هاجس الموت في المجموعة القصصية الهنيهة الفقيرة لسعيد بوكرامي
مصطفي لغتيريهاجس الموت في المجموعة القصصية الهنيهة الفقيرة لسعيد بوكراميليس غريبا أن يكون الموت احدي التيمات الأثيرة لدي الكاتب..فالموت باعتباره أحد الانشغالات العميقة للذات البشرية، كان ولا يزال مصدر تلك الشرارة التي تؤجج في الوعي الفردي والجماعي شعلة البحث عن المعرفة، ومن ثمة تقدح زناد المخيلة المبدعة، رؤيا وتصورا للذات والعالم يتدجج بهما الكاتب أثناء خلقه ذلك الأثر، الذي قد يتخذ شكل قصيدة أو قصة أو أسطورة..يحاول من خلالها سبر غور هذا المعطي الأنطولوجي العميق/الموت، ربما يسعفه ذلك في انتشاله من التباسه وغموضه..فيجعل منه موضوعة متداولة، تؤطرها شروط الكاتب باعتباره انسانا، له وجود محدد في زمان ومكان بعينيهما، بالقوة وبالفعل يختلفان عما دونهما من الأزمنة والأمكنة.فتيمة الموت حافظت علي توهجها الدلالي منذ أن سطرت في الوجود ملحمة جلجامش..فالانسانية عبر امتداد تاريخها استلهمت الموت وأبدعت ـ نتيجة ذلك ـ نصوصا خالدة، تشي في أحد أبعادها ـ بذلك التفاعل العميق بين الانسان والموت.خلال قراءتي هاته للمجموعة القصصية الهنيهة الفقيرة لسعيد بوكرامي، سأحاول التركيز علي تيمة الموت، مبرري في هذا الاختيار التواجد القوي لهذه التيمة عبر امتداد النصوص، فهي مبثوثة بشكل لافت للنظر بين ثنايا الحكي، اذ نجدها في نصوص بعينها طاغية علي سواها، وفي نصوص أخري لا نعدم لها تواجدا وان باستحياء ظاهر.ولعل أهم ملاحظة تسترعي الانتباه في هذا الصدد، تتمثل في تلك العلاقة التي قلما تنفصم عراها بين تيمة الموت وتيمة الكتابة..فهما ـ في المجموعة ـ تيمتان متلازمتان بشكل يدفع الي طرح بعض التساؤلات ومنها:ـ ما المقصود بتلازمهما؟ـ أليست الكتابة بما هي حياة نقيض للموت؟ـ هل استبدل الكاتب الحياة بالكتابة، فتولد التعارض بينهما وبين الموت بدل الحياة؟ففي القصة الأولي معجم الطيور يلمس القارئ ذلك الانشغال الي حدود الهوس بموضوعة الكتابة، وقد وظف الكاتب تارة الرمز للايحاء به، وتارة أخري جاء سافرا مكشوفا، يدل علي ذلك قول السارد: أخذ من الجاحظ السخرية، ومن التنوخي الايجاز، ومن المعري التغريب متحدثا عن تلك الخلط السحرية التي يسعي نحوها الكاتب قصد النبوغ فيما يقوم به. وفي النص توظيف لرمز التحليق للدلالة علي نفس الفكرة بنوع من التورية، يقول السارد: أجده يجرب أحد المرهمات الجديدة لانبات الريش .ويتبدي في النص الثاني الغرفة السوداء هذا التقابل بين الموت والكتابة من خلال الحقل الدلالي للألفاظ التي تطغي علي القصة، أو من خلال عبارات محددة يقول السارد: مجرد مخطوط لم أستطع حتي فك طلاسيمه.. لا أريد أن أحضر لنفسي قبرا من حبر ص18 والقصة يتداخل فيها الواقعي بالأسطوري، والآني بالتاريخي، نشتم من خلالها عبق التاريخ عبر شخصية الباشا، وبتوظيف مكان ذي رمزية لا تخفي دلالتها علي المتلقي أعني بذلك موكادور ويصل هذا التداخل بين الموت والكتابة أوجه في نهاية القصة حين يقول السارد: الكتب ان لم تقتلها قتلتك ص19.وبلا مواربة أو تهيب تقتحم بنا قصة حديقة الدخان هاجس الكتابة، نجد من خلالها السارد مسلحا بأسئلة تحاول الكشف عن نسغ الكتابة ما الذي يقدره القراء؟ الكتابة بالحواس،الكتابة الهذيان، الكتابة بالعين الشكاكة، الكتابة بالأفكار الفلسفية، أم الكتابة بالكتابة فقط ص26، فلا يلبث القارئ أن يفاجأ بالموت يتسلل ثانية لينبثق فجأة، يقول السارد: ان كثيرا من الفنانين يتخيلون موتهم أو يكتبون عنه، بل يبدعون في وصف احساسهم بالموت قبل الموت أو بعد الموت ص27. لنخلص في الأخير الي العبارة الصادمة التالية: بعد مفاوضات طويلة عقدت صفقة موتي ص27.وتمضي الكتابة عند بوكرامي مسربلة بتيمة الموت و الكتابة، فكلما أوغل المتلقي في قراءة النصوص، تبدي له هذا المعطي بارزا يكشف نفسه بلا تحفظ كما هو الحال في قصة صورة الطائر :ـ أتشمم الموت صاعدا من سرتها وفخذيها.ـ كمخلوقات حنطها الموت.ـ اللعنة كم خربت عقولنا هذه القصص.ـ لا بد من رواية كل شيء، و الا ما فائدة الكتابة.وعلي نفس المنوال تضرب في أرض الموت، يقول السارد في قصة طول الغمام : حفرت التراب ودفنته متحدثا عن كلب.. أو ما جاء في ص36 الموت بشتي الألوان يتقدم برعشته وعزلته .. وفي قصة الناموس يمتزج الموت بالكتابة يقول السارد: فكرت أني معلق، منه أتدلي والدم يقطر علي الأرض ويقول الذاكرة غدت منا تتعفن وتموت ص42.يتعدد معني الموت في النصوص بشتي تجلياته، حتي أنه في بعض الأحيان يبعث علي السخرية، يقول السارد في قصة Stop/Eject ابتسم بسخرية ثم مات أو حين يقول والبعض الآخر يموت ببطء ليختتم بهذه الكلمات التي تدل علي الانشغال بالكتابة ولكن بين طياتها رائحة الموت في مستوي من مستويات التحليل: سحب من درج المكتب مخطوطا عتيقا .هكذا وفي ختام هذه الوقفة السريعة عند المجموعة القصصية الهنيهة الفقيرة يتبين أن التيمتين الرئيسيتين اللتين تحركان عملية الحكي في النصوص هما الموت والكتابة، ولا ندع هذه الفرصة تفوتنا دون أن نطرح بعض الأسئلة من قبيل:ـ أليس الموت ـ بمعني من المعاني ـ محفزا علي الكتابة؟ـ أليست الكتابة مقاومة للموت في بعض تجلياته؟ـ أليست الموت والكتابة وجهين لعملة واحدة باعتبار أن الكتابة حياة؟لا ننتظر اجابة عن هذه الأسئلة، فقط هدفنا منها مشاركة الكاتب بعض انشغالاته الابداعية، متمنين له مزيدا من الحفر في أعماق الذات البشرية.هامش:ـ سعيد بوكرامي، الهنيهة الفقيرة، الطبعة الأولي 2002 منشورات كلية الآداب والعلوم الانسانية ـ الدار البيضاء. المغربقاص مغربي0