هاشم صالح «نعم»… أدونيس «؟» ( 3 من 3)

حجم الخط
2

بيروت ـ من عمر عفراوي: اخبرنا أدونيس ذات يوم غير بعيد: «لا أحب أن أستضيف أفكاراً كاملة، نهائية. أحب أن أستضيف أفكارا تضطرب، تحار، تتوجع، تتلمس، تتساءل، تتعثر. وأعشق مثل هذه الأفكار، أسهر معها غالباً نتحاور، وأصغي إليها تشكو البطالة والتشرد» .. أعجبني النص، فحملته ورحت أدور به على ما عندي من نصوص أدونيس. لم أفاجأ باكتشافي عدداً من المخالفات استضاف فيها أفكاراً تحمل أوجهاً مناقضة. من هذا القبيل: «ثورات قتلت معنى الإنسان ومعنى الثورة. الشاعر فيها هرطوقي. والحب كمثلِ الحكمةِ عورة ..
أليست هذه فكرة جازمة وكاملة ونهائية ؟
تفاقمت في خريف العام 2013 مسألة تجويع أعداد من السوريين بحصارهم. ونشرت الصحف معلومات مفجعة وصوراً لا تطاق، حتى أن الناس أكلوا أو أبيح لهم أكل القطط والكلاب لدرء الجوع. يوم قرأت «الفتوى» انتابني شعور لا أستطيع له ذكرا … وفي اليوم نفسه كان موعدي مع واحدة من المدارات التي أنتظرها دائماً. غير أن المصادفات شاءت أن أقرأ بقلم أدونيس هاتين الفكرتين:
– «أنت مسافر دائم في اللغة حتى عندما تكون نائمة. أعجبني ما دونته في يومياتك حول سفرك الأخير: السفر يصل أطراف الجسد بأطراف الأفق.
– اسمح لي أن أستشيرك في هذه المسألة: في أثناء حديث عن الحب مع محلل نفسي صديق، طلب إلي بإلحاح أن يحلل علاقتي بالغطاء في سرير النوم، وبالوسادة على نحو خاص. غير أنني ترددت وما أزال .. «
أعرف أن أدونيس ليس مسؤولاً عن تجويع السوريين، لكن القارئ ماذا يفعل لوصف الانفعالات التى تجتاحه وهو يقرأ النصوص، في وقت واحد، ويريد وصفها وتحليلها (إنفعالاته لا النصوص). وليس له محلل نفسي صديق؟ من كان يعرف أنه سيقرأ «الحكايتين» في آن ؟ أينبغي له يوم يقرأ أدونيس الانفصال عن واقع يأخذ بتلابيبه ليل نهار؟
أعترف بانسياقي مع الاسترسال الذي يقتل البلاغة، لكن ما العمل بمن أقنع نفسه «بأهمية» مضاهاة القادم من الشعر بالقادم من الفلسفة، وبأن الموضوع يغري بالمزيد ؟ فمنذ تعثرتُ بهذه الفكرة وأنا أُراكم الشواهد والأمثلة من نصوص الأستاذين المفكرين، فتجمعت عندي صفحات وصفحات أغرقتني. لمستُ في نصوص القادم من الفلسفة أنها تناولت انتفاضة السوريين من حيث ينبغي تناول مثل هذا الحدث. فهي ذهبت إلى منشأ الخلل وواكبت مسيرته «التاريخية» وتمكنت بذلك من تشخيص الداء، بل وشخَصَنتْهُ عند الضرورة، بما أعانها على وصف الدواء الناجع، دون أن يتوانى «الطبيب» عن تذكيرنا بالأهوال التي سوف تواكب عملية تغيير المجتمعات بعامة والمسلمة بخاصة. (هذا التغيير الذي يطالب به القادم من الشعر أيضاً بأسلوب شعري غالباً و بالإيحاء الوجيز الممزوج بنفحة غير واقعية أحياناُ، كما ينبغي للشعر أن يكون). مع ذلك أود أن أشكر الربيع العربي على «تحريره» أدونيس مع ما حرره من مكبوتات، تحريرا جديرا بالبحث والنقاش.
يوطن القادم من الفلسفة نفسه – ويهيئ القارئ – على تلقي شتى الاحتمالات الإيجابية والسلبية، ويطالبنا بألا ننخدع بالمرحلي العابر، وأن نحتفظ بتوازننا أمام ما قد يأتي على غير انتظار. بينما يختلف انفعال القادم من الشعرو تتباين ردود فعله على الأحداث حتى تشعر أنها فاجأته، فيترجم انفعالاته التي لا ُيلام عليها دائماً، في نصوص وجيزة حرصاً على البلاغة التي قد تصيب في مقتل أموراً أخرى مهمة أيضاً.
تأتي بعد مسالة أٍسلوب تناول الانتفاضة في سوريا لدى كل من القادم من الشعر والقادم من الفلسفة، تأتي مسألة توزيع المسؤولية عما حدث. المسألة واضحة عند د. هاشم وهي ليست كذلك عند أدونيس. فهو يلتقي أحياناً مع التيار الديني في أن الثورات صناعة غربية صهيونية، كما انه ُيحَمّل المعارضة مسؤولية مماثلة لمسؤولية «النظام»، وعندما يقترب من «الموضوعية» يكتب أن النظام والمعارضة وجهان لعملة واحدة. وهو كتب في مكان آخر أن الثورة في سوريا أصبحت لعبة في أياد أجنبية متنوعة همها تدمير سوريا، وأن المعارضة هي التي تدمر البلاد لا النظام.
كتب ادونيس منذ سنوات عن ظاهرة النساء «القبيسيات» في دمشق، أكثر من مرة، لكنه لم يعمق بحثه عن اسبابها، يومها استغرب كثيرون انتقاءه هذا الموضوع ـ الداخلي ـ على أهميته، وهو الذي كان يتفادى زج قلمه في شؤون سوريا «الداخلية»، وطنه الأول. كان بودي في سياق الإلماح إلى موقفه من حصر المسؤولية عما يجري في سوريا، أن أحكي له حكاية إنشاء «طالبان» السورية. نعم طالبان التي تشبه في بعض ملامحها حركة طالبان في باكستان، لعل في حكايتها ما يفيد الباحث عما وراء الأحداث ويساعده على معرفة الأسباب التي أوصلتنا إلى تصنيع داعش. إلا أن المجال لا يتسع هنا.
بدأتُ منذ مدة بتجميع نصوص أدونيس وتصنيفها في «دفتر» يومياًت دونتٌ فيه «تعليقاتي» وشروحي على هوامشه، من أجل إعداد الدفتر للنشر. وأنا الآن بانتظار عرض من ناشر إفتراضي يقدم لي فرصة وضعها في متناول هواة السجال والمماحكة والتأويل. برغم كوني مازلت متردداً في اعتماد العنوان. وفي ذهني أكثر من صيغة منها: ثبات المتحول أو المتحول الذي لا يحول. مما أحاول من ورائه الإفصاح عن نظرة فردية ذاتية (نقيض موضوعية) كونتُها من قراءة نصوص القادم من الشعر.
كان آخر ما قرأت بقلم أدونيس هذا القول المهم: (لا ُيبنىَ الانسان بقوة الكذب. يبنى بقوة الحقيقة وحدها) .. «دفتر أفكار» في دبي الثقافية – آيار 2014 .
ًنمي إلي أن بلزاك قال:
الحقيقة على هذا السفح من جبال PYRENEES هي غيرها على السفح الآخر..
لابد لقارئ نصوص أدونيس عن «الازمة» السورية من أن يلمس غياب التمق في ذكْـر اسبابها وتحولاتها، باستثناء الإلحاح على بروز الإستبداد باسم الدين. لذلك لم اطرح اسئلة عن امور تفادها على ما يبدو. كما لم اطرح اسئلة على كتابه الإنتفاضات لانني وجدت فيه ضالّتي.
كلما أحبطني القادم من الشعر وهو ُيخِسر الميزان، أفتح دفتر الشواهد وأعيد قراءة النداء المؤثر الذي وجهه أدونيس وخالدة سعيدة، في الحياة 25/3/2013 تحت عنوان: الحرية ليوسف عبدلكي: «نسأل الذين اعتقلوا الفنان يوسف عبدلكي: ما الفرق بين اعتقال فنان يمارس نشاطه الإبداعي أو يعبر عن رأيه، وقطع رأس تمثال للمعري، … والجواب لا فرق في القصد لأنه واحد: هنا وهنالك يتجسد العنف والجهل واحتقار الإنسان وعماوة الواحدية في الرأي … إلى أخر النداء ….
هنا أتصالح مع القادم من الشعر وتعاودني طمانينة قلقة، بانتظار صدمة احباط مقبلة بلا ريب، سأستعين على امتصاصها بقراءة إضافية لنداء الحرية ليوسف عبدلكي …. أما كان في وسع النداء اضافة كلمتين: وللشعب السوري ..؟

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية