هارت كرين.. المفقود في البحر والمنسي في الشّعر

آمال نوّار
حجم الخط
2

في ذكرى ميلاد الشاعر الأمريكي هارت كرين التي حلّت في 21 يوليو/تموز الفــــائت، استرجعتُ في خيالي برهبــــةٍ قفزته من السفينة «أُوريزابا» إلى البحر الكاريبي، وتساءلت: لِمَ يا تُرى يصارع المنتحر الموج؟ هل شاخ قلبه فعلا في عمر الثانية والثلاثين؟ لم يكن كرين شاعرا ذاتيا، وإنما يميل إلى الكتمان والتحفّظ؛ ألهذا لم يمنح ذاته إلا إلى حافظ الأسرار، البحر؟ لم تكن أشعاره لتعكس همومه، وإنما أحلامه؛ فهل مارس الكتابة للفرار من نفسه؟ كيف نفهم هذا المتفائل في شعره واليائس في عيشه، المرح مع أصدقائه والمكتئب في أعماق ذاته؟ كيف تسنى له تشييد «الجسر»؛ ملحمة أمريكا الأسطورية، بينما هو موغل في سلوكيات التدمير الذاتي، واقعا بين مطرقة الكُحول وسندان الجنس؟ أسئلة كثيرة وجدتها تحفّزني على الكتابة عن هذا الشاعر الذي وافق هذا العام ذكرى ميلاده المئة والعشرين، من دون أن يلتفت إليها أو إليه أحد في المنابر الأدبية والثقافية الأمريكية أو غيرها.
هارت كرين المنتمي إلى جيل العشرينيات من القرن الماضي؛ شاعر حداثي، طليعي، ذرب اللسان. شعره كرنفالُ بلاغةٍ منمقُ الأسلوب، وعرسٌ لغويّ صعبٌ، بعيدُ المقاصد، وشديد الإبهام. جمع بين تأثيرات الشّعر الأمريكي التقليدي من ناحية، محتفظا بحساسية خاصة مشتقة من شعرية والت ويتمان، وتأثيرات الشعر الأوروبي ومختبر الحداثة والتجريب من ناحية أخرى. عُدَّ رومانسيا في عقود الحداثة الكاسحة، ولقّبه الشاعر روبرت لويل: «شيلي عصرنا»؛ لكنّ الزمن لم ينصفه كي يحظى بشهرة شيلي أو كيتس أو بايرون أو سيلفيا بلاث أو رامبو أو غيرهم من الشعراء، الذين حباهم موتهم المبكر صفة القداسة تقريبا. ورغم أنّ الشاعر والناقد الأمريكي آلن تايت، وصفه بأنّه «المتحدّث باسم روح عصره»؛ فهو أيضا لم يحظ بشهرة شعراء عصره أمثال: عزرا باوند، وليم كارلوس وليامز، لانغستون هيوز وغيرهم. صعوبة شعر كرين كانت ذريعة نقّاد كثر، منذ غيابه حتى اليوم، لإقصائه عن المشهد، كذلك كانت سببا في قلّة الترجمات التي حظي بها شعره إلى لغات أخرى، وفي ندرة المهتمين به داخل أمريكا وخارجها.
تميّزت شخصية كرين بالحيوية والمرح والمعرفة الفطنة بالأدب والفنون، وأحبّ الرقص، والعزف على البيانو، ومراسلة أصدقائه ومحاورتهم، ورغم ذلك عاش حياته القصيرة عديم الاستقرار الجسدي والنفسي، ومدمنَ كحول، وفريسة للاكتئاب، وحاول الانتحار أكثر من مرة.

بعد موت كرين مباشرة، حظيت تجربته الشعرية بإعادة تقييم، لكن من دون الخروج برؤية مغايرة؛ إذ ظلّ يُؤخذ على شعره صعوبته وغموضه.

«الجسر» ملحمته الويتمانية الحداثوية

وجد كرين ما يلهمه ويستفزّه في شعرية ت. أس. إليوت، ولا سيما في قصيدته «الأرض اليباب»، التي رغم اعترافه بعظمتها؛ فقد وصفها بالقصيدة «الميّتة، الملعونة»، و»الطريق المسدود»، لكونها ترفض رؤية بعض الوقائع الروحية والإمكانات المستقبلية. وقد أخذ على نفسه مواجهة الحداثة بشيء أكثر بكثير من اليأس، والعمل على خلق بديل مشرق لأمريكا عوض صورتها الإليوتية القاتمة، من خلال إنجازه الأكثر طموحا: «الجسر». وهو توليفة شعرية ملحمية أسطورية تقع في ستين صفحة، وتتكوّن من خمس عشرة قصيدة غنائية، متفاوتة الطول والرؤية، ومختلفة الأسلوب. يقدّم فيها كرين صورة بانورامية عن التجربة الأمريكية كاملة بوجهها الحضري الكوزموبوليتي، وبأهميتها التاريخية والروحية، محتفيا بثقافتها الحديثة، وبالعديد من رموزها وشخصياتها وأماكنها، ومتّخذا من جسر بروكلين الشهير (الذي طالما تمتّع بتأمّله من النافذة أثناء إقامته في بروكلين هايتز) رمزا لأمريكا نفسها، بصفته الهيكل الموحّد لمكوناتها، والتجسيد الحيّ لنزعة التفاؤل الأمريكية الفريدة، وأيضا لكونه مصدر إلهام، وباعثا على حسّ الانتماء الوطني.

أغلب نقّاد وشعراء زمانه أمثال: آلن تايت، وإيفور وينترز، وراندال جاريل، وصفوا كرين بالعبقري، لكن مع عدم رضاهم عن إنجازه. وفازت ملحمته بالإعجاب ووُسمت بالإخفاق! لكنّ النقد الحديث مال إلى قراءتها على أنها مزيج هجين، يدلّ على نوعِ كتابة جديد؛ لعلّه «الملحمة الحداثوية». وظلّت مكانة ديوان «الجسر» (بوصفه ملحمة أو مجرّد سلسلة من القصائد الغنائية)، ومعها مكانة كرين نفسه، موضع خلاف النقّاد حتى يومنا هذا. فمثلا، نجد أنّ ناقدا معاصرا مثل آدم كيرش، سوف يعدّ كرين مجرّد حالة خاصة في أدبيات الحداثة الأمريكية؛ حيث أنّ مكانته في نظره «لم تكن آمنة تماما مثل إليوت أو ستيفنز». في حين سيبهرنا تصريح الناقد الأمريكي الأشهر هارولد بلُوم؛ إذ يقول: إنّ الشاعرين اللذين أثارا اهتمامه بالأدب في سنّ مبكرة للغاية؛ هما هارت كرين ووليم بليك، وإنّ أول كتاب اقتناه؛ كان «أعمال هارت كرين الكاملة». واللافت أكثر قوله: «أعتقد أنّ الشاعر الوحيد من القرن العشرين الذي أستطيع وضعه سرا في مرتبة أعلى من مرتبة ييتس وستيفنز هو هارت كرين».
عانى كرين حين بدأ بكتابة ملحمته، ووجد نفسه عالقا في فكرة «الجسر»، التي ربما بدت ساذجة بالنسبة إلى حجم أسطورة أمريكا في خياله. والمشكلة أنه لم يجد في الواقع الأمريكي آنذاك، ما يعزّز فكرة الأسطورة. وشعر بأنّ الماضي يتفوّق على الحاضر بوجود نوستالجيا دائمة؛ وتاليا كيف يمكن بناء قصيدة تمجّد المستقبل الواعد في ظلّ افتقار الحاضر إلى الشروط الموضوعية لذلك. وقد عبّر عن ذلك قائلا: «لو أنّ أمريكا اليوم تساوي فقط نصف أمريكا التي تحدّث عنها والت ويتمان قبل خمسين عاما؛ فلربما كان هناك ما أقوله». ما الذي فعله كرين بهذا الحلم الأمريكي الويتماتي الذي سخر منه إليوت ورآه كابوسا؟ كيف استطاع أن ينهض بجسره فوق كل الوقائع المشؤومة وجرائم الرجل الأبيض، التي لا تبشّر بالعظمة؟ الأغلب أنّه تغلّب على الواقع بالإيمان بحلمه؛ فأبدع سلسلة قصائد حول مشاهد وثيمات أمريكية مضيئة وغنية برمزيتها، يربط بينها جسر؛ الجسر نفسه الذي يربط الآلة بالفنّ، والتاريخ الإبادي بالمستقبل الواعد.

الخلاف النقدي حول تجربته

بعد موت كرين مباشرة، حظيت تجربته الشعرية بإعادة تقييم، لكن من دون الخروج برؤية مغايرة؛ إذ ظلّ يُؤخذ على شعره صعوبته وغموضه. شعراء بارزون في زمن كرين انتقدوا أشعاره بحدّة؛ مثل: عزرا باوند وماريان مور، لكن في الوقت عينه، كثر من شعراء وكتّاب جيله، أحبوا شعره، وعلى رأسهم تينيسي وليامز. ويُقال إنّ ت. أس. إليوت، قد يكون استعار بعض صور كرين الشعرية لـ»رباعيات أربع». في منتصف القرن العشرين، مكث النقد منقسما حول تجربة الشاعر، لكن بدا أنّ لكرين تأثيرا أكثر أهمية على بعض شعراء «جيل البِيت» وخصوصا آلن غينسبرغ، والمدرسة الاعترافية ولاسيما روبرت لويل، وجون بريمان، اللذان كتبا عن كرين في أشعارهما. ولن تتّضح إشكالية الكتابة الشعرية لدى كرين ومبرراتها حتّى ظهور نقّاد باحثين في «نظرية الكاتب الغريب» في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، حيث سيعيدون اكتشاف كرين، بصفته مثالا للغريب، وسيخلصون إلى أنّ استعاراته الكثيفة الملغزة، وغموض أسلوبه، يعودان جزئيا إلى ضرورات كونه مثليا عاش مُحاطا بالظروف الثقافية والمجتمعية الرافضة للمختلف، ما اضّطره إلى إخفاء ذاته خلف قناع الإبهام.


لاحقا، برزت أصوات نقدية معارضة، تنتقد هذا التركيز المفرط على السيرة الجنسية لشعر كرين، وتراه يَحُول دون مقاربة تجربة الشاعر من منظار أوسع وأشمل. كذلك ظهرت معالجات نقدية جديدة لديوان «الجسر»، أهمها كتاب «شعر هارت كرين: أبولينير عاش في باريس، أنا أعيش في كليفلاند، أُوهايو» 2014، للناقد جون تي. إيروين، الذي عدَّ ملحمة «الجسر» أفضل قصيدة طويلة في القرن العشرين.

طفولة قاسية عاشها هارولد هارت كرين (بحسب اسمه الأصلي)، المولود في غاريتسفيل من ولاية أُوهايو، بسبب توتر العلاقة بين أبويه، وخلافاتهما الدائمة الشرسة، التي أدّت لاحقا إلى طلاقهما.

المتفائل في شعره واليائس في حياته

طفولة قاسية عاشها هارولد هارت كرين (بحسب اسمه الأصلي)، المولود في غاريتسفيل من ولاية أُوهايو، بسبب توتر العلاقة بين أبويه، وخلافاتهما الدائمة الشرسة، التي أدّت لاحقا إلى طلاقهما. ترعرع وشبّ في مدينة كليفلاند، مستقيا الحنان من حضن جدّته لأمه، التي شحذت مخيّلة الطفل بقصصها الساحرة، والتي وجد في مكتبتها الثرية، حلوى أشهى بكثير من تلك التي كان يصنّعها أبوه؛ صاحب معمل الحلوى. في مراهقته، بدأ في كتابة الشعر، بعد أن قرأ في عمر باكر جدا، روبرت براونينغ، ورالف والدو إمرسون، ووالت ويتمان، وهضم أعمال المسرحيين والشعراء الإليزابيثين. في عام 1916، قبل إنهاء دراسته الثانوية، غادر كليفلاند إلى مدينة أحلامه؛ نيويورك، بقصد إكمال دراسته الجامعية، لكنّه لم يجد في التعليم الرسمي ما يلبي طموحه الشعري؛ فهجر قاعات جامعة كولومبيا، إلى شوارع المدينة الهستيرية، المثيرة، الهائجة، التي ستقدّم له دروسا مصنوعة من اللحم الحي.
في نيويورك، عمل في كتابة الإعلانات والتسويق لمجلتين شعريتين؛ إحداهما حداثوية، والأخرى تقليدية، والتقى بالكثير من الكتّاب والرسامين، الذين سيكتسب من خلالهم معرفة مختلف الحركات والأفكار الفنية والأدبية الرائجة. غير أنّ مشاكل أبويه، حتى بعد طلاقهما، ستوطد في نفسه نفورا منهما، ولاسيما أنهما سيحرمانه هو المحموم بلوثة الشعر والمندفع في التجربة، من الاستقرار والتمتع بكنوز هذه المدينة.
وعليه، فقد أمضى فورة شبابه بين عامي 1917 و1924 متنقــلا ذهابا وإيابا بين نيويورك وكليفلاند، وممتهنا وظائف مختلفة.  في هذه الآونة، وجد في معاقرة الكحول والعلاقات الجنسية بعض عزاء، ولكن ليس من دون ألم وخيبة وشــعور بالنفيّ والعزل؛ ذلك أنه كان مُثليا.
نالت مجموعته الأولى «المباني البيضاء» 1926، إعجاب نقّاد كثر، نظرا لبحثها عن الجمال المثالي، واتّسامها بالتجريب اللغوي، وبنبرة تفاؤلية عالية. حال التفاؤل هذه لم تكن لتعكس حقيقة وضع الشاعر النفسي في تلك الآونة؛ فبعد رحيل جدته عام 1928، غرق كرين في اكتئاب شديد، قرر بسببه الرحيل إلى باريس، ومعه مسودّة قصيدته الطويلة غير المكتملة. وهناك سيلتقي شخصيات أدبية وفنية بارزة، فرنسية، ومن مجتمع المغتربين الأمريكيين، وستربطه علاقة صداقة بالناشر والشاعر السيريالي هاري كروسبي الذي سينشر له ديوانه الثاني عام 1930.
كتب كرين القليل في باريس، ولم يسعفه انتقاله إلى الريف في الجنوب الفرنسي، بل استسلم إلى حياة ماجنة. وعندما عاد إلى أمريكا، عانى من إحباط شديد، وإخفاق مدمّر؛ بسبب استقبال النقّاد المخيّب للآمال لديوانه «الجسر». فقد رأوا أنّ ملحمته افتقرت إلى التماسك والاتساق، وإلى محور الاستقطاب المركزي، رغم أنّ بعض أجزائها عُدّ من أفضل الشعر الأمريكي في القرن العشرين. وفي النهاية، لم يكن «الجسر» بالنسبة إلى النقّاد، عملا شعريا باهرا، كما راود خيال كرين، بل مجرّد جسر للعبور إلى عمل أسمى وأكثر نضجا وتألقا.
غير أنّ العمر لم يتح لكرين إنجاز عمل آخر؛ فهو كان قد عانى من نوبات اكتئاب حادّة، ودخل حالا من الشلل الإبداعي، لن يتعافى منها رغم كل المجريات في مياهه الراكدة؛ وفي مقدمتها، حصوله على منحة غوغنهايم عام 1931، ومن ثم رحيله إلى المكسيك بغرض كتابة قصيدة طويلة عن حضارة الأزتيك. كتابته غير المنتظمة لبعض القصائد في تلك الآونة، رسخّت مخاوفه من خفوت شعلة موهبته. وفي الختام، استنزفه اليأس كليا، وفي 27 إبريل/نيسان 1932، أثناء رحلته على متن سفينة بخارية عائدا إلى نيوريوك، أقدم كرين على القفز إلى خليج المكسيك، منهيا حياته بالصراخ: «وداعا جميعا»! لم يتمّ استرداد جثمانه، واستعيض عنه بعلامة على قبر أبيه حملت النقش: «هارولد هارت كرين 1899-1932، المفقود في البحر».

٭ شاعرة ومترجمة لبنانية ـ أمريكية تقيم في أمريكا

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية