هاشم ياغي في ذكراه الأربعين

حجم الخط
0

غيب الموت قبل أربعين يومًا الناقد الفلسطيني والأكاديمي المعروف الدكتور هاشم ياغي(1921- 2013).
والدكتور هاشم ياغي يعد بمعنى من المعاني من بناة الجامعة الأردنية الأوائل، وثالث ثلاثة من مؤسسي قسم اللغة العربية فيها إلى جانب د. ناصر الدين الأسد والدكتور عبد الكريم خليفة، وانضم إليهم لاحقا كل من الدكتور محمود السمرة، والدكتور عبد الرحمن ياغي.
وآخرون… وإليه أسند الفضل في إلقاء المحاضرة الافتتاحية في كلية الآدب في العام 1962 ويعزى له الفضل في وضع الكثير من التعديلات على الخطط الأكاديمية، وشغل لاحقا مناصب أكاديمية عدة، فعين رئيسا للقسم تارة، وتارة عميدا للبحث العلمي، وعميدا لكلية الآداب. وانتخِبَ في دروتين متواليتين رئيسا لرابطة الكتاب الأردنيين. وما يعنينا ها هنا موقعه في حركة النقد الأدبي الحديث في كل من فلسطين والأردن. فقد ترك الراحل الكبير سبعة عشر كتابا منها كتب في نقد الشعر، ونقد القصة القصيرة، ونقد الرواية، ومنها كتب في نقد النقد؛ ككتابه النقد الأدبي الحديث في لبنان، وكتابه حركة النقد الأدبي في فلسطين حتى عام 1948 ومن مؤلفاته كتبٌ في الشعر العربي القديم، ومن أحدثها كتاب معاناة ومعايير من جمال في قصائد جاهلية ومخضرمة1991. ومنها كتابُ ‘ شاعر من الجاهلية ‘، وكتاب عن ابن قتيبة ترجمه عن الإنجليزية لأستاذه الراحل إسحق موسى الحسيني. ووضع كتابا عن إميل حبيبي، أحد زملائه في الكلية العربية في القدس، تناول فيه جهوده في الرواية. وما يعنينا – ها هنا – هو موقفه النقدي من الشعر العربي الحديث مثلما يتراءى ويتجلى في مؤلفاته المنشورة.
ففي العام 1963 كتب الراحل الدكتور ياغي مقدمة لديوان أغنيات للصمت للشاعر عبد الرحيم عمر، وفي تلك المقدمة تبرز ملامح المنهج النقدي الاجتماعي الذي سبق له أن نوه إليه وتبناه في كتابين سابقين هما: ملامح المجتمع اللبناني الحديث والنقد الأدبي الحديث في لبنان. فمن تحليله لصورة المرأة في قصائده يرى أن هذا الشاعر لم يصل في رؤيته لواقعنا منزلة يدرك فيها الدور الإيجابي لها، فهي تظهر في بعض قصائده كالطيف أو الشبح الذي لا دور له في واقع الحياة اليومي، وهي أكثر ترددا، وهي متأرجحة الإرادة، لا تعرف الحسم، ولا البت في الأمور ، وحين يتصورها قادمة إليه في الطريق، فإنه لا يراها إلا طائرا غريبا حائرا تقوده شوارع المدينة على غير هدى، وهذه الصورة لا تختلف في رأي ناقدنا عن صورة الرومانسيين السلبية للمرأة:
يمشي بلا دليل
محيرا تقوده شوارع المدينة
ومرت الدقائق اللعينة
وكان ما خشيت أن يكون
وقيل لي ليلاك لن تجيء
ليلاي لن تجيء
يا خيبة الآمال في لقائنا البريء.
يلاحظ الناقد كذلك أن عبد الرحيم عمر في تقديمه للمرأة يلح على تلك الصورة النمطية الثابتة التقليدية التي رسمها لها الشعر الجاهلي، وإلاسلامي، والشعر الحديث المُحافظ ، فهي صورة ترسخ ذلك النظر الأحادي للغزل العذري، والإباحي، وقل أن تتراءى في شعر عبد الرحيم عمر قيمة إيجابية لموقع المرأة في التركيب الاجتماعي، مثلما ينوه إلى تلك الصورة الفريدة في قصيدة ‘ على سفينة نوح ‘ ففيها تظهر المرأة في صورة من تشاطر الرجل بسط التفاؤل والخضرة والخصب والعطاء والأمان:
عيناك حلوتان
وكالربيع فيهما تفاؤل حبيب
وخضرة ساحرة تفيض بالحنان
وأنت يا رفيقتي
تغالبين الخوفْ
وتزرعين حولك الأمان.
فأنْ يسند الشاعر للمرأة مثل هذا الدور في العطاء، والتفاؤل، والخصب ‘ الخضرة ‘ والحنان ومواجهة الخوف، وبسط الأمان، فذلك يعني عند ناقدنا الجليل أن الرؤية تختلف وتقترب بشاعرنا عبد الرحيم عمر من الرؤية الواقعية التي تتبنى التعبير عن القوى الكامنة في الحياة، والمجتمع، الداعية للتغيير، والمحفزة للثورة. وقد يكون الجزء الذي كتبه الراحل عن الشاعرة فدوى طوقان في الكتيب الذي نشره المكتب الكاثوليكي للنشر بعمان في العام 1968 غير بعيد بمرتكزاته النقدية عن تلك التي عرفناها في تقديمه لأغنيات عبد الرحيم عمر المذكورة. فهو لا يفتأ يتعقب الإشارات الخفية التي تفصح عن قلق الشاعرة الوجودي، وعن إحساسها المفرط بالحزن، والشعور بالوحدة التي تحول بينها وبين الاندغام في الواقع، بما يمور فيه من صراعات. يقتفي ذلك في ‘ وحدي مع الأيام ‘ وفي ‘ وجدتها ‘ وفي ‘ أعطنا حبا ‘ قبل أنْ تتحول الشاعرة في ديوانها ‘ أمام الباب المغلق ‘ وما تلاه من دواوين: من الانكفاء على الذات إلى الانفتاح على القصيدة التي تقاوم الاحتلال بما فيها من جموح وشموخ.
وفي العام 1972 أسهم الراحل الكبير في كتاب نشرته دائرة الثقافة والفنون بعنوان ‘ ثقافتنا في خمسين عامًا ‘ وقد تضمن الكتاب الذي أسهم فيه إلى جانب الدكتور ياغي كل من محمود سيف الدين الإيراني ومحمود العابدي ود. هاني العمد ود. عبد الرحمن ياغي، والمرحوم عيسى الناعوري، ونمر سرحان، بدراسة ضافية مطولة عن الشعر الأردني الحديث من 1850 إلى العام 1967 . وكعادته التي اتبعها في جل ما كتب عرج على تطور الحياة الاجتماعية والسياسية في الأردن خلال تلك الحقبة، لافتا النظر لما عرفه هذا البلد من تحولات أدت لبروز الطبقة المتوسطة، التي تضم شرائح المثقفين والمتعلمين والموظفين والإدارين وصغار التجار والحرفيين، مشيرا لما داعب أحلامهم وساور آمالهم من تطلعات هي في العادة مزية من مزايا هذه الشرائح. وهو يقول هذا في الدراسة لأن مصطفى وهبي التل المعروف بلقب عرار يمثل نموذجا من هؤلاء، فقد شهدت علاقته بالسلطة حينئذ الكثير من التذبذب، والتجاذب، فهو تارة مع السلطة، وطورًا على الطرف الآخر، وهذا شيء نجده يتجلى في شعره الذي نظمه ونشره بإحساس مفعم بالنقمة تارة وبالرضا تارة أخرى، يقول في إحدى قصائده التي تدل على شعوره بالإحباط:
يا هبرُ بي فقرٌ كما بك للإباء وللحمية
أولا تراني قد شبعتُ على حساب الأكثرية
وأكلت بسكوتا وهذا الشعب لا يجد القلية
ولبست إذ قومي عراة غير ما نسجت يديه
فهو لا يتردد في أن يدين نفسه بارتضائها التميز عن سائر الشعب ببعض الامتيازات، فيما يواصل الآخرون معاناتهم جوعًا وعريًا وفقرًا، وقد فسر الدكتور ياغي إشكالية الإدمان التي عرف بها عرار تفسيرا يقوم على إدراك هذا الأخير لحالة الإحباط التي يعيشها المجتمع الأردني في هاتيك الأيام. فهو يخاطب في واحدة من قصائده الجيدة أحد شيوخ الحكومة مؤكدا أنه يبحث في الحانات عن مكان ينسيه آلامه، وآلام الأرقاء من أبناء شعبه ، وهو لا يمل التأكيد على أن أبناء الأردن، لا سيما النواب منهم، لاهون في مخاصماتهم ومهاتراتهم الشخصية تاركين سواد الشعب للفاقة :
بعضهم يسكرُ للسكر وفي النـ ـناس من يسكر ياشيخُ ليصحو
أنا إن أصمت فصمتي حسبه أنه صــــوت الأرقّـــاء الأبَـحّ
وقد لاحظ الراحل الكبير أن في شعر عرار نقطة التقاء، ومفترق طرق، يتقاطع فيهما الشعر الكلاسيكي المحافظ الذي يمثله شعر حافظ وشوقي ومطران والشعر الحديث الرومانسي الذي لمعت بوارقه في أشعار الشابي، وفدوى طوقان، وبدايات السياب، ووبواكيره، وغيرهم ممن مهدوا الطريق ووطأوا الدروب لانطلاق الشعر المتحرر من النوازع التقليدية والنزعات الهروبية الفردية على مستوى الشكل، وعلى مستوى المضمون.وفي العام 1981 اصدر الدكتور ياغي كتابا جديدا بعنوان ‘ الشعر الحديث بين النظرية والتطبيق ‘. وقد تصدى فيه للإجابة عن أسئلة الحداثة في الشعر. وهي أسئلة لطالما كانت موضع تجاذب في أوساط النقدة، وقد خاض في مستنقع الاختلاف حول مفهوم الحداثة مضيفا معنى جديدا لهذا المصطلح الذي حار فيه وحوله كثيرون.. فصالوا وجالوا من غير أن يقولوا فيه كلمة فاصلة يلتقي عليها الجميع. فالحداثة في نظره هي اعتماد الشعر الرؤية الحديثة مقياسا ومعيارا للحداثة لا شيء آخر. وهذه الرؤية ليست رؤية عشوائية يلتقطها الشاعر من الطريق مثلما يقول الجاحