هؤلاء محبو الحكمة ومدرسوها

حجم الخط
1

قال يوما إيريك فروم:’لم أمتلك أبدا إلى يومنا هذا القدرة على التفكير في الأشياء التي لا يمكن أن أعيشها’، هذا الموقف ليس غريبا عن رجل وَجه نقدا لاسعا للحرب الأمريكية على فيتنام، وكانت له مواقف شجاعة تجاه قضايا حساسة، سواء على المستوى الأمريكي أو العالمي حتى أنه انتقد الممارسات الصهيونية في فلسطين، رغم أنه يهودي الاصل، واليوم نعيد الزمن بكبريائه بحثا عن الموقف بين محبي الحكمة ومدرسيها في مغرب التناقضات، هل فعلا لهم القدرة على التفكير في الأشياء التي يعيشونها؟
وهل الفيلسوف المغربي يملك فضاء للتفلسف والتعبير عن مواقفه بحرية تامة؟ وكيف يمكن للفيلسوف المغربي المشبع بالحكمة أن يرفض أن تكون الفلسفة في المغرب ‘فلسفة إدارة’؟ مقاربة هذه الأسئلة المتوترة تستدعي رؤية نقدية بعيدة عن المجاملات أو تصفية الحسابات، في مجال فلسفي مشبع بالحكمة، إن المتتبع لمجال التفكير الفلسفي في المغرب يمكنه الخروج بملاحظة جد مهمة، وهي أن الفيلسوف أو مدرس الحكمة المغربي يعيش ازدواجية الخطاب، بين ما يُدَرِسه ويشتغل عليه، وبين الواقع بإرثه التاريخي والثقافي والسياسي والاجتماعي والاقتصادي، هذه الثنائية حكمت ولا زالت تحكم فعل التفلسف داخل منظومة تسيطر عليها السلطة السياسية بتوجس كبير، وأي خروج عن القاعدة المؤسِسة لفعل التفلسف في المغرب، هو خروج عن طاعة السلطة وعقوق للنظام، يستوجب عقابا خاصا جدا، لكن هذا المناخ غير النظيف هل هو مبرر ألا يكون للفيلسوف ومدرس الحكمة موقف واضح من قضايا وأحداث وتوجهات كبرى يعيشها البلد؟ أبدا، فالفيلسوف أو مدرس الحكمة ليس كائنا سياسيا ولا إيديولوجيا، وإنما هو باحث عن الحقيقة، وقارئ متميز للواقع وعلاقاته بمفاهيم صورية تؤطر المجال الفلسفي، فهو لا ينتمي إلى حزب أو دولة أو دين أو ثقافة، وإنما ينتمي إلى حزب ودولة ودين وثقافة الفلسفة، والفلسفة لا تجامل أحدا، ولا تصمت في وجه أحد، وإنما لها مجالات للتفكير الفلسفي فيها، بعيدا عن أي وصاية أو اعتبار جاهز يحدد مجال تحركها مسبقا.
في وقت نجد الواقع المغربي يتحرك بشكل تقدمي نحوالأمام بمعزل عن مواكبة طبيعية للتفكير الفلسفي، الذي يعيش أحلك أيامه بتورط محبي ومدرسي الحكمة ـ بشكل أو بآخرـ مع سلطة لا تريد للتفكير الفلسفي أن ينغص عليها رومانسيتها، فعندما يسند لنخبة متميزة تدريس الحكمة وتعليمها لأجيال متعطشة لمحبة الحكمة، لا تمتلك هذه النخبة موقفا مما يجري في الواقع، يتملكك الحزن والكآبة على واقع فلسفي حملك إليه الهوس الفلسفي، لتجد الفلسفة غارقة في بحر تاريخها، ومستكينة في ملخصات لدروس عقيمة
مجبر دارس الفلسفة على الامتحان فيها، وبأي حال عدت يا امتحان؟
وأكبر جريمة يرتكبها محبو الحكمة أن يقبلوا بصيغة وطبيعة امتحان ولوج مراكز التربية والتكوين، الذي هو إهانة وخيانة عظمى للتفكير الفلسفي، لا يعقل بمنطق فلسفي أن يقبل محب للحكمة طريقة امتحان يختبر الحظ وليس قدرات حاملي مشعل الفلسفة مهما كان المبرر، وفصول التفكير الفلسفي الأكاديمي المغربي وصلت إلى الخريف: ضع علامة صح أمام الجواب الصحيح!
والعلامة الكاملة لمن وضعوا وقبلوا صيغة الامتحان، لو أنهم رفضوا هذه الطريقة لكون الاختبار في الفلسفة يجب أن يكون اختبارا فعليا وحقيقيا لقدرات ومدارك ومعارف جيل سيحمل مشعل الفلسفة، كان سيكون موقفا أشرف، حتى لو تم إلغاء هذه المباراة كان سيكون أرحم، وسيكون الموقف جريئا ويجعلنا أكثر طمأنينة على الواقع الفلسفي الأكاديمي، وأن هناك من يحمل الهوس الفلسفي في هذا الوطن.
وليس هذا الحدث وحده الذي يثبت أن التفكير الفلسفي مهدد في كل شيء، بل يتجاوز ذلك بكثير، عندما نجد المجتمع يتطور ومنسوب الوعي يرتفع، فيما الفيلسوف ومدرس الفلسفة يعيش في برج خارج بُنَى وأنساق المجتمع، في وقت وجب عليه تبني موقف واضح من قضايا حساسة ومصيرية، تستدعي التعبير الآني، فإيريك فروم كان قد أوقف مشروعه الإنساني إبان الحرب العالمية، من أجل أن يكتب كتاب ‘الهروب من الحرية’، مواكبة للتطورات العالمية، فليس هناك أهل للتنظير والتعبير عن الموقف من قضية آنية
أكثر من الفيلسوف، بحكم قدرته على قراءة الواقع وعلائقه المتشابكة، فإذا لم ينطق الفيلسوف عن حكمة، فالمؤكد أن الكثيرين سينطقون عن هوى، فالفلسفة
لم تكن يوما أستاذا يسجن طلبة في قاعة مغلقة على جيل سيحمل مستقبلا مشعل التفكير الفلسفي، لا جدوى من التفكير الفلسفي إذا لم يستنطق ويساءل الواقع الذي يتنفس داخله، نعم نحن مع التكوين المنهجي والمفاهيمي الفلسفي، ولكن نتساءل بمرارة: إذا لم نستعمل هذه الآليات والمهارات والمعارف والتقنيات الفلسفية في التفكير في واقعنا وفي الأشياء التي نعيشها، فأين سنستعملها؟
نحن نعلم أن مدرسي الحكمة وفلاسفتنا لهم مواقف من السلطة السياسية والقضايا الحساسة والتوجهات الكبرى للبلد، لكن لا يجهرون بها لاعتبارات لا يمكن التبرير بها، وإلا ما سميناهم فلاسفة ومدرسي الحكمة .قلة منهم من
يمتلكون القدرة على صياغة مشروع يفكر ويتفلسف في قضايا حساسة تملك زمامها السلطة والنظام، ولكن لا يملكون الجرأة على التعبير الصريح عن موقف واضح وجريء من النظام والسياسة والتوجهات الكبرى للبلد.
والبعض يتفلسف ويفكر، سواء فلسفيا أوغير فلسفي في موضوعات لا تنتمي لروح العصر وروح الواقع الذي نعيش فيه. وأكثرية تبحث لها عن تموقع أكاديمي يسمح لها بالانتماء لزمرة ‘الفلسفة’. فإذا كان يرى مدرس الحكمة والفيلسوف المغربي الفضاء غير مناسب لفعل التفلسف، أليس من مهامه خلقه
بعيدا عن وصاية السلطة؟ فالفلسفة لا تخشى أحدا، مادامت مهتمة بالبحث عن الحقيقة ومساءلة جميع النُظم من أجل الفهم واستكناه العلاقات الممكنة داخل النظم والبُنَى، وإثارة السؤال الفلسفي الذي أول شيء يتعرف عليه دارس الفلسفة، الذي يتردد كثيرا طيلة مراحل تكوينه. إن كنا نراهن على مستقبل واعد لوطن مثقل بالتناقضات، ملتهب النكبات، يحيط به تاريخ من الإشكالات،
مجروح في العمق والكبرياء، فإنه من الضروري إعادة الاعتبار لفعل التفلسف والتفكير الفلسفي، وهذا لا يتأتى إلا بتضحيات ممن هم أهل لحمل هوس الفلسفة، وهم فلاسفة ومدرسو الفلسفة في المغرب.
سنكون سعداء لو قرأنا أو سمعنا أو شاهدنا فلاسفتنا وأساتذتنا يعلنون جهرا عن مواقفهم في طابع فلسفي خالص، تجاه قضايا وإشكالات تحيط بواقع مبهم. لكن هذا لا يمنع من وجود قلة قليلة لها مواقف تجاه قضايا ملتهبة تم تقزيمها وتوجيهها إعلاميا لخدمة توجهات أخرى.
نحن لا نريد فلسفة إدارة تسحق التفكير الفلسفي وتقتله، بل نريد فلسفة تعيش في زمنها وواقعها، معاصرة لقضاياها، حية في وجدان عشاقها، مستدعية الحس الفلسفي، والمنهجية الفلسفية في مقاربة الإشكالات الراهنة، فما جدوى أن نمتلك التقنيات والمفاهيم والمعارف الفلسفية، إن لم نستعملها في مقاربة واقعنا؟ وإلا تصبح الفلسفة لا فلسفة، مجردة من جوهرها وعمقها، بعيدة عن واقعها، تبني لها جسورا مع السماء وتقفز على الواقع، تسكن مفاهيم وفلسفات أطرت بشكل أو بآخر مرحلة من المراحل التي عاشت فيها، وأي إسقاط لها على واقعنا هو انتحار فلسفي، الفلسفة كما علمتنا لا تقبل الأحكام الجاهزة.. هذا يجعل مهمة الفلسفة والفلاسفة ومدرسي الحكمة صعبة وشاقة صعوبة الواقع الذي تعيش فيه، فمن سيبحث عن الحقيقة إذا ما استوطن الفيلسوف مفاهيم لم ينتجها، وفلسفات لم يعاصر تشكلها ومخاضها، وتصورات أنتجت في سياق تاريخي معين ومحدد؟

‘ كاتب مغربي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية