العصر ليس لقيام الدولة الدينية، أو لعودة السلطة الدينية عالية وحاكمة على بقية السلطات المدنية والوضعية، ومع ذلك يشهد الشرق القومي والإسلامي انبثاق عدة كيانات دولانية تجعل من الدين نظامها السياسي، ومن الشريعة مرجعية أحادية لدساتيرها، كما تفرض على مجتمعاتها الانصياع الطوعي لتعاليم الدين كأخلاق فردية وجماعية، والالتزام بأوامره السلوكية.
في المجال الجيواستراتيجي العربي تنهض دولتان دينيتان كبيرتان هما: السعودية وإيران، وإلى جانبهما تبرز تركيا كدولة هي في أساسها جمهورية علمانية، لكنها انتهت ديمقراطياً إلى نظام حكم مُسَيْطرٍ عليه من قبل حزب إسلامي. تكاد تصير تركيا دولة مزدوجة الهوية: إسلامية في حزبها الحاكم، ديمقراطية في نظامها الدستوري، ومدنية عادية في تكاوين مجتمعها المتنوعة الأعراق والعقائد معاً.
لكن يمكن القول أن هناك دولة واحدة على الأقل أعادت تكوين ذاتها ومجتمعها كلياً حسب نموذج ديني معين، كما تصوره الفريق المعمّم القابض على الثورة منذ قيامها قبل أربعة وثلاثين عاماً، وذلك تحت قيادة الشيخ المنظّر لذلك النموذج، وهو آية الله الخميني، ومن ثم امتد سلطان هذا المؤسس بعد وفاته إلى وريثه الحالي، المرشد خامنئي.
إيران الحالية دولة دينية من رأسها إلى أوسع قاعدتها الاجتماعية، إنها الكيان الدولاني الوحيد الذي يقدم عن ذاته تجربة سلطانية اجتماعية معاً، عنوانها الأشمل هو إقامة حكم إسلامي متكامل، في حين أنها تجربة تأتي تطبيقاً لطريقة فهمٍ وتأويلٍ وتنظيرٍ لشخص معين بالذات، يمارسها هو، ومن ثم أتباعه من بعده؛ طريقة في التعامل مع التراث الإسلامي. في حين أن هذه التجربة تظل حريصة على ادعاء أن كل ما تنظّره وتفعله وتحققه في كل الميادين، إنما هو الإسلام الحق عينه، كأن كل ما عداها من الإسلامويات ليست منه على الإطلاق.
لا شك أن أسوأ العادات المعروفة عن الأدلجة، أن كل انتاج لها، سواء على صعيد الأفكار النظرية، أو بناء الأنظمة السياسية، هو أن كل ما تأتي به ينبغي افتراضه مقدماً أنه بلغ أوْج الحقيقة في نوعه. فالخمينية، كما يراها أتباعها، ليست نظرية أو مذهباً في الإسلام، بل هي الاسلام عينه. هكذا يبني النظامُ الحاكم شرنقتَه حول ذاته، مدعياً أنه حامل لرسالة هادفة إلى إعادة أسلمة شعبه، بل العالم كله. غير أن الساحة المفضلة لنشاطه ذاك في إعادة الأسلمة، هي محيطه العربي، حيثما كان منبت الإسلام، ومنطلق تاريخه الحضاري منذ مئات السنوات، فكانت من أولى إنجازات هذه الرسالة في محيطها العربي، هو دخوله مع العراق، الجار العربي الأكبر لبلاد فارس التاريخية، دخوله معه في حرب الثماني السنوات العجاف الأولى والأوحش في وقائعها المهولة، منذ أيام الفتح العربي لبلاد مابين النهرين، أي العراق، وحتى عمقه الآسيوي من شرقه العميق.
لم يرحّب الرأي العام في أقطار المشرق خاصة بالثورة الخمينية منذ أيامها الأولى، بقدر ما رحّب بإسقاط الدولة الشاهنامية التي لعبت دور الحليف الوحيد لإسرائيل في المنطقة، لكن هذه الصورة الإيجابية للحدث الثوري الهام في لحظته الاستراتيجية تلك، صاحبتْها دائماً انعكاساتُ الهواجس الوطنية والقومية والدينية للغالبية العربية التي راحت تراقب تطورات الحالة الإيرانية، ليس في واقعها الداخلي فحسب، بل في امتداداتها خارج حدودها الجغرافية، حتى أدرك العرب أخيراً أن مشروع إعادة الأسلمة إنما المقصود منه هو إعادةُ أسلمة العرب أنفسهم!
لم تدرك السياسة العربية حدودَ هذا المشروع دفعة واحدة، كان الصراع اليومي محكوماً دائماً بالهاجس الإسرائيلي، فكان ثمة تفاؤل ثقافي بانضمام إيران كدولة إسلامية كبرى إلى معسكر المقاومة الفلسطينية والعربية من ورائها. لكن ميزان القوى العربية كان يشكو من فراغ القيادة العمومية، كانت النهضة العربية نفسها خلال العقود الأخيرة من القرن المنقضي، وبدايات القرن الحالي، تنوء تحت أعباء الخيبات السياسية الكبرى المتوالية مع تواتر الهزيمة العسكرية الفاصلة والأخيرة، عندما أطاح الأمريكيون بالقلعة العراقية، بعد أن كانت عجزت حربُ الخميني عن تنفيذ تلك المهمة القذرة. هذا العراق الذي كان الأقطاب الخليجيون يدعونه بالقلعة الحامية لعروبتهم في وجه (مغول) الشرق قديماً، وكل من هم على شاكلتهم حديثاً. وهي كذلك رمز لحماية أوسع ، تشمل الحدود الشرقية للعالم العربي كله، فهل بات ذلك العالم مكشوفاً، ليس سياسياً وعسكرياً فحسب، بل ما هو أخطر من الحالتين هاتين، بات مكشوفاً عقائدياً.
الانكشاف العقائدي هي الحالة الأنطولوجية التي تنحدر نحوها النهضة الفاشلة بعد الكم المتراكم من خيبات الرهانات السياسية من إصلاحية أو ثورية، حين تفقد الجماعات الناهضة ثقتها بجملة المبادئ والأفكار الحاملة لمشاريعها الخلاصية والتي باءت جميعها بهزائم عدم الصلاحية، وعقم النجوع، والعجز عن تغيير شروط الواقع الفاسد الجاثم على صدور الناس.
إنه اليأس من ذخيرة المرحلة السابقة المنهارة، بكل عقولها ورموزها الإنسانية والفكرية، وهي لحظة الانتهاز المناسبة لغزو أنظمة عقائدية جديدة مختلفة، آتية من وراء كل حدود جغرافية أو عرقية أو زمنية. إنه اليأس على المستوى الجماهيري من وعود المستقبل والحاضر، فلا يتبقَّى في الوجدان الجمعي المفجوع سوى إعادة تأهيل تركة الماضي، يغرف منها أقانيمَها المحنّطة، متجاهلاً، بل عاجزاً عن استحضار أصولها التاريخية المبدعة، فلا يلقى بين يديه إلا أثوابها الخَلِقَة والبالية.
.. إنها إذن الفرصة اللاتاريخية المشؤومة التي تنتهزها أحقادُ الماضي الدفين لابتعاث مختلف الانفصامات البنيوية في الجسد المجتمعي المتهالك، إنها الفرصة الذهبية لاستثمار حالة الانكشاف السياسي المقترنة حتمياً بالانكشاف العقائدي التي سادت عالمنا العربي منذ تسعينيات القرن الماضي، وصولاً إلى قعر الهاوية مع سقوط بغداد.
كان هذا السقوط في مطلع الألفية الثالثة نظيراً لواقعة انهيار الإمبراطورية العباسية أمام اجتياح جحافل المغول. فالسقوط الثاني لبغداد، هذا الحدث المشبع بالرموز الحضارية، وليس الجيوسياسية فحسب، لم يفهمه ساسة العرب على حقيقته، إلا عندما برزت أخطر نتائجه إلى مقدمة المسرح، فقد سُرق منهم تراثُ ثقافتهم تحت عنوان الإسلام، أُعيدت قراءته وتأويله مذهبياً وعنصرياً، وتمت هكذا صياغته في قالب أيديولوجيا غيبية خالصة، وضعت رهن التحقيق كمضمون لمشروع إمبراطورية سياسية جديدة، لكنها محكومة بدولة دينية، محتكرة من قبل فئة من اللاهوتيين الإيرانيين.
هذه الإمبراطورية لن يستقيم لها كيانٌ إلا بقدر ما يمكنها أن تستوعب الجغرافية العربية بتمامها كقاعدة بشرية لوجودها السياسي وتكوينها الحضاري، شرط أن تظل المؤسسة الإيرانية هي الممسكة دائماً بعقل هذه الإمبراطورية وإرادتها معاً، فالسلوك السياسي والشعبوي لهذا المشروع إزاء القضايا العربية المصيرية كان يطرح مواقفه دائماً على أنه هو البديل، ليس عن السياسة أو عن مواقف عربية عارضة، لكنه هو البديل عن العرب جملة وتفصيلاً، وإن كان لا غنى له عن العرب، فإنه يستخدمهم كوسائل ضرورية لإقامة سلطانه، كما فعلت الإمبراطورية العثمانية من قبله.
فالإسلام الذي هو عقيدة العرب أولاً وآخرَ، تستخدمه العنصرياتُ الإمبراطورية كغطاء كوني طلباً لمشروعية حضارية مطلقة. لكن كل عنصرية مغولية أو تركية أو فارسية تظل محتاجة إلى الاجتماع العربي وثقافته ولغته وتراثه الديني والعلمي معاً.
في الحقبة الراهنة، تتجدد شعوبية العصر العباسي لتعيد بذور الإنقسام البنيوي في صلب النهضة العربية تحت صيغ التفريق المذهبي الديني، خصوصاً بين السنّة التي هي الغالبية، والشيعة وهي أقلية رئيسية، لكن إيران هي التي تعتبر نفسها أنها الحاملة لأعباء هذه العقيدة، وأنها بالتالي مسؤولة عن بقاء جماعاتها، كأنهم من رعايا دولتها، حتى أنها قد تدخل حرباً شعواء كما تفعل في سورية اليوم، دفاعاً عن نظام حليف لها، وإن هو قتل ويقاتل معظم شعبه.
نعود إلى القول: لماذا تطرح الخمينية نفسها بديلاً عن العرب، عن (اسلامهم) ونهضتهم وأحلام ثوراتهم باسم الحرية والعدالة… لأن العرب الذين هم موضوع السرقات التاريخية الكبرى، يكادون أن تُسرق منهم أخيراً ثوراتُهم الربيعية الجديدة. بل قد يرتدّ بعضها ضد حاضر العرب ومستقبلهم، إنهم المكشوفون سياسياً، وباتوا المكشوفين عقائدياً كذلك. فما العمل إذن. سؤال يجيب عنه واقعهم الانقسامي الحالي.. إلى متى!
‘ مفكر عربي مقيم في باريس