بيروت ـ «القدس العربي»: عرفتُ «هاشم صالح» مما ترجمه من اعمال المفكر التنويري الراحل محمد أركون، وكنت اتابع ما يكتبه بعد رحيل هذا المفكر، الى ان وجدتُ: « » (دار الساقي 2013) هذا الكتاب الذي امضيتُ بصحبته اوقاتا ضمت المتعةَ الى الفائدة، وكثيرا ما اعود اليه لانني وجدتُ في القادم من الفلسفة «طبيباً» جديراً بالثقة، يشخص داء شعوبنا المزمن ويقترح انواعا من العلاج قمينة بنقلها إلى مرحلة جديدة افضل من واقعها المتردي.
ذكّرتني محتويات الكتاب بمفكر اخر هو أدونيس، راح يواكب الانتفاضات نفسها من خلال نصوص كثيرة ينقلها الينا الاعلام، يعرض فيها موقفه منها، هذا الموقف الذي يخيل لي أحيانا أنه «مواقف». وهكذا رحت أُراكم النصوص لأجعلها شُرفة اطل منها على الانتفاضات وعلى غير الانتفاضات ايضا، كما يراها القادم من الشعر.
وقفت أمام المفكر القادم من الفلسفة، والمفكر القادم من الشعر (من دون أن يكون غريباً عن الفلسفة بحكم دراسته الجامعية إذا لم أكن مخطئاً) وقفت متأملاً ما قدماه من علاج إلى مريض واحد. من هذا المنطلق لا من أي منطلق سواه، سأحاول إقحام نفسي في ما يعنيني بحكم انتمائي إلى جمهور «المرضى» الذي أقَدم المفكران بجرأة على محاولة علاجه. وكل ما أرجوه من مغامرتي ألا أخطئ في فهم مرامي النصوص و تفسيرها، بخاصة بعد ما أرهبني ما قاله الشاعر والناقد التونسي المنصف الوهايبي في الدورة الثانية لملتقى الشعراء العرب في نايل التونسية بحضور أدونيس عن: «غياب مفهوم القارئ وعن التداخل بين الشعري وبين الفلسفي لدى أدونيس، وانعكاس عمق ثقافته في المركبات لا الثنائيات، لأن الأمر لديه لا يتعلق بتقابلات بل بانصهارات … وهذا هو الأفق الأدونيسي وبسببه يشعر القارئ بصعوبة في فهم نص أدونيس القائم على ثقافة العين والمكتوب لا على ثقافة الأذن والطرب».
توجستُ من هذا الإنذار، ولم ُيطمئني أدونيس حين قال في الملتقى نفسه «إن الآخرين من قراء وغيرهم يناقشون آراء الشاعر وانتماءاته أكثر مما يناقشون النص الذي كتبه؟
أسارع إلى القول إن ميزاني الذاتي الذي سأضع فيه بعض ما كتبه المفكران، مائل كميزان العدل في تاريخنا. ولما وصلتُ إلى هذا المفترق وقفت ومعي حيرتي المولودة من حرصي على ألا أضبط الميزان. وحدثتني نفسي بالإكثار من نقل فقرات مطولة من النصوص فاُغرق البحث. قاومت إغراء النقل، ولما وضعت كتاب الانتفاضات في مواجهة «المدارات» و»دفتر أفكار» ولقاءات الشاعر بالصحافة وكلماته في المنتديات تكونَ لدي انطباع فاجأني.
ينبغي القول إن اهتمامي حصرته بما قاله الشاعر منذ اندلاع الانتفاضات في بعض بلدان العرب، وليس في ما سأقوله أدنى اعتراض على حقه في تكوين رأيه في ما يجري، أوحقه في التعبير عن مواقفه. ولن أجافي الحقيقة إذا قلت انني أشاركه في كثير من آرائه. كما يهمني أن تسهم أعمال المثقفين السوريين القادمين من الشعر والفلسفة (لامن الروايات وما في حكمها) في نقل جماهيرنا إلى الحرية والحداثة، «على الأقل».
الانطباع الذي كونته من كتاب الانتفاضات يكاد يماثله – ربما – ما يسيطر على مشاعري وانا في دار سينما أشاهد فيلماً متميزاً من تلك التي وسمت تاريخ السينما، يشغلني عما عداه في تلك اللحظة، ويحتل أحاسيسي كلها.
أما عندما أقرأ نصوص أدونيس الراهنة، أحس كمن يجلس لمشاهدة قناة تلفزيونية يفضلها عن غيرها، فتنقله من مادة إلى اخرى في إيقاع متفاوت السرعة، ولكنها تفقده تركيز تفكيره وتوازنه أحياناً عندما تستفزه دون مسوغ، لتبعث لديه القلق الذي يؤثره الشاعر عادة. هذا أمر مقبول عند قراءة مقالات صحافية يفصل نشر بعضها زمن ما. غير أن حيرتي أو امتعاضي فمصدرهما تعريج الشاعر في كل حلقة على «الربيع العربي» وما جاء به من أوضاع، لينتقل بعد سطور قليلة إلى أمور أخرى، منها الشعر حتماً.
يستفز الشاعر أحياناً «الآخر» ويلغيه أيضاً، هل لأن الشعر آت من الانفعال، بينما يأتي النص الفلسفي من مكان آخر؟ والشاعر إذا توقف «ليفكر» أو يتفلسف فما يكتبه عندئذ يفقد شيئاً من الشعرية، لأن «العفوية» من أكثر شروط الشعر أهمية كما يقول الشعراء.
نادراً ما يتوقف القادم من الشعر عند الماضي القريب الذي لعب الدور الأكثر أهمية في اندلاع «الانتفاضات»، بينما يفضل الوقوف مطولاً عند الماضي البعيد «المقدس» لأنه في نظره يشكل جوهر المسألة.
هذا صحيح … إلا أن المسؤولين عما حدث في نصف القرن الماضي، وبخاصة منذ آذار 1963، يحملون عبئاً أكبر من أولئك، لأنهم جاؤوا من موقف غير بعيد عن موقف الشاعر لإصلاح ما أفسده الدهر، لكنهم زادوه فساداً، والبراهين أكثر من أن ُتحصى. في حين التزم القادم من الفلسفة موقفاً واضحا جداً عندما تريث مطولاً عند أصل الداء وأسباب تطوره واستفحاله في تاريخنا القريب جدا كما في قديمه جدا. مواكباً له على ضوء فلسفة التاريخ، التي أتاحت له تشخيص الداء واقتراح العلاج وتوقع المصاعب الهائلة التي تكتنف تناوله.
لا أمَلّ من قراءة الثمن الباهظ للحرية «في كتاب الانتفاضات (الفصل الثالث عشر) ولا من إعادة قراءته. كما أتوقف مراراً عند هوامش الصفحتين 74،75، ومع الفصل الثامن: أركون والفلسفة السياسية في الإسلام .. مع ذلك لن أسمح لقلمي بالاستسلام إلى إغراء الَمتْح من بئر كتاب الانتفاضات، لكي أسارع إلى التنويه بأمثولة رأيناها بالأمس القريب، يعرفها د. هاشم أكثر مني، أبرزت تأثير الفلسفة على حراك الشعوب الثوري. إنها انتفاضة أيار 1968، التي بدأها طلاب الجامعات الفرنسية وانتشرت إلى بلدان أخرى. وبرغم معرفتي بدور بعض القوى الاجنبية لاستغلال الموقف مما لا مجال لذكره هنا، إلا أن الدراسات والبحوث التى حاولت تقصي الأسباب الكامنة وراء ربيع باريس، التي طلبها ومولها الرأسماليون الكبار ومن والاهم من الاعلاميين والمثقفين، الذين أصابهم الذعر على الأنظومة كلها، كشفت الدور المهم والحاسم الذي أداه طلاب فروع الفلسفة في كليات العلوم الإنسانية، في تحضير الأفكار، وكيف كانوا دماغ الحركة الداعية إلى تغيير المجتمع. فشكلت لجان لإعادة النظر في تعليم الفلسفة، وإدخال التعديلات اللازمة إلى المناهج، من اجل طمأنة المذعورين جميعاً.
لعب نشيد «المارسييز» دوراً مهماً في حشد الجمهور للدفاع عن الثورة الفرنسية، أما من صنع الثورة فعلاً فكانوا الفلاسفة الذين أعطاهم كتاب الانتفاضات حقهم بوضوح.
لا يفوتني هنا التنويه بما قاله شاعرنا العزيز في مهرجان غرناطة الشعري، في أيار/ مايو 2012: «الشعراء أكثر تأثيراً من الروائيين في وجدان العالم .. والقصيدة أسمى مراتب الإبداع» ..
قرأتُ في الأشهر الأخيرة من 2013 والأول من 2014 عدداً من الروايات كان موضوعها أحداث سوريا .. وجدت كم أصاب الشاعر كبد الحقيقة بما قال عن الشعر والرواية، ولم يقل الفلسفة، عن دراية تامة، ويا ليته ضم الفلسفة إلى مراتب الإبداع العليا، وتَّوجها الآن في هذه المرحلة الخطيرة التي نكابدها، لأنها هي التي تُنجب الثورات وتُعلّمها ما ينتظرها من أهوال.