هآرتس: من الدم حتى الدماغ.. هذا ما يحدثه “كوفيد طويل الأمد” في جسم الإنسان

حجم الخط
0

وصلت الإجابة السلبية، وتلتها إجابة أخرى، وسرعان ما جاء الإعلان بأن مرض كورونا دخل إلى تاريخ الطب ولم يعد جزءاً من روتين الحياة. ولكنها قصة باتت معروفة لملايين الأشخاص الذين احتفلوا بنهاية المرض، لكنهم اكتشفوا، للأسف، بأنه قد انتهى رسمياً، لكنه ما زال موجوداً، الحاضر – الغائب. الاسم الدارج الآن هو “كوفيد طويل الأمد”، أي كورونا على المدى الطويل. ولا أحد يعرف مداه ولماذا يحدث. ولكن بفضل أبحاث جديدة، يمكن الآن معرفة الثمن الذي يجبيه هذا المرض من الجسم، والذي لا يقتصر فقط على الإنهاك ومشكلات الإدراك، وأي الأسباب يمكن أن تسهم في ذلك.

تشخيص كوفيد طويل الأمد
سواء دار الحديث عن سلالة ألفا أو دلتا أو أوميكرون، فإن من يصاب بالمرض قد يصل إلى علاج في المستشفى، وقد يربط بجهاز التنفس إلى حين اختفاء الأعراض. الضرر الذي يلحق بالجسم جراء المرض خطير، التهاب على الرئة ومستوى منخفض للأوكسجين والتهابات، وعلى الأغلب يظهر في الفحوصات التقليدية. ولكن كوفيد طويل الأمد مختلف من كل الجوانب. هذا نوع من الأمراض المزمنة مع أعراض متنوعة، وليس للكثير منها تفسير عندما نستخدم فحوصات المختبر التقليدية. في أعقاب الصعوبة في اكتشاف المرض، فقد سبق في كثير من الحالات أن أرسل الأطباء المرضى إلى البيوت وشخصوا الأعراض خطأ أو اعتبروها أمراضاً نفسية – جسدية.
لكن الباحثين الذين يجرون فحوصات معمقة أكثر على مرضى كوفيد طويل الأمد، وجدوا أن هذا التعريف بعيد جداً عن الواقع؛ فقد وُجد في أجسام هؤلاء تشويش واضح، والحديث يدور عن مجموعة غير صغيرة. تقدر الأبحاث بأن 10 – 30 في المئة من الذين أصيبوا بكورونا قد يطورون أعراضاً طويلة الأمد. لا يوجد الآن تشخيص دقيق حول سبب وجود أشخاص يتحولون من مرضى بكوفيد إلى مرضى بكوفيد طويل الأمد، وآخرون لا. ولكن قد يتم تحديد أربعة أخطار: الأول، مستوى مرتفع لـ آر.ام.إي الفيروسي في بداية المرض. الثاني، وجود أجسام مضادة ذاتية معينة. الثالث، نشاط افيشتاين بار (الذي يصاب به كثير من الأشخاص في حياتهم)، والرابع هو مرض السكري من الدرجة الثانية.
خلافاً لمن تعافوا كلياً من كورونا، يبدو أن حدث لدى مرضى كوفيد طويل الأمد تشوش مزمن في جهاز المناعة. باحثون كثيرون يعتقدون أن هذا التشوش قد يتسبب بعدة أعراض في الجسم. وأحد الاحتمالات أن الجسم سيواصل محاربة بقايا الفيروس.
ووجد الباحثون أيضاً أن الفيروس في وقت الإصابة الأولى ينتشر بشكل واسع، وفي أوساط مرضى كوفيد طويل الأمد يمكن أن تبقى المادة الجينية للفيروس في الأنسجة والأمعاء والغدد اللمفاوية وأماكن أخرى لأشهر كثيرة. يتم الآن فحص احتمالية، في عدد من الأبحاث التي لم تنته بعد، أن مخزونات الفيروس هذه تسبب التهاباً في الأنسجة المحيطة بها، الأمر الذي قد يتسبب بالشعور “بالضبابية” في الدماغ ومشكلات في الأمعاء وأعراض أخرى. إضافة إلى ذلك، وجد الباحثون إثباتاً بأن كورونا قد يثير ردوداً مضادة للمناعة، ضارة ومتواصلة. وفي أبحاث أخرى، اكتشفت بشكل مفاجئ مستويات عالية من الأجسام المضادة التي تهاجم بالخطأ أنسجة المريض، بعد أشهر كثيرة على الإصابة الأولى.
ثمة سيناريو آخر تتسبب فيه الإصابة الأولى بالتهاب مزمن، ربما عن طريق إعادة تفعيل فيروسات أخرى في جسم المريض، مثل التي تكون نائمة في الوضع العادي. على سبيل المثال، إحياء جديد لفيروس افيشتاين بار، الذي يصاب به معظم الأشخاص في الصغر، ربما يساعد في التنبؤ باحتمالات قيام الشخص بتطوير كوفيد طويل الأمد.
في الواقع، ربما تكون كل هذه التفسيرات موجودة إلى جانب بعضها داخل عالم جهاز المناعة المعقد. ومثلما يمكن لمرضى كوفيد طويل الأمد أن يكون لهم أعراض مختلفة، فربما يعانون أيضاً من مشكلات مختلفة في المناعة. الدكتورة اكيكو ايوساكي، الخبيرة في المناعة في كلية الطب في جامعة ييل، تقول إن تشخيص المشكلات الرئيسية في مرض كل مريض، أمر مهم من أجل العلاج.
حسب قولها، المريض الذي لديه مضادات ذاتية ربما تساعده أدوية تقمع نظام المناعة، في حين أن المريض الذي لديه مخزون من فيروسات كورونا يجب أن يحصل على أدوية مضادة للفيروسات. وأكدت بأن “العلاج سيكون مختلفاً طبقاً لما يوجد في كل شخص”.
إحدى الشكاوى المتكررة في أوساط من يعانون من كوفيد طويل الأمد، هي صعوبة ممارسة النشاطات الجسدية، حتى بعد فترة طويلة على الإصابة بكورونا. وعندما يتدرب هؤلاء، تعود الأعراض. أبحاث أولية تشير إلى احتمالية أن “المذنب” في ذلك هو الأداء غير السليم للدورة الدموية، ما يفسر التشويش في تدفق الأوكسجين إلى العضلات وإلى أنسجة أخرى، وتقييد القدرة على التنفس والإرهاق الشديد.
يتركز أحد الأبحاث حول هذا الموضوع على ممارسة هواية شائعة على شكل ركوب الدراجة. المرضى الذين عانوا من أعراض كوفيد طويل الأمد، أظهروا ردوداً غير متوقعة أثناء هذا النشاط. ورغم أن القلب والرئات عملت بشكل عادي بقدر الإمكان إلا أن العضلات نجحت في استخراج جزء من كمية الأوكسجين العادية من الأوعية الدموية الصغيرة، في الوقت الذي كانوا يقومون فيه بالتبديل، الأمر الذي قلص قدرتهم على التدرب بشكل بارز.
ما سبب ذلك؟ ربما يتعلق الأمر بالتهاب مزمن يمس الشعيرات العصبية التي تساعد في الرقابة على الدورة الدموية. يدور الحديث عن مرض باسم “نويروفتيا” الذي يصيب الشعيرات العصبية الصغيرة. الشعيرات المصابة والتي يمكن اكتشافها عن طريق خزعة من الجلد مرتبطة بخلل الحركة (الضرر الذي يصيب الجهاز العصبي اللاإرادي). في الحقيقة هو ضرر في معدل ضربات القلب والتنفس والهضم، وهذه ظاهرة شائعة بين المرضى الذين يعانون من كوفيد طويل الأمد.
هذه النتائج، كما يقول الدكتور ديفيد سستروم من مستشفى بريغهام آند فيمانس في بوسطن، تثبت أن المرضى المصابين بكوفيد طويل الأمد يعانون من مشكلات جسدية تتعلق بأجهزة الجسم، وأن مشكلتهم ليست الخوف أو أنهم غير لائقين. “من المستحيل اختراع اعتلال عصبي للشعيرات العصبية الصغيرة في خزعة من الجلد، وهذا ليس شيئاً ما في الرأس”. وقال سستروم أيضاً، الذي ساعد في بحث التبديل على الدراجة، بأنه “لا يمكن اختراع إنتاج صغير من الأوكسجين بهذه الدرجة. كل ذلك مقاييس موضوعية للمرض”.
اكتشف باحثون في جنوب إفريقيا مشكلة أخرى في الدورة الدموية: تجلطات دموية ميكروسكوبية؛ وتجلطات صغيرة تحدث عند بداية المرض وبشكل عام تتحلل بصورة طبيعية فيما بعد. ولكن لدى مرضى كوفيد طويل الأمد فإنها قد تصمد لفترة وتغلق الأوعية الدموية الصغيرة التي تنقل الأوكسجين إلى الجسم. وهناك أيضاً المزيد من الاكتشافات. ففي أوساط من يعانون من كوفيد طويل الأمد، يمكن إيجاد تسيتوكينات، وهي مواد تظهر في زمن الالتهاب والتي يمكن أن تضر بالميتوكندريا، المسؤولة عن الطاقة التي في الخلايا، الأمر الذي سيصعب عليهم استخدام الأوكسجين. كما يمكن لجدران الأوعية الدموية أن تعاني من الالتهاب، الذي سيحد من امتصاص الأوكسجين.
مهما كان السبب، فإن مستوى الأوكسجين المنخفض قد يتسبب بالعرَض الأكثر انتشاراً لكوفيد طويل الأمد، وهو التعب الشديد. الأشخاص الذين فحصوا مرضى يعانون من هذا العرض، التعب المزمن (إم.إي/سي.إف.اس)، الذي يتشارك في صفات كثيرة مع كوفيد طويل الأمد، وجدوا بِنيةً مشابهة، وهي نقص الأوكسجين جراء مشكلات في الدورة الدموية، وتلقي بضغط كبير على تبادل المواد في الجسم. لذلك فإن نشاطات يسيرة يشعر بها المصاب مثل نشاطات جسدية كبيرة.
تحفظ الباحثون من النتائج، وقالوا إنه من الضروري أخذ عينات أكبر من المرضى لتأكيدها. ولكن إذا تبين أنها صحيحة فثمة تفسيرات محتملة لصعوبة التنفس: الأول، وجود تخثرات دم صغيرة في أنسجة الرئتين. والثاني، سمك الجدار الأسهر في أنسجة الرئة وعرقلة تأكسد الدم.

بقلم: جوش كيلر

هآرتس 24/2/2022

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية