من الشركات الخاصة، ولم تنجح وزارة المواصلات في بلورة اتفاق يسمح بتشغيل البطاقة. وثمة استثمارات أكبر كانت أيضاً في مجال جودة الحياة، مثل إصلاح الشوارع وتحسين النظافة في شرقي القدس. ولكن في هذا البند أيضاً، حسب أقوال مصدر مطلع، علقت برامج كثيرة.
أحد البنود الإشكالية في الخطة بالنسبة لسكان شرقي القدس، يتعلق بتسجيل الأراضي. منذ العام 1967 جمدت الدولة تسجيل الطابو لأراض في شرقي القدس. و90 في المئة من الأراضي غير منظمة وتقريباً لا يمكن البناء فيها بصورة قانونية. حسب الخطة، حتى نهاية السنة يجب على وزارة العدل تسوية 50 في المئة من الأراضي واستكمال جميع التسجيلات حتى نهاية 2025. ولكن هذا الموضوع ما زال عالقاً.
يخشى الفلسطينيون من استخدام التسجيل لنقل العقارات إلى القيّم على أموال الغائبين (في حالة أن واحداً أو أكثر من الورثة يعتبر غائباً، أي انتقل إلى دولة عربية)، ومن القيّم العام إلى جمعيات المستوطنين. النتيجة هي أن الفلسطينيين يرفضون التعاون مع التسجيل من جهة واحدة، والأردن أيضاً لا يساعد في نقل السجلات لديها، وهكذا فإن مسجل الأراضي في وزارة العدل يجد صعوبة في التقدم في هذا الموضوع.
أما في مجال سريان قانون الصحة على شرقي القدس فحدث تقدم طفيف، وربما لم يحدث قط. “شرقي القدس بحاجة على الأقل إلى 3 – 4 خطط خماسية مثل هذه من أجل البدء في رؤية التغيير”، قال مصدر من المجتمع المدني في شرقي القدس، “المشكلة هي أن الخطة تعتبر خطة أسرلة، والسكان لا يؤمنون بأن الشارع الأمريكي أعد لهم، بل أعد للربط بين “معاليه أدوميم” وجبل أبو غنيم”.
الخطة لا تعالج القضايا الثلاث الأكثر جوهرية والتي تثقل على حياة ومستقبل سكان شرقي القدس، فهذه الخطة لا تتعامل مع الأحياء الواقعة خلف جدار الفصل. في هذه الأحياء التي حجزت بين الجدار وحدود بلدية القدس، يسكن نحو ثلث الفلسطينيين في القدس (120 – 140 ألف نسمة) في ظروف قاسية جداً. ومنذ إقامة الجدار تخلت السلطات الإسرائيلية عن هذه المناطق، وبني فيها عشرات آلاف الوحدات السكنية غير القانونية.
وثمة مشكلة أخرى بأن الخطة لا تعالج موضوع البناء السكني وتخطيط الأحياء الفلسطينية، بل وتمنع البناء في الأحياء الفلسطينية بصورة قانونية، ما دفع آلاف العائلات إلى البناء بصورة غير قانونية، والآن هي مضطرة لمواجهة أوامر الهدم ودفع مبالغ كبيرة كغرامات ومعركة قضائية لا تنتهي. مشكلة أخرى هي حقيقة أن سكان شرقي القدس ليسوا مواطنين، لذلك فإنهم لا يتمتعون بحقوق مثل جواز السفر أو القدرة على الهجرة إلى الضفة الغربية. ورغم أن وتيرة طلبات الحصول على الجنسية ازدادت في السنوات الأخيرة، إلا أن عقبات الحصول عليها ما زالت كثيرة، وقلائل ينجحون في الحصول عليها.
الدكتور رمون أشار إلى مشكلة أخرى في الخطة، وهي تعدد الجهات الحكومية التي يجب عليها تطبيقها. وقد عدد على الأقل 27 جهة حكومية كهذه. “وعلى جميع هذه الجهات أن تعمل معاً. هذا معقد جداً، ويرتبط بالنية الحسنة للموظفين”، قال. “هناك وزارات أصيبت بفيروس شرقي القدس وهناك وزارات لم تصب”.
بقلم: نير حسون
هآرتس 21/5/2020