هاشم شفيق يكتب عن فوزي كريم: القارئ بوصفه ناقدا فاعلا

قد يبدو العنوان ملتبسا ومُحيَّرا، لأن التلازم التوصيفي والوظيفي بين القارئ والناقد من الأمور الطبيعية والضرورية، ولا تحتاج إلى تفلسف أو تهويمات لغوية، لاسيما وأن الناقد بضرورة وجوده هو القارئ «العمدة» والقارئ بوصفه التمثيلي، الذي ينشد صورة الناقد المثقف في أسئلته وكشوفاته، وفي حفرياته، وفي بحثه عن المسكوت عنه، فضلا عن أنّ ثنائية الناقد والقارئ تحولت إلى مجال مفهومي لقياس فعل الممارسة الثقافية وقوتها، وقدرتها على أن تجعل من الناقد مؤسِسا لتقاليد في فعاليات القراءة، بما يُعزز الأطروحة الإجرائية لمنهج القراءة والتلقي، لكنّ ما كتبه الشاعر هاشم شفيق عن الشاعر فوزي كريم، وضع هذه الثنائية أمام مراجعة حادة، ليس لأن هاشم أراد الاحتفاء بفوزي في ذكرى رحيله، بل لأنه وجد في سيرة احتجاجه، وفي تاريخ الرفض الذي يحمله مجالا لإعادة قراءة سيرة جيل شعري صاخب، وتحولات شعرية وثقافية تجاوزت المألوف، ووضعت السؤال الشعري في سياق من يُلوِّح بالكارثة دائما..
قرأت بإمعان ما كتبه الشاعر والقارئ هاشم شفيق عن الشاعر والناقد فوزي كريم، وبعيدا عن طابع الوفاء، الذي استغرق المقال الذي نشرته جريدة «القدس العربي» في 22 فبراير/شباط 2020، فإن ما تبدى أمامي بوضوح هو مهارة ما كتبه هاشم شفيق، بوصفه قارئا استثنائيا، في اختياراته، وفي رؤيته للأشياء التي تخصّ فوزي كريم، في فرادة علاقته بطبيعة ما يكتبه، وفي النص الذي يختاره، ويحفر في سطوحه.
الكتابة عن فوزي كريم، تحتاج إلى قارئ عميق له، مثلما تحتاج إلى ناقد يؤسس لتلك القراءة، بوصفها فعلا ثقافيا، وطريقا إلى بيان ما تكشفه نقدية المعرفة من أفكار ومفاهيم، تلك التي ينحاز اليها فوزي كثيرا، حوارا وجدلا وشكا وكشفا واختلافا ومفارقة، وهي قضايا تخصّ خياراته التي ظلت لصق وعيه القلق، وعي المثقف المغترب، المهاجر في المكان، وفي اللغة.
فوزي ينحاز إلى المختلف، إلى ما يشبهه، وإلى نوع من «الصراحة الحادة» إذ يكره الزيف، والخديعة، وأوهام البطولة المكّارة، ونزق الحميمية الطائشة، ويحب العزلة، والفرادة، وهي مقاربات يمكن معرفتها من خلال اختياراته في الكتابة، وفي طبيعة علاقته بشخصيته، فبقدر ما أنّ النص الذي يكتبه فوزي يحمل معه أسرار تشكّله، وحدّة خطابه، فإن علاقة فوزي بالنص ليست ضالة، إذ هو يشبهه تماما، كلاهما واقفان عند حافة مفتوحة للقلق، أو عند حدْسٍ يدفعهما لكتابة ما يشبه نص الاعتراف.
هذا ما أشار اليها القارئ الناقد هاشم شفيق، في سياق مقاربته للسيرة والنص والكتاب والموقف والهجرة، وكذلك في سياق قراءته الأركيولوجية، حيث يتبدى ما بقي من النص/ الأثر، وحيث يتعرّى السطح الساكن عن خديعته، ويفقد النص براءته، وليجد القارئ/ الناقد نفسه أمام كاتب استثنائي، يدرك أن الكتابة هي اللعبة الفائقة في تثبيت معرفة العالم، في رصد محنة الإنسان الذي عاشه فوزي كريم، في ترسيم حدود قلقه، في توضيح سرائر ما عاشه، وما واجهه من التباسات كبرى، تخصّ السياسة والوجود، مثلما تخصّ المكان/ البيت والمهجر، وكذلك ما يخصّ الكتاب في سياق تأليفه، أو في سياق ما يحمله، أو ما يُحيل إليه.

