هآرتس: “لا أمن لنا ولهم في الضفة”.. القصة على لسان 42% من الفلسطينيين العاطلين عن العمل 

حجم الخط
0

خلال عشرين سنة اعتاد أبو صالح الذهاب كل صباح للعمل في إسرائيل والعودة مساء إلى بيته في قرية سالم قرب جنين. في السنوات الأخيرة، عمل في شركة صيانة في مركز البلاد، وفرت له ظروفاً اجتماعية وراتباً جيداً نسبياً مقارنة مع الراتب المتوسط في الضفة، 6 آلاف شيكل شهرياً. يضاف إلى هذا المبلغ مقابل أعمال البناء التي كان يعمل فيها بين حين وآخر، وهكذا أعال زوجته وأولاده الأربع ووالديه المسنين. هكذا كان الأمر حتى 7 تشرين الأول الماضي. ولكن عندما هزت مذبحة حماس المجتمع الإسرائيلي، تغيرت حياته.

“في 8 تشرين الأول كل شيء توقف دفعة واحدة”، قال أبو صالح ووصف (49 سنة) ما حدث عندما منعت إسرائيل دخول العمال الفلسطينيين. ومنذ ذلك الحين، لا يستطيع كسب الرزق، مثل عشرات آلاف الفلسطينيين الآخرين. ثمة عمال يدخلون إلى إسرائيل ويعملون بشكل غير قانوني. ولكن أبو صالح يقول بأنه لا يريد فعل ذلك. “لا أسمح لنفسي بارتكاب خطأ مثل الدخول إلى إسرائيل بشكل غير قانوني”، قال. “إذا اعتقلوني فسيسحبون تصريح العمل. وعليّ إعالة سبعة أشخاص”. في هذه الأثناء، هو على صلة مع مشغله الإسرائيلي، ويسأله متى يمكنه العودة إلى العمل. “لا أحصل على أي جواب. يقول انتظر”، قال.

فرصة أبو صالح في العثور على مصدر رزق بديل في الضفة الغربية ضئيلة بسبب سوق العمل المقلص ونسبة البطالة المرتفعة، والتي تفاقمت بسبب إلغاء معظم تصاريح العمل في إسرائيل. نسبة البطالة في الضفة ارتفعت من 23 في المئة في السنة الماضي إلى 42 في المئة الآن. “لا أعرف ماذا سأعمل الآن وكيف سأواجه الوضع”، قال بقلق. “أنجح أحياناً في إيجاد عمل بأجرة 100 شيكل في اليوم. وأحصل على مساعدة من صديق، أحياناً نبيع خروفاً أو اثنين. كانت لي بعض التوفيرات ولكني استخدمتها. أنا في حالة يأس”، لخص وضعه.

حتى الحرب كان لـ 150 ألف فلسطيني في الضفة تصاريح عمل في إسرائيل. 110 آلاف من بينهم عملوا في إسرائيل و40 ألف في المستوطنات. إضافة إليهم، حسب التقديرات، عمل في إسرائيل حوالي 40 ألف فلسطيني بشكل غير قانوني، إلى أن تم إغلاق الثغرات في جدار الفصل قبل سنة من الحرب. في 7 تشرين الأول، منعت إسرائيل دخول العمال الفلسطينيين، ولكنها سمحت بدخول حوالي 8 آلاف فلسطيني للعمل في فروع حيوية مثل الغذاء والدفن والنظافة. حسب التقديرات، يعمل حوالي 45 ألف فلسطيني من الضفة الآن في إسرائيل بدون تصاريح عمل.

خبير في الاقتصاد الفلسطيني، لم يرغب في ذكر اسمه لأنه غير مقبول في الأوساط الفلسطينية إجراء مقابلات مع وسائل الإعلام الإسرائيلية أثناء الحرب، شرح تأثير المنع على سكان الضفة. وحسب قوله، فإن حوالي 190 ألفاً من العمال الذين عملوا في إسرائيل أعالوا حوالي مليون شخص، حيث في الضفة بالمتوسط خمسة أفراد في العائلة. وحسب تقديره، فإن مداخيل عملهم التي دخلت إلى السوق الفلسطينية بلغت 1.4 مليار شيكل في الشهر. حظر دخول العمال إلى إسرائيل، كما يقول، زاد نسبة العاطلين عن العمل في الضفة بصورة ضعضعت كل الاقتصاد.

“الاقتصاد الفلسطيني في الأصل محدود جدا، واقتطاع مثل هذا المبلغ مرة واحدة يعتبر ضربة قاضية بكل المقاييس”، قال خبير الاقتصاد. وحسب قوله، فإن التأثيرات لا تضر العامل الذي لا يحصل على راتب وأبناء عائلته فقط، بل تضر بالجميع – بائع الخضار، اللحام وسائق التاكسي – الذين سيحصلون على دخل أقل. “هذا يؤثر حتى على القدرة على شراء البضائع من السوق الإسرائيلية. لأن معظم السوق الفلسطينية تعتمد على البضائع الإسرائيلية، وهكذا فإن التجار الإسرائيليين يتضررون أيضاً”، قال.

       مصلحة أمنية

منع دخول العمال الفلسطينيين أوجد نقصاً كبيراً في عمال فرع البناء في إسرائيل، ما أدى إلى ضغط على المقاولين وشركات القوة البشرية لاستبدالهم بعمال من دول أخرى. محاولات فعل ذلك لا تثير القلق الحقيقي في أوساط الفلسطينيين الذين فقدوا أماكن عملهم. “هذه هراءات”، قال للصحيفة أبو أحمد، وهو أحد سكان نابلس في الأربعينيات ويعمل في البناء. “لا يوجد عمال لديهم خبرة مثل الفلسطينيين، الجميع يعرفون ذلك، حتى أصحاب الشركات والمقاولين الإسرائيليين. سيجلبون عمالاً من دول أخرى بتكلفة مرتفعة مدة شهر أو شهرين، وسيكون إنتاج هؤلاء العمال منخفضاً وسينهار كل شيء”.

وفي أوساط الخبراء الفلسطينيين، هناك من يعتقدون بأن محاولة استبدال العمال الفلسطينيين بعمال أجانب لن تنجح لفترة طويلة. موظف رفيع في السلطة الفلسطينية يربط تشغيل الفلسطينيين بمصالح إسرائيل الأمنية. “ربما أرادت الحكومة الحالية التسبب بانهيار السلطة الفلسطينية والاقتصاد الفلسطيني، لكن كل حكومات إسرائيل حتى الآن اعتبرت تشغيل العمال الفلسطينيين قضية أمن وطني، لأنه يجلب للفلسطينيين مصدر رزق ويمنع الانهيار الاقتصادي، الأمر الذي لا يفيد العمال فقط، بل كل السوق الفلسطينية والاقتصاد الفلسطيني”.

حسب نفس الموظف الرفيع، حاولت إسرائيل استبدال العمال الفلسطينيين بعمال أجانب، لكنها محاولة فشلت، بسبب التكلفة المرتفعة على المشغلين الإسرائيليين. وأشار هذا المصدر إلى أن “العمال الأجانب يريدون الحصول على رواتبهم بالدولار لتحويله إلى عائلاتهم في دول أخرى، في حين أن العمال الفلسطينيين يحصلون على الراتب بالشيكل، الذي يستخدمونه في مناطق السلطة الفلسطينية، وهكذا تبقى الأموال في الدائرة نفسها”.

 رغم التأكد من أن تشغيل العمال الفلسطينيين يصب في مصلحة إسرائيل، فثمة من لا ينوون الانتظار حتى تغير الحكومة الإسرائيلية سياستها. فقرروا محاولة اكتساب مهنة في مجال جديد. محمد ثابت، من قرية بيت دجن في شرق نابلس، قال إنه حتى اندلاع الحرب كان يدخل 250 – 300 عامل من سكان قريته إلى إسرائيل، 50 في المئة من الرجال في القرية، التي عدد سكانها 4500 نسمة. منذ 7 تشرين الأول، اضطر هؤلاء العمال إلى إيجاد مصدر رزق بديل، وهناك من يحاولون العمل في الزراعة.

“بدأنا في زراعة الخضراوات في دفيئات بالقرية، وقد نجح الأمر. نزرع الخيار والبندورة وخضراوات أخرى ونقوم ببيعها في سوق القرية أو في نابلس. وهذا يجلب دخلاً جيداً نسبياً، وهناك عمال يريدون الحفاظ عليه حتى بعد ذلك ولن يتنازلوا عنه، لأنه أمر أثبت بأن الزراعة مصدر مهم للرزق”، قال ثابت. مع ذلك، ثابت اعترف بأن الحل الذي وجده سكان بيت دجن لا يناسب جميع العمال الذين فقدوا أماكن العمل في إسرائيل، لعدم توفر أراض زراعية للجميع أو قدرة على العمل في هذا الفرع.

الصعوبة في العمل بشكل منظم في الضفة تنبع من قيود على حركة الفلسطينيين وقرارات اعتباطية ينتهجها جنود إسرائيل على الحواجز، الذين يؤخرون العمال. أبو يوسف، أحد سكان نابلس (53 سنة)، قال للصحيفة بأنه حين أراد الخروج من نابلس، انتظر ساعتين ونصف ساعة على الحاجز بعد أن قرر جنديان في الحاجز تأخير الجميع.

“لم تكن هناك أي حادثة أمنية أو أي شيء قبل ذلك. لا ترى في عيون الجنود إلا نياتهم بتجفيفنا تحت أشعة الشمس، أو أن أحداً طلب منهم ذلك”، قال بغضب. “كيف يمكن التنقل بين المدن والتحدث عن العمل والتجارة في مثل هذا الوضع؟ يشعر الناس أنههم يعيشون في ذل وقمع. هل تعتقد أن هذا سيفيد أمن الإسرائيليين؟ إذا لم يوجد عمل في إسرائيل، ولا في الضفة، فلا أفق لنا، الأمر الذي لا يساعد في أمن أي أحد”، لخص الوضع.

جاكي خوري

 هآرتس 24/9/2024

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية