يبدو أن وزير البناء والإسكان إسحق غولدكنوف يعيش في كون موازٍ؛ ففي مقابلة صحافية أمس مع راديو “صوت حي”، قال إن قانون الإعفاء من التجنيد هو “الحد الأدنى الذي يستحقه الجمهور الحريدي”. الرجل والأسطورة التي يعيش فيها كان يمكنهما أن يكونا حلقة في مسلسل كوميدي يخفف من وطأة فظائع السنة الأخيرة، لو لم تكن لديه قوة مساومة كبيرة في الاتصالات مع رئيس الوزراء قبيل إقرار ميزانية الدولة للعام 2025.
رسالة رئيس “يهدوت هتوراه” واضحة ولا تقبل التأويل على وجهين: إذا لم تقر الحكومة منحى يسوغ تملص الحريديم من الخدمة فإنهم سينسحبون من الائتلاف ولن تكون لنتنياهو حكومة. في دولة محبة للحياة، ما كان لأي ائتلاف أن يكون مستعداً للتفاوض في هذا الموضوع، خصوصاً في ذروة حرب. في وضع سليم للأمور، كان ينبغي للأحزاب الحريدية أن تصطدم بإجماع من الحائط إلى الحائط يضع حدوداً واضحة: ما كان لن يكون. لو أننا في دولة سليمة، لاصطدمت كل محاولات الأحزاب الحريدية المساومة في هذه المسألة بحائط يتجاوز المعسكرات السياسية، ويعلن بصوت واحد: مسألة التجنيد غير قابلة للمفاوضات. يجب أن تكون متساوية.
غير أنه في جمهورية موز نتنياهو، كل شيء هناك للبيع. وللبقاء في الحكم، هو مستعد لدفع كل ثمن يطلبه الحريديم. غير أن نتنياهو هذه المرة لا يمكن أن يسمح لنفسه بترف إذابة الموضوع كعادته. فقد قضت محكمة العدل العليا في حزيران بأن الدولة لن تعفي الحريديم من التجنيد ولن تمول المدارس والكليات الدينية التي لم يتلقَ تلاميذها إعفاء من التجنيد.
لا هذا ولا ذاك، وجه قضاة المحكمة العليا انتقاداً شديداً للحكومة وقضوا بأن سلوكها مع نفاد قانون خدمة الأمن، يتعارض مع القانون. “في ذروة حرب ضروس، فإن ثقل عدم المساواة في العبء أكثر حدة من أي وقت مضى ويستوجب حلاً دائماً”، كتبوا في قرارهم، وأضافوا بأن “التمييز فيما هو أغلى من كل شيء، الحياة نفسها، هو أقسى أشكال التمييز”.
وماذا تفعل الدولة؟ بدلاً من تجنيد الحريديم لتوسع القوة البشرية في الجيش الإسرائيلي عقب الحرب، يمددون الخدمة الإلزامية لثلاث سنوات ويزيدون العبء على جنود الاحتياط. ولتمويل كل هذا، مع أن تجنيد الحريديم مجدٍ اقتصادياً، يرفعون الضرائب.
ليس هذا بحثاً نظرياً في موضوع المساواة فحسب؛ فتجنيد الحريديم حيوي لأن آلاف الجنود قتلوا وجرحوا وتأذوا في الوقت الذي ارتفعت فيه الاحتياجات الأمنية. غير أنه لا محكمة العدل العليا ولا 7 أكتوبر ولا الحرب المتواصلة لأكثر من سنة بأثمانها الباهظة، قد أثرت في الحريديم أو في نتنياهو. الأوائل متمسكون بمطلبهم بالإعفاء من الخدمة العسكرية، براتب شهري ودعم حكومي لحضانات الأطفال النهارية، والأخير متمسك باستعداده لبيع الدولة للبقاء في الحكم. إذا ما بقي أناس غير وزير الدفاع غالنت في الائتلاف يهمهم مستقبل الدولة، فمن واجبهم إطلاق صوتهم الآن.
أسرة التحرير
هآرتس 22/10/2024