 تأخذ الكتابة بعد مرور عام على رحيل فوزي كريم، طابعا احتفائيا، لكنّ ما كتبه هاشم شفيق يتجاوز ذلك، إلى التعريف به، بمشروعه الشعري، بحضوره الفائق في ذاكرة الشعر والنقد والمكان، وفي سيرة الاحتجاج الثقافي العراقي، الاحتجاج المخلوط بالأدلجة والحلم، والتلويح ببيانات الثورة دائما

رغبة النقد… رغبة القراءة

من الصعب جدا فصل رغبة النقد عن رغبة القراءة، إذ تدفع الأولى إلى توسيع مديات الثانية، زيادة في مساحة المتعة، وفي تمكين الناقد من أن يكون فاعلا ليس للحفر في سيرة الكتاب، وفي تاريخ الكاتب ومهاراته ومغامراته، بل في الكشف عن سحر الكتابة التي تتحول إلى لعبة في إنارة العالم، وفي توضيح أسرار النصوص والشخصيات، مثلما تتحول إلى مساحة لإثارة الأسئلة المفارقة، التي تخصّ الفكر والجمال واللغة، أو تخصّ رؤية الشاعر لمعرفة العالم عبر اللغة.
القراءة الفاعلة في هذا السياق هي إنصات لهسيس أرواح غائرة، تلك التي ظلت ترافق حيوات فوزي كريم المتعددة، والتي تقرأ في أنثربولوجيا «ثياب الإمبراطور» وفي هوية «حامل الراية»، وفي الإحالة الرمزية لصاحب «القلب المُفكّر» وفي ذاكرة الأسئلة التي انشغل بها مدون «البيان الشعري».

القارئ وغواية النقد

الناقد هو قارئ متعال، حرّيف، يُعطي للنص النقدي هوية المكشوف عن الغطاء، ليكون العارف بأسرار الجملة الفعلية لمن «يفتح باب الطلسم» التي تستدعي إحالات سحرية ومعرفية، لاسيما حين يكون النص الخاضع للقراءة/ المكاشفة نصا أو سياقا، أو نسقا مفتوحا على فضاء من الصيرورات اللامتناهية، كما يسميها دولوز، بوصفها صيرورات تخص الكتابة والوجود والذات والمعنى..
كتب هاشم شفيق نصا تطهيريا، يستعيد رحيل فوزي كريم، ليؤشر إلى مدى خطورة الفراغ الذي تركه فوزي الإنسان، والمتمرد، والمثقف الحيوي، والعراقي الحالم دائما باستحضار الغائب.. كما أن حضور فوزي كريم في النص كان حضورا للحياة ذاتها، للأسئلة التي ظل مشغولا بها، للغموض والعتمة التي يلتذ بسحرها، للمعرفة الواسعة التي يتحمّس لها بهوس، حيث الموسيقى والفلسفة والرسم والنقد والرواية والجسد، وحيث تاريخ الريبة الذي ظل يلاحقه، ويتسرب من ذاكرته بوصفه احتجاجا، أو رفضا لظواهر الكراهية والسلطة.
مقترحات القارئ هاشم شفيق هي عتبات لتوصيف القراءة الفاعلة، التي تجعل من فعل النقد مجالا أوسع للكشف، ولإخراج الشاعر من «نصه» الشخصي، إلى فضاء المقاربة العمومي، وعبر ترسيم حدود شخصيته، تلك التي تُفكّر وتكتب وتحتج، وهي تختبئ خلف صور «الشاعر المأساوي والمتخوّف والمتطيّر والبعيد»، حيث لم يلتفت كثيرا للواقع، أو للحياة الصاخبة التي عاشها جيله «المؤدلج» بقدر ما انحاز إلى «حياة الشاعر المتسكع، والمتشرد والرافض»، وهي سمات تحولت إلى اشتغالات شعرية، وإلى مواقف وإلى مهاجر، وإلى رؤى، وإلى وعي احتجاجي ظلّ مشوبا بالقلق، حتى في مهجره الأخير البعيد والمميت.
قد تأخذ الكتابة بعد مرور عام على رحيل فوزي كريم، طابعا احتفائيا، لكنّ ما كتبه هاشم شفيق يتجاوز ذلك، إلى التعريف به، بمشروعه الشعري، بحضوره الفائق في ذاكرة الشعر والنقد والمكان، وفي سيرة الاحتجاج الثقافي العراقي، الاحتجاج المخلوط بالأدلجة والحلم، والتلويح ببيانات الثورة دائما، وأحسب أنّ قبول فوزي كريم بالتوقيع على «البيان الشعري» عام 1969 كان بسبب الجرعات العالية من الصخب والتمرد التي حملها، وهي ما أثارت غريزة التمرد لديه، بقطع النظر عن الاحتجاج الشخصي الذي ظلّ قرينا بشخصية فوزي كريم وبرفضه لتسييس الذات، وتسييس القصيدة.

٭ كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية