بمناسبة الذكرى الرابعة على غيابهنضال القاسمفي 24 ديسمبر 2008 رحل عن عالمنا الشاعر والكاتب المسرحي الإنجليزي المبدع هارولد بنتر والحاصل على جائزة نوبل للأداب في العام 2005 اعترافاً بمساهماته الأدبية ودوره الفاعل في تطور الفكر الانساني في القرن العشرين، كأحد أبرز المسرحيين البريطانيين والعالميين بعد الحرب العالمية الثانية. وبمناسبة مرور أربع سنوات على غيابه فإنه ينبغي علينا اليوم أن نعيد التذكير بأن هارولد بنتر قد صنع تحولاً كبيراً في المسرح البريطاني، وواصل تقاليد الاحتجاج التي عرفناها في المثقفين الغربيين الكبار ضد الحروب مثل سارتر وميشيل فوكو وادوارد سعيد، وبذلك فإنه يستحق منا اليوم بجدارة أن نوجه له التحية والإحترام.لا كرامة لنبي في وطنه إن هارولد بنتر يغريك بمعرفة المزيد عن حياته وعن مهنته وأول ما يشدك الى الجزء العملي منها هو انه يبدو تماما لا كالغرفة الواحدة بل الغرف المتسلسلة التي توحي بوجود مخطط واضح لبيت مكتمل البناء مثلا. اما حياته الخاصة فلا تبدو مختلفة وبوسع المرء ان يتصورها كسلسلة اخرى من الغرف بدءاً بغرفته الصغيرة القديمة في حي هكني اللندني التي حظر والده عليه ان يدخل إليها رائعة جيمس جويس الشهيرة ‘ يوليسيس ‘ والتي ذكر عدد غير قليل من النقاد ان بنتر قد نجح في التعبير عنها كتجربة في مسرحية ‘ حفلة عيد الميلاد ‘ حيث يحظر على الجميع النطق بعبارة ‘ مفعم بالحيوية ‘ لاعتبارات اخلاقية وانتهاء بغرفة المعيشة في منزله الجميل في هولاند بارك، حيث يعيش مع زوجته الثانية انتونيا فريزر، غير بعيدين عن مسرح الميدا الذي اتخذه بنتر ساحة لعرض اعماله المسرحية.وفي لقاء موسع قام به مايكل بلنغتون مع هارولد بنتر بمناسبة عيد ميلاده الخامس والسبعين نشرته صحيفة الغارديان البريطانية بدا بنتر في اللقاء متعباً، ومثبطاً من ‘نكران لندن’ له، فلا كرامة لنبي في بلده،فهذه المدينة التي ولد فيها في العاشر من اكتوبر 1930، وعرض فيها أولى مسرحياته( الغرفة ) عام 1957، قد بدأت تفقد شيئاً من ودها القديم تجاهه، خاصة بعد أن بدأ نشاطه السياسي المعارض لحكومة بلير فيما يخص الحرب في العراق، يغطي على نشاطه المسرحي. وفي الحقيقة، انخفض نتاجه للمسرح إلى درجة كبيرة لصالح السياسة والشعر الذي وظفه لخدمة السياسة. وقد ذكر في مقابلته الأخيرة، أن أشكال التعبير عنده قد تغيرت، وهو يلجأ الآن للشعر للتعبير عن قضاياه، وإنه مصر على الكتابة حتى الموت. ولكن يبدو أن المسرح فقده، دون أن يكسبه الشعر. والديوان الوحيد الذي أصدره بعد الحرب على العراق، وهو مكرس لذلك في معظمه، ينتمي لكل شيء إلا الشعر.لكن علاقة بنتر مع الشعر ليست جديدة. كان الشعر، بشكل من الأشكال، موجودا في أعماله منذ مسرحيته ‘الغرفة’. وهو يقول إن الشعر علمه ‘كيف يضع الكلمات في مواقعها’، بينما علمه منحه التمثيل القدرة على ولوج عملية الصناعة المسرحية. ونجد هذا الاقتران بين الاثنين، مضافاً لهما البعد السياسي الرمزي، في مسرحيته ( حفلة عيد الميلاد )، 1960، في بحث بطلها الدائب عن جنة عدن المفقودة، خلاصاً من ‘هذا الوجود غير المؤكد’. إننا نرى ستانلي قابعاً في جحر على شاطئ البحر، متذكراً أيامه الماضية كعازف بيانو، لكن الآخرين، ممثلي السلطة المقنعين، يخرجونه من مخبئه عنوة. وكأن بنتر يريد أن يقول لنا لا خلاص فردياً هناك، وأن السلطة بالمرصاد لنا في غياب أي فعل جماعي. وبرز هذا المنحى، بشكل أكثر وضوحاً، في مسرحيته ‘هوت هاوس’، التي كتبها عام 1958، لكنها لم تعرض سوى عام 1980. وشكلت مسرحيته ‘الوكيل’ قفزة في تطوره المسرحي اللاحق. لكن القفزة الكبرى، كما يجمع النقاد، جاءت مع صدور مسرحيته ‘العودة إلى البيت’ عام 1960. في هذه المسرحية، اقترب بنتر من الواقع بقدر ما ابتعد من الشعر، وبكلمة أخرى، اقترب من المسرح أكثر، ومثلت هذه المسرحية عام 1967 من قبل فرقة شكسبير المسرحية، وحققت نجاحاً هائلاً كرَّس بنتر ككاتب مسرحي في طليعة جيله، وكذلك أطلقت شهرته عالمياً. وقد عالج بنتر في هذا العمل عدة مواضيع: العجز الانفعالي، وعقدة أوديب: والعزلة الفردية، وصراع القوى الذي يبدو محركاً لكل شيء. وهي المواضيع التي ستتواتر في مسرحياته اللاحقة، مع تركيز أكثر، وبشكل أقرب من المباشرة، على موضوعتي الاضطهاد والقمع، وانتهاك حقوق الإنسان، داخلياً وخارجياً، كما في ‘لا أرض أحد’ 1975، وتبلور هذا الاتجاه أكثر في أعمال مثل ‘لغة جبلية’، 1988 ‘الرماد للرماد’، 1996 و’احتفال’ 2000، وشملت قضايا قلما عولجت في المسرح البريطاني، ومنها القضية الكردية. ولقد تميزت اعمال بنتر المسرحية الاولى ( الحجرة ) و( المنضدة ) بتركيزه على تقنية المسرحية القصيرة ذات الفصل الواحد التي تنطلق من بيئة نفسية كوميدية خطرة. اما اول اعماله المسرحية التي تساوي حجم الاعمال التقليدية فهي (حفلة عيد الميلاد) التي تم تحويلها الى فيلم سينمائي في سنة 1968 والتي تركت اثرا نفسيا غير عادي على جمهور المشاهدين خلال عرضها لمدة اسبوع واحد فقط على مسارح لندن واعيد بنجاح عرضها وتصويرها تلفزيونيا في محاولة لاعادة احيائها بعد النجاح الكبير الذي حققته مسرحيته الاذاعية ( الوجع )سنة 1959 التي تم عرضها فيما بعد على احد مسارح لندن وقد استطاع بنتر ان يضمن لنفسه نجاحا اخر في مسرحية (الوكيل) التي تم تحويلها الى فيلم سينمائي في سنة 1963 وتمكن بنتر من خلالها من الحصول على المزيد من الدعم الذي جعل الاخرين ينظرون اليه لا باعتباره ممثلا محترفا دائما بل كواحد من مؤسسي مسرح العبث البريطاني الشهير. في حين ساهمت مسرحية (العودة) في تعزيز شهرته كمبتكر طروحات مسرحية مميزة. ان اهم ما تقوم عليه تقنية العمل المسرحي لدى بنتر هو الحوار الذي يعتبره العديد من النقاد العنصر الاساسي لما يتميز به بنتر من اصالة حيث الشخصيات التي لا تجيد شيئا سوى لغة الحياة اليومية التي تتألف من حوارات مفككة متناقضة يؤكدها هذا الكم من الصمت شديد التأثير في النفس الذي يعبر بدوره عن معنى اخر يختبئ في الاسفل ويمكن ملاحظته حتى في اكثر تصريحات تلك الشخصيات الاكثر سذاجة. وهارولد بنتر هو احد اهم كتاب المسرح البريطاني الاكثر اثارة للجدل الذين ينتمون الى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. اما اهم تقنيات الكتابة المسرحية لديه فهي الحوارات التي تتميز بالعادية بل وبالتفاهة الى حد كبير كما يحدث في الحياة اليومية والعبارات والتصريحات المكبوحة والتحفظ الشديد والصمت. وهو ما يجعله مهتما جدا بمعالجة الامور التي تشغل تفكير شخصياته التي غالبا ما تخفي كلامها وراء السطور على نحو صارخ لا يتسنى للآخرين تجاهله او التخلص من اثره النفسي بسهولة. مسرح بنتر: مسرح العبثكانت مسرحية ‘حفلة عيد الميلاد’ أولى مسرحيات بنتر الطويلة، وقد كتبها عام 1957.وتنتمي هذه المسرحية والعديد غيرها من المسرحيات التي كُتبت لاحقا، مثل ‘العودة إلى البيت’ و’الخيانة’ وغيرها الى ما يسمى بمسرح العبث، وهي مدرسة مسرحية انطلقت في أوروبا في منتصف الخمسينات ومن أهم أعلامها بالإضافة إلى هارولد بنتر يوجين يونسكو صاموئيل بيكيت وادوارد أولبي وغيرهم. وفي مسرح العبث ، ‘عبث’ المؤلفون بكل المقومات التقليدية للعمل المسرحي، فلم تعد هناك بداية ووسط ونهاية، كما لا يمكن الحديث عن حبكة درامية، والحوار هو العبث بعينه وكأنه تجسيد لما نسميه ‘حوار الطرشان’فليس صالحا للتواصل أو الإيصال المباشر لأي مضمون للطرف الآخر. كما أن الأحداث في مسرح العبث تتطور بالتداعي كما في الأحلام وليس وفقا لأي منطق سائد. يمكن للكلمات أن تشيع البهجة في النفس، مثلما يمكنها أن تجلب الحزن والعزاء والألم، وبوسع الكلمات أيضاً، أن تصبح مصدراً للتهديد وبعث الهلع في النفس. أقول هذا لأن قوة اللغة وقابليتها على الأقناع والتغيير، تشكلان العصب الرئيسي لمسرحية بنتر ‘ حفلة عيد الميلاد’ ، فديالوجها المقتصد، الموجز والتلميحي، إلى جانب وجود الصمت والوقفات، العنصران اللذان يكملان إيقاع ومدلول الكلمات التي لم تقال، والتي عادة ما يتركها الكاتب لذهن المتفرج ومخيلته، كساحة رحبة للتأويل والتفسير. هذه العناصر جميعاً هي التي تشكل هيكل وبنية الدراما البنترية. يقول هارولد بنتر: ‘هناك نوعان من الصمت، الأول، حين لاتوجد كلمات لتقال، والثاني، حين يصبح سيل اللغة مثل سحابة دخان تمنعنا عن السماع، و ‘ حفلة عيد الميلاد’ شُيدّتْ على هذين النوعين من الصمت حيث اللغة البنترية بتورياتها والتباساتها تتخذ مسارات ومستويات تتوزع على حقول متباعدة ومتجاورة في آن، بدءاً بالواقعي مروراً بالسيكولوجي وإنتهاءً بالميثولوجي. مفرداته كسولة، مترنحة، مبتورة وملغزة حيناً، وفي الحين الآخر أشبه بشفرات حلاقة تقطع كل ما يعترضها!. أما المكان فهو يشكل أيضاً عنصراً جوهرياً في بناء دراماته، فهو الآخر يتخذ، إلى جانب بعده الواقعي، أبعاداً رمزية وأحياناً سوريالية. فالغرفة، مثلاً، تتكرر في جـل نتاجاته المبكرة، وهي توحي بفضاء الحلم وحيز المخيلة، إنها الملجأ أو الدرع الذي يقيك رعب وتهديد الخارج، وهي في حفلة عيد الميلاد، تتماهى ورحم الأم بدفئه وحنوه وأمنه، وستانلي، الشخصية الرئيسية في المسرحية، هو الآخر يتماهى وصورة الجنين، الذي تنتزعه أيادي غريبة لتقذف به إلى العالم الأجرد البارد القاسي.وتتجلى مهارة بنتر الفائقة في انه يستطيع أن يحقق تدفق عدة تيارات إدراكية في آن واحد وفي محادثة واحدة، وأن يجعل الجمهور يحس بما يجري ، فعلى سبيل المثال لا الحصر يستخدم بنتر بعض التقنيات في مسرحية ‘ حفلة عيد الميلاد ‘ ومنها الصمت، للتعبير عن التوترات التي تصطرع وتتصاعد في نفس ‘ ستانلي ‘ والتفكير الحاد والمستمر الذي يدور في عقله، ولكي يطمئن نفسه إلى أنه ما زال في أمان يرفض ستانلي أن يصدق أن الرجلين قادمان، وكما قال أندرو كنيدي : ‘ يستخدم بنتر في مسرحياته الأولى وبخاصة في حفلة عيد الميلاد .. أنماط الطقوس ويكرر استخدامها حتى يعطي قوة وكثافة إيقاعية لبعض المشاهد الحاسمة التي تصل فيها بعض المواقف الى ذروتها ، ولكن الإيقاعات الطقوسية التي تتكون من ردود واستجوابات وما يشابه الابتهالات الدينية يستخدمها بنتر استخداماً تهكمياً أو هزلياً لكي يحرّر لغة الكلام من أي صفة إنسانية ‘. كتب هارولد بنتر هذه المسرحية عام 1958، وقد أعتبرها النقاد يومها، إلى جانب ( في انتظار غودو، الأم شجاعة، وأنظر إلى الوراء بغضب) بمثابة النبع الرئيسي الذي تدفقت منه في ما بعد كل أنهر الدراما البريطانية الحديثة للنصف الثاني من القرن العشرين. وقد شكلت كوميديا ( حفلة عيد الميلاد) إلى جانب كوميدياته الثلاث ( الغرفة، الخادم الأخرس، الحارس) تياراً تجريبياً حديثاً عرف يومها بـ: ( كوميديا التهديد ).نظرة تحليلية عامة الى مسرحية حفلة عيد الميلادتجري أحداث المسرحية في منزل ساحلي ‘ بانسيون’ قذر ومنعزل، تسكنه عجوز اسمها ميج وزوجها العجوز بيتر عامل البواخر في الماضي. ستانلي هو عازف بيانو، شاب في ثلاثيناته، قدم منذ عام إلى هذا المنزل ليسكن احدى غرفه، وهو النزيل الوحيد فيه، والذي لم يجتاز عتبته منذ لحظة وصوله!. هذه هي جل المعلومات التي يقدمها لنا بنترعن بطله، عبر ديالوغ هزلي لايخضع لمنطق يدور في استهلال العرض على مائدة الإفطار، بين العجوز الخرفة المتصابية ميج ( الممثلة إيلين أتكنز) وستانلي ( الممثل بول ريتر). هكذا، ومنذ البدء، نحن قبالة إنسان ذو ماضي غامض وراهن مشوش. الممثل بول ريتر، ومنذ وقت مبكر من العرض، جسّد لنا شخصية ستانلي، كما لو أنه رجلاً عقيماً، خائفاً ومحبطاً، معّوقاً، ودوداً وعدوانياً ولا يأتمن أحداً.في تعنيفه وتوبيخه للعجوز ميج بشأن نوعية الفطور، وزجره المتواصل لجارتهم اللعوب لولو ‘ الممثلة سينيد ماثيوس ‘ والتي تربطه بها علاقة ما ملتبسة، نقرأ في ستانلي شخصية عصابية تتماهى وسلوك كلب الوبت المفترس السريع العدو!. لكنه، مع ذلك، يشعر بالطمأنينة في هذا المكان المنعزل، بل يحس أنه هو سّيد المكان.حين تقترح العجوز المولعة به إقامة حفلة عيد ميلاد له، رغم جهلها بتاريخ يوم ميلاده، نبدأ بمتابعة مسار كوميديا يطبعها لونان متجاوران ومتعارضان، أحدهما فكه لامعقول، والآخر مقلق ومّهدد.تجلب صاحبة المنزل ميج هدية لستانلي هي عبارة عن طبل صغير أشبه بلعبة، وتبدأ الاستعدادات لتهيئة الحفل بهذه العفوية والبراءة وروح الدعابة، بعد أن تنضم إليهما لولو المغناج. فجأة ُتطرق الباب، ويظهر من خلفها رجلان قدما بحثاً عن غرفة للسكن، أحدهما يهودي انكليزي يدعى غولدبيرغ ، الممثل هنري جوود مان، والآخر إيرلندي كاثوليكي أسمه ماكـّان (الممثل فينبار لينتش) والذي يبدو منذ الوهلة الأولى شخصاً شريراً وانطوائياً. حال دخول الغريبين البانسيون يشرعان فوراً ومن دون أي مقدمات في استجواب ميج بشأن نزيلها الذي يجهلان حتى اسمه. يتقهقر ستانلي، لحظة سماعه حديثهما مع صاحبة المنزل، ليختبىء في ركن من أركان المطبخ، فتتسلل إلينا الجملة المرعبة الأولى في سياق حديثهما حيث يسأل أحدهما الآخر: ‘هل تظن أننا في المكان المعني؟ ‘ يجيبه الآخر: ‘ لا أعرف. لم أنتبه إلى رقم المنزل.’! وحين تخبر العجوز الغريبان بحفلة عيد ميلاد نزيلها، يتبرع الاثنان بعجالة وبشكل مثير للقلق، أن تقام تلك الحفلة على حسابهما الخاص. مع ذلك، ورغم رفض ستانلي الدعوة ولسبب منطقي هو أن اليوم الذي يسعون لأقامة الحفل فيه هو ببساطة ليس تاريخ يوم ميلاده، إلا أن الرجلين يصران على ذلك ويقام الحفل عنوة.يبتدأ طقس الحفل بقيام الأيرلندي بتجريد ستانلي من عويناته وشد عينيه بعصابة ليلعبا لعبة الغميّضة، فيما ينفرد اليهودي بمغازلة لولو صديقة ستانلي، وويتواصل الحفل إلى ساعة متأخرة من الليل، عند ذاك تنصرف العجوز في نهاية الحفل ووتتبعها لولو فينفرد الرجلان بستانلي، ويبدأ طقس الاستجواب الحقيقي!إن الأسئلة التي يرشقونها بوجهه هي أشبه بشرر النار، سريعة،غير مترابطة، ولا تقدم لنا أية معلومة توضح طبيعة التهمة الموجهة ضده. فمن التهم التي توجه ضده، أنه كان السبب وراء موت خطيبته لأنه لم يتزوجها.. أو أنه لم يدفع الإيجار.. أو أنه نتن..أو لماذا ُكسر أنفك؟.. لماذا تظن أنك موجود؟..أو ماذا تظن نفسك؟ وهذا الأخير، كما يبدو، هو السؤال الجوهري في المسرحية.وهكذا يتحول المكان فجأة إلى ما يشبه صالة عمليات ولادة، أو غرفة تعذيب يخضع فيها ستانلي لعملية غسل دماغ قاسية، معذبة وقذرة، يفقد خلالها قدرته على النطق، وهذا هو بمثابة مجاز لسحق شخصيته وهويته وإنسانيته، ليولد في اليوم الثاني إنسان آخر، ستانلي آخر مرتدياً بدلة شبيهة ببدلتيهما، وبعدها يقودانه إلى الخارج دون أن تصدر عنه كلمة. أما حفلة عيد الميلاد، والذي هو عنوان المسرحية، فلم يكن القصد منه هنا، الذكرى السنوية لميلاد ستانلي، بل هو اليوم الذي سيولد فيه ستانلي الآخر، والذي يختلف تماماً عن ستانلي قبيل تلك الحفلة!. مع ذلك، فإن بنتر لايمرر الأمر هكذا دون تلميح ولو بسيط لشيء من المقاومة، وهذا ما يتجسد في جملة العجوز بيتر الأخيرة، تلك الجملة المرتجفة والخائفة وهو يهمسها لستانلي بنبرة حزينة خارجة من روح مسحوقة قائلاً: ‘ ستانلي، لاتدعهم يقولون لك ماذا يجب أن تفعل.’ هذه الجملة سيظل صداها يرن في أعماقنا حتى بعد مغادرتنا القاعة. حين نتأمل هذا المشهد المرعب، تقفز إلى الذهن أسئلة عديدة: من هو ستانلي؟ لماذا جاء ليسكن في هذا المنزل الساحلي المنعزل؟ ومن هما هذان الرجلان؟إن بنتر لايجيب على أسئلة كهذه بالطبع، بل يترك لنا هذه الصفحات الفارغة من النص لتستكمله مخيلتنا،. ويقال إن سيدة أرسلت خطاباً قالت فيه: ‘ سيدي العزيز..أكون شاكرة لو تفضلت بأن تفسر لي معنى مسرحيتك ‘ حفلة عيد الميلاد ‘ وهذه النقاط التي لا أفهمها ،أولاً: من هما الرجلان؟ وثانياً : من أين جاء ستانلي ؟ وثالثاً: هل من المفروض أن نعدهم كلهم أشخاصاً في كامل قواهم العقلية ؟ وقالت في رسالتها ، أرجو أن تفهم أنني إذا لم أحصل على إجابة عن هذه الأسئلة فلن يمكنني أن أفهم مسرحياتك فهماً كاملاً، ويقال أن بنتر رد على هذه السيدة على النحو التالي: ‘ سيدتي العزيزة أكون شاكراً لو تفضلت بأن تفسري لي معنى خطابك ، وهذه النقاط التي لا أفهمها، أولاً : من أنت ، ثانياً : من أين جئت؟ ، ثالثاً : هل من المفروض أن تكوني بكامل قواك العقلية ؟ وأرجو أن تفهمي أنني إذا لم أحصل على إجابة هذه الأسئلة فلن يمكنني أن أفهم خطابك كاملاً ‘.والأصح أن مسرح بنتر، وبيكيت أيضاً، الجوهري فيهما هو ليس أن يجرّب المتفرج إدراك ما يجري أمامه على خشبة المسرح، بل هو نوعية وشكل استجابات ذلك المتفرج إزاء ما يحدث. يقيناً أن الرجلين قدما إلى هنا من أجل ستانلي، وواضح من هيئتهما وسلوكهما أنهما أشبه بقتلة مأجورين من النوع البربري والقذر جداً، أو أنهما أعضاء في منظمة دينية أو سياسية أو إرهابية و’ لا ننسى أن أحدهما إيرلندي والآخر يهودي !’ قدما بحثاً عن طريدتهما!. بل أن خوف ستانلي وترقبه بوصولهما، يترك مسحة من الشك من أنه هو نفسه، ربما، كان عضواً في منظمة ما سرية، وكان قد هرب منها منذ عام، فجاء ليختبئ هنا، وهو السبب المنطقي لقدومهما من أجل إعادته بالقوة. أو ربما هو هارب من أحد المصحات العقلية.. من يدري! أو… أنه فنان معتكف في عالمه التخييلي الخاص، ُيقتحم من قبل رجلان مجهولان ـ هما بمثابة ترميز للواقع، بكل عنف ووحشية مؤسساته الدينية والمدنية ، قدما من الخارج لإخضاع روحه وعقليته لتقاليد هو يرفضها.كل شيء ممكن، لكن الشيء المؤكد حقاً، أن هذان الشخصان جاءا لتقويض ستانلي وقد نجحا في انتزاعه من عالمه الخاص لغرض مسخ شخصيته وإنسانيته. ومع ذلك، ينبغي معرفة كيفية تقيّيم مفاهيم الهزيمة والانتصار في معادلة كهذه؟إن بنتر يمتلك رؤىً شعرية لموضوعة الهزيمة والانتصار، فما كان انتصاراً للرجلين يصبح هزيمة لهما، فهو، أي بنتر، لم يغفل من إظهارهما، وبشكل متزايد، في حالة من عدم الأمان والاطمئنان.فعلى الرغم مما حققاه من نجاح في إخضاع ضحيتهما، إلا أنهما شعرا بالهزيمة في الآخِر. فاليهودي غولبيرغ يعترف لصاحبه الايرلندي في النهاية بقوله:’ لا أعرف لماذا أشعر أنني هزمت.’ أما ماكـّان، فأنه يرفض الصعود مرة أخرى إلى غرفة ستانلي لاستئناف عملية الاستجواب، مما يخلق توتراً بينهما يصل حد التهديد، وهذا ما يضاعف حدة الرعب في المسرحية، حيث توحي الصورة أن الجلادان غير آمنين على أنفسهما من الهجمات.إن وظيفة هذين الرجلين في الواقع وكما ذكرنا، أنهما رموز للعنف والقوة والتهديد القائم خارج هذا العالم الخاص، وإذا أردنا أن نضيف لهما بعداً فلسفياً آخر نقول يمكن أن يكونا أشبه برسل الموت، وما شاهدناه، لم يكن سوى صورة لمجرى عملية الموت ذاتها، بشكلها التجريدي، وهما جاءا لنقل ضحيتهما إلى العالم الآخر، مدركين تماماً حقيقة أن الموت يصيب جميع الناس بمن فيهم رسله!.أوجه التشابه بين البنترية والكافكوية: ستانلي بنتر وجوزيف كافكاالمخرج ليندسي بوسنر قرأ النص البينتري بمزاج كافكوي، وقد سعى العرض إلى نوع من المقاربة بين ستانلي بنتر و بطل محاكمة كافكا جوزيف كاف. إن شخصيات حفلة عيد الميلاد وفضاءها يعيدان إلى الأذهان حقاً مناخ رواية المحاكمة، فستانلي يحمل الكثير من صفات وسلوك جوزيف ك، بل أن مصيرهما يكاد يكون واحداً، أما وظيفة سجانيّ جوزيف ك، فهي شبيهة تماماً بوظيفة الرجلين اللذين اقتحما عالم ستانلي، وهي جعل ضحيتهما تشك ببراءتها وأمنها، ومن بعد القيام بشل كامل ارادتها.ستانلي يبدو لنا عصابياً حتى قبل حضور الرجلين، فالتهديد الذي كان يوجهه إلى العجوز ميج سينقلب ضده حال وصولهما، وهو يبدو مستعد بشكل آلي لخوض تجربة الشعور بالاضطهاد، تلك التي تنخر أعماقه، بل يمكن القول أن حضورهما هو بمثابة مجاز للعنصر الخارجي الذي فجّر طاقة الرعب والتهديد الكامنتين في داخله، تلك التي تعكس شعوره المتزايد بالاضطهاد، وهي حالة تكاد تشبه نزاع الإنسان مع خطيئته الأولى، بمغزاها الوجداني والشعري والفلسفي، وهذا ما يمكن العثور على مرآة له في شخصية جوزيف ك نفسه.إن جوزيف ك وستانلي كلاهما يحاول تأسيس براءته عن طريق هجوم جنسي عقيم،الأول على الفتاة بوشنر، والثاني على لولو، وغرضهما، معاً، هو ليس المتعة، بل هدفاً في أثبات رجولتهما، التي هي في الآخر، شكلاً من أشكال براءتهما ، جوزيف ك بإحساسه وهو يؤكد ذاته في محيطه المنزلي، يبدو إلى حد ما، كما لو أنه يشيّد جداراً واقياً ضد عالم الخديعة والجور المتمثلان بتلك المحاكمة.بنتر وكافكا، كلاهما أرادا القول، أن لاوجود لعالم البراءة أو لأنسان بريء، والبراءة، مع وقف التنفيذ، تبيح لصاحبها أن يستأنف العيش في ظل تهديد دائم باعتقاله وملاحقته من جديد. وحين يأخذ الرجلان ستانلي في الآخِر ويذهبان به إلى وجهة مجهولة، نعثر على العجوزين ميغ وبيتر وهما يتناولان إفطارهما كما في مستهل العرض، بإنتظار ساكن آخر جديد. تحذف ميج إسم ستانلي من سجل النزلاء، كما لو أنها تحذفه من الوجود، لتعود رتابة كل شيء كما في السابق، إلاّ إن جملة العجوز بيتر تظل ترن في الأعماق حتى بعد نزول الستارة: ‘ستانلي، لاتدعهم يقولون لك ماذا يجب عليك أن تفعل.’!.هارولد بنتر واهتمامه بالقضايا الفلسفية ليس من المحتمل أن يكون بنتر قد تأثر برائد الوجودية مارتن هيدجر، ولكن مما هو جدير بالملاحظة أن بنتر ، مثل هيدجر، يتخذ من ذلك القلق الذي يشعر به الإنسان نتيجة لإدراكه للتهديد بالعدم والفناء المسلط عليه نقطة البداية في تصويره لمواجهة الإنسان لنفسه ولطبيعة وجوده ، فشخصيات بنتر وكما سبق وأن ذكرت تعيش في حجرة وهي خائفة وفزعة. فما الذي يفزعها ؟ أجاب بنتر عن هذا في أثناء إحدى المقابلات التي أجريت معه فقال : ‘ من الواضح أنها خائفة مما هو موجود خارج الغرفة . فخارج الغرفة يوجد عالم يقترب منها باستمرار وبإلحاح وهذا يفزعها ، فنحن كلنا في مثل هذا الموقف ، كلنا في غرفة ، وفي الخارج يوجد عالم لا يمكن تفسيره، عالم مفزع وغريب ويدعو للقلق’.ولذلك فإن الكثير من مسرحيات بنتر مثل ‘ الحجرة ‘ و ‘ الخادم الأخرس ‘ و ‘ حفلة عيد الميلاد ‘ و ‘ الحارس ‘ و ‘ العودة ‘ تتوالى أحداثها في مكان محدود جداً يكون في الغالب غرفة واحدة، وكأن هذه الغرفة مأوى تلوذ به شخصيات المسرحيات هرباً من ظروف حياتها أو من ماضيها، أو كأنها سياج تحمي به حطام حياتها، ويأتي التهديد من الخارج ، من الدخيل الذي يقوَّض بمقدمة هدوء الحجرة ويقضي على الدفء والطمأنينة اللذين تكفلهما جدرانها الأربعة، وكلما كان مصدر التهديد غامضاً وغير محدد زادت خطورته واشتد الرعب الذي يحدثه.إن الغموض الذي يكتنف جو الأحداث والشخصيات نفسها لا يؤدي الى الشعور بالشك والحيرة فحسب، ولكنه يجعل من الاحساس بالخوف والتوتر اللذين يتولدان عن هذا الجو احساساً عاماً شاملاً، وكلما زاد الشك تجاه طبيعة التهديد ومصدره ونوع الاستفزاز أو الذنب الذي ارتكب والذي أدى الى ظهور مثل هذا التهديد ، زاد شعور المتفرجين بأن الذي يحدث أمامهم يمكن أن يحدث لهم أيضاً.ويهتم بنتر بالقضايا الفلسفية التي تبحث فيها الوجودية مثل : مشكلة البحث عن الذات، ومشكلة استحالة التأكد من الحقيقة ، ومشكلة انعدام الاتصال بين الناس أو خوفهم منه بحيث أصبح كل إنسان حبيس مخاوفه وأسير عالمه الخاص. ويهتم بنتر بالبحث في الدوافع المختلفة الكامنة وراء تصرفات الانسان وأفعاله، كما يعالج العلاقة بين الانسان والقوى الخارجية التي قد تتجسد في النظام القائم ، أو التقاليد والعادات الاجتماعية ، أو القدر المحتوم على الإنسان ، أو بين الإنسان والله سبحانه وتعالى.وتتميز مسرحيات بنتر عامة بأنها ، على اهتمامها بقضايا الوجودية وتصويرها للفزع والقلق والحيرة التي يشعر بها الإنسان تجاه العالم المحيط به، إلا أنها قادرة على الإضحاك، إذ أنها قلما تخلو من عنصر الفكاهة، ويقول بنتر في هذا الصدد : ‘ إن كل شيء مضحك، وحتى التراجيديا مضحكة، وأعتقد أني أحاول في مسرحياتي أن أصور هذه الحقيقة التي يمكن إدراكها وهي العبث الذي تتسم به أفعالنا وتصرفاتنا وكلامنا .. والمهم فيما يتعلق بالتراجيديا هو أنها لم تعد مضحكة إنها مضحكة ثم تصبح غير مضحكة ‘. ويقصد بنتر بذلك أن كل شيء في الحياة عبث ويبعث على الضحك ، إلى ان يظهر الرعب والتهديد أمامنا فجأة.إن هارولد بنتر صانع أساطير، فهو شاعر بكل معنى الكلمة ، سواء أكان ذلك في موضوعات مسرحياته ، أم الصور الخيالية التي يرسمها ، أم في طريقة استخدامه للغة ، حيث تتميز حواراته بالإيقاع والغرابة والتكرار المقصود وهي صفات تكسبه خصائص الشعر وقدرته على أن يسحر ويفتن المستمع،وتتميز مسرحياته بشاعريتها ، وهي أكثر شاعرية من المسرح الشعري نفسه لكثير من كتاب المسرح المعاصرين له، الذين يعتمدون على زخرف اللفظ وأناقة العبارة، في حين أنه يعتمد على الكلمات ذات الإيحاءات المتعددة وتكرار الكلمات والجمل بطريقة من شأنها خلق إيقاع شعري يكسب الموقف الدرامي كثافة أو رمزية لا تتوافر في كثير من المواقف الدرامية للمسرح الشعري المعاصر، ومن الواضح أن بنتر قد تأثر في طريقة بناء الحوارات لمسرحياته بأنطوان تشيخوف رائد النص الضمني أو ‘ التحتاني ‘ ، حيث أدار تشيخوف ظهره للمسرح الواضح أو الصريح الذي كان سائداً في القرن التاسع عشر وابتكر المسرح الضمني الذي يعتمد على المعنى الخفي أو التحتاني ولا يعتمد على المعنى الظاهري للكلمات، ونجد في مسرحياته أن الاتصال بين الشخصيات مبني أساساً على تجنب التفسير المباشر للأحداث والمشاعر، وقد تأثر بنتر كذلك بكافكا وبيكيت وهو يحاكيهما في اهتمامه بتصوير الانسان، وقد وصل الى مرحلة حاسمة في انشغاله أو إدراكه لوجوده وذاته. ويقول بنتر عن مسرحه :’ إن افتقاري للمعلومات عن سيرة شخصيات مسرحياتي والغموض الذي يكتنف ما تقوله هذه الشخصيات يتركان بينهما رقعة ليست جديرة بالاكتشاف فقط، بل تحتم علينا اكتشافها. فأنتم ( المتفرجون أو القراء ) وأنا الشخصيات التي تنمو على صفحة نص المسرحية يعوزنا التعبير فلا نفصح إلا عن القليل، وما نفصح عنه لا يمكن الاعتماد عليه. فكلامنا مراوغ ومحيِّر ويضع العوائق والعراقيل ولا يرغب في الإفصاح ، ولكن بين هذه الصفات يمكن أن تنشأ لغة ما ، لغة أكرر قولي تتميز بأن ما يقال بها ما هو إلا ستار أو غطاء للغة أخرى تختبئ تحتها’.هارولد بنتر وجائزة نوبل والسياسةيتمتع هارولد بنتر بشهرة عالمية على الصعيدين الإبداعي والسياسي، وقد ظل منذ حوالي خمسين عاماً محط الأنظار بسبب إنجازه المسرحي المبكر الذي يبلغ في أهميته ما كتبه صموئيل بيكيت ويوجين يونسكو وانطونان آرتو وأعلام المسرح الكبار في القرن العشرين .ولقد أشتهر بنتر منذ عام 1973 بوصفه مدافعاً قوياً عن حقوق الإنسان، واتخذ الكثير من المواقف الإشكالية، وعرف عنه مناهضته الشديدة للحرب على العراق، وكان على الدوام يعتبر أن بوش وبلير قاطعا طريق. وبدأ في السنوات الأخيرة يشد الانتباه بسبب مواقفه السياسية المناهضة للحرب، والمعادية للإدارة الأمريكية ، والمناهضة كذلك لرئيس الوزراء البريطاني توني بلير وسياساته الموالية لأمريكا خصوصاً فيما يتعلق بمشاركة بريطانيا في الحرب على العراق، وقد كتب بنتر خلال السنوات القليلة الماضية أكثر من بيان ومقالة وقصيدة يبدي فيها معارضته التامة لشن الحرب على العراق، ويتهم أمريكا وبريطانيا باصطناع مؤامرة أسلحة الدمار الشامل لتبرير شن الحرب على العراق.ولقد منح هارولد بنتر خلال حياته مجموعة من الجوائز والأوسمة وعلى سبيل المثال لا الحصر فقد منح ‘درجة شرف’ عام 1963، وجائزة ‘شكسبير’ الألمانية عام 1970، وجائزة الدولة النمساوية للأدب الاوروبي عام 1973، وجائزة ‘ديفيد كوهين’ للأدب البريطاني عام 1995. وحول فوزه بجائزة نوبل للأداب لعام 2005 يقول أمجد ناصر في جريدة القدس العربي:- ( لكن المؤكد أن التأخير، والخلاف، إن وجدا، تمخضا عن مرشح ترضية .. عن اسم لا يختلف اثنان على مفصلية أعماله في حقل المسرح في النصف الثاني من القرن العشرين.. فضلاً عن دوره كمثقف واصل تقاليد المثقفين الملتزمين الكبار تجاه قضايا عصرهم.هكذا سيكون اختيار هارولد بنتر لـ نوبل وقع مزعج على آذان السيد بونتيلا (بوش) وتابعه ماتي (بلير)، ومن لفَّ لفهما من الهاذرين في مقولات نهاية التاريخ و الليبرالية الجديدة والراقصين حول نيران الحروب التي تتصاعد من رأس هذا العالم الذي لم يعد مكاناً سعيداً لكائناته الحية.فهذا رجل وقف يوم الرابع عشر من شباط (فبراير) عام 2003 في الهايد بارك وماج صوته فوق الحشد المليوني كجناحي طائر الرّخ ، وبصوت طالع من أنين البشر الذين طحنتهم المجاعات والحروب راح يسدّد تعاويذه العاصية ضد آلهة الشر الجدد.نتحدث، دائماً، عن تسّيس جائزة نوبل. ولعل هذا صحيح. ولكنه نادراً ما كان صحيحاً بالنسبة لنا نحن الذين لا نزال نتمسك بـ يوتوبيا الأخوّة الإنسانية والعدالة الاجتماعية، والمساواة بين البشر. فإن كان ثمة تسيّس ، هذه المرة، لجائزة مخترع الديناميت فهو في مكانه الصحيح. فقد اعطيت الجائزة لصوت انساني عميق، مناهض، بلا هوادة، لحروب الامبرياليات وغطرسة القوة، وجشع رأس المال، وصمم الحداثة الغربية حيال انين الضحايا الخافت. لم يكن هارولد بنتر يبحث عن أدوار يظهر فيها.كان موقفه متطابقاً، تماما، مع الشعور القاسي بالتهميش الذي يعيشه أبطاله المسرحيون، مع احساسهم بالعزلة، ان لم يكن بالعبث حيال محيطهم.يكفي أن نعرف ان بنتر رفض تكريم المؤسسة البريطانية الرسمية له، أكثر من مرة، خصوصاً، عندما كانت حكومة المحافظين ترغب بتوشيحه بلقب سير .وجد وسام الفارس سخيفاً،واللقب أسخف. فهل كانت مواقف بنتر من عالمه وعصره مختلفة عن أعماله؟ بالتأكيد،كلا). انتهى الاقتباس عن أمجد ناصرولقد اختارت لجنة جائزة نوبل هارولد بنتر بالذات، وهو الناشط السياسي في مجال حقوق الإنسان والذي كثيرا ما شارك في الفعاليات المناهضة للحرب على العراق. الا ان الحرب على العراق لم تكن المجال الأول للصدام بين بنتر والسياسة الأمريكية، فقد سبق ان طرد من احتفال في السفارة الأمريكية في تركيا أقيم على شرف الكاتب أرثر ميلر، وكان بنتر يرافق الأخير في جولة في تركيا قبل نحو عشرين عاماً للتحقق من انتهاكات حقوق الإنسان. وفي أثناء الحفل بدأ بنتر بالحديث عن ما سمعه من تعذيب المعتقلين السياسيين، فما كان من السفير الأمريكي إلا ان أمر بطرده، فرافقه ميلر تضامنا. وبالإضافة لكونه كاتباً مسرحياً فقد كتب الشعر أيضاً خلال السنوات الأخيرة. ولقد تُرجمت أعماله الى لغات عديدة، كما مُثِّلت مسرحياته على مسارح أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، وحصل على عدة جوائز وأوسمة. وبنيله لـ نوبل للآداب هذا العام تكرم الاكاديمية السويدية رائداً مسرحيا وصوتا انسانياً مناهضا للظلم والحرب وغطرسة القوة.فعدا عن كون هارولد بنتر واحداً من كبار الأسماء المسرحية في القرن العشرين، فهو الى ذلك، أحد أكبر الأصوات الثقافية التي احتجت علي الحروب، وخصوصاً، الحرب الامريكية ـ البريطانية علي العراق.ولعل الذين شاركوا في تظاهرة الهايد بارك التي ضمت قرابة مليوني متظاهر في شباط (فبراير) 2003 يتذكرون صوته القوي المناهض للحرب التي بدأت نذرها تلمع في سماء المنطقة، وكذلك ادانته الصارخة، وبأقوى العبارات لـ البربرية الامريكية وللانصياع البريطاني الرسمي لمشيئة الادارة الامريكية.ومسرح هارولد بنتر هو بمعنى اخر مسرح سياسي على الرغم من ان هذا يبدو اكثر وضوحا في اعماله الاخيرة. وهو ما يشير اليه مايكل بلنجتن في كتاب السيرة حول حياة هارولد بنتر موضحا ان روح المعارضة لدى بنتر هي جزء مما يمليه الضمير الحي ولا يختلف الكثيرون على انه كان دائما كاتبا راديكاليا، متطرفا بالمعنى الذي تشير اليه اعماله او مسرحياته السياسية الاخيرة على وجه التحديد ( لغة الجبل) في الوقت الذي يرشح فيه النقاد والمؤلفون باجماع كبير مسرحيات ‘العودة’ التي عرضت سنة 1965 و ‘الخيانة’ التي عرضت 1978 و’الوكيل’ التي عرضت سنة 1960 كأفضل اعماله على الاطلاق.شهادات وآراء نقديةبالنسبة للكاتب المسرحي والمترجم البريطاني المعروف كريستوفر هامبتون فان صوت بنتر هو مزيج من القسوة والغموض، وهو ما لا يحمله على الدهشة من اعتراف بنتر بأنه لا يعرف حتى كيف يكتب كل تلك الأشياء، وبينما يدعي كتاب كثيرون بأنهم واقعون تحت تأثير شخصياتهم الى حد لايمكن الهروب منه فان ما يدعيه بنتر يبدو واقعيا، ان ما يدعو اليه في الحقيقة هو عدم الافلات من الموضوع ساعة الاحساس بالضيق من الاقتراب الشديد من تلك الشخصيات، وما يفعله لدى كتابته المسرحية هو الكتابة كما يقوم بها الشعراء عندما يواتيهم مزاج الكتابة، ان ما يثير الدهشة هو أن يكون هارولد بنتر وعاء خارقاً وتكون كتابته كالأشياء التي تنسكب منه. أما جون راسيل تيلور فيقول في كتابه ‘ الغضب وبعده ‘ : ‘ إن التكنيك القائم على إلقاء الشك على كل شيء من طريق موازنة كل عبارة واضحة لا لبس فيها بأخرى تكون هي ايضاً واضحة تماماً ولا تحتمل لبساً، ولكن تكون في الوقت نفسه متناقضة مع سابقتها..هو تكنيك سنجده مستخدماً باستمرار في مسرحيات بنتر، وذلك من أجل خلق جو من الغموض والحيرة. والمواقف التي نجدها دائماً في مسرحياته مواقف بسيطة وأساسية، واللغة التي تستخدمها الشخصيات تُعدّ خارقة للعادة في دقة محاكاتها للغة المستخدمة في الحياة اليومية، وعليه فيرى ( د. ريتشارد أندريتا ) في مقال له في مجلة الفيصل أن ( بنتر في الحقيقة على عكس ما يقال عنه بأنه أقل كتاب جيله واقعية فإنه أكثرهم واقعية) في حين يكرس المخرج المسرحي البريطاني بيتر هول نفسه للدفاع عما يسميه بالبنتريه أو ما سبق وأسماه الأخرون لغز بنتر، وكما يعتقد هول فان بنية النص المسرحي لدى بنتر هي المفتاح الوحيد الذي يمكن بواسطته فهم كل أعماله، ومن جهة أخرى فان ما يفعله مقلدو بنتر هو خطأ قاتل، في حد ذاته حين يلجأون الى تخيل مواقف تجعلهم يظهرون أمام القارئ أو المشاهد وكأنهم في ثياب تنكرية ظناً منهم بأن تلك التقنية هي تقنية الغموض التي يتبعها بنتر، وعموماً فان بنتر قد ساهم كثيراً في استعادة المسرح لشاعريته، انه يقول أشياء من دون أن يقولها، وبينما يتندر الآخرون من صمته فإن هذا الصمت يبدو بليغا الى حد يضاهي ما يقوله. أما الكاتبه والناقدة البريطانية جوان باكول فهي واحدة من الذين يطلقون على مسرحيات بنتر صفات كالاعمال الخطيرة او التي تهدد بالخطر كل العلاقات المتصلة بالوجود الانساني مضافا اليها ومضات من الكوميديا الحارقة. بينما يعرف ‘ديفيد ليفو’ البنترية بأنها ‘المباغتة’. وينطبق على بنتر ما قاله جون فانييه في تعريفه لمسرح بيكيت ويونسكو إذ قال: ‘ في حين أن المسرح التقليدي يستخدم اللغة بوصفها الوسيلة الوحيدة لعرض العلاقات النفسية (السيكولوجية)، فإننا في المسرح الجديد نجد أن اللغة نفسها هي التي تُعرض على المسرح، ومن ثم فقد ظهر مسرح لغة تكون فيه لغة الشخصيات هي المشهد الذي يُعرض والذي دُعينا للتفرج عليه ‘.و يقول الكاتب المسرحي البريطاني ‘ديفيد هير’ ان لعبة هارولد بنتر تبدو شبيهة بتفجير الأفكار الوجودية في اطارها الخاص بالطبقة العاملة، وهي التقنية التي تقود الى هذه السخرية المتلاحقة، وأرى بأنه واحد من قلة من التلاميذ الذين استطاعوا أن يتفوقوا على استاذهم الكبير صمويل بيكيت الذي مد جذوره عميقاً ولكنهم تحدوا ذلك بالعمل في اطار اجتماعي حقيقي بدلاً من الاطار التقليدي الجاف واعتقد بأن أشخاصاً مثل المؤلف الكوميدي ‘مونتي بايثون’ لابد وأن يكونوا قد تأثروا بموهبة بنتر. والواقع ان حضور بنتر يبدو واضحا في كل واحد من تلك التعريفات التي وردت على لسان هؤلاء الكتاب البريطانيين المعاصرين في الوقت الذي لا يبدو حاضرا تماما، لأن بنتر كمؤلف يقع في مكان ما بينها وهو كل ما هنالك، وهو ايضا ما يتجسد في مسرحيته الشهيرة ‘الحجرة’ التي عرضت لأول مرة في 1957 والتي اعيد عرضها مجددا كجزء من مظاهر الاحتفاء الكثيرة الاستثنائية بعيد ميلاده السبعين التي شارك فيها مسرح (الميدا) اللندني. ان بنتر وعلى الرغم من ذلك كاتب غير مريح بالنسبة للكثيرين لأنه كما يقول ديفيد هير شاعر القوة بعكس ما يراه الروائي والكاتب المسرحي ‘مايكل فرين’ الذي يعتقد بأنه يتعجل الوصول الى النتائج النهائية خاصة في حواراته المتعلقة بالسياسات الخارجية (موقفه من السياسة الخارجية الامريكية في امريكا الوسطى). ولابد من القول إن هناك الكثير من الكتاب وعلى رأسهم كتاب مسرحيون شباب مثل كونور مكفيرسون، وباتريك ماربر، وياسمينة رضا ممن يعترفون له بالفضل في استمرارهم. في حين يظهر بنتر وكأنه مخرج يتفوق في لعبة تحويل الحياة الى متعة بالنسبة للمثلين الذين يقفون على خشبة المسرح كما يتفوق في اداء دوره كممثل يمكن ادارته حتى لو كان هو كاتب العمل. ويتذكر الممثل المسرحي روجر ليود باك الذي شارك في مسرحية جيتيز مع بنتر الذي لعب دور الكابتن انه كان مبتهجا بأداء دور لاعب الكريكت بكل تفاصيله، كيف تحرك ذراعك كيف تتفاعل مع تقلبات الطقس، المؤثرات النفسية الاخرى، ما هو الصواب وما هو الخطأ، وضع قدميك عند ضرب الكرة. وبنفس القدرة على اللعب كان بنتر يكتب، فهناك اهتمام كبير بالتفاصيل وهناك التزام بالشكل وهناك انفعال وسعي الى المعالجة والتعديل والاشياء كلها تجعله شخصية تنافسية بلا ادنى شك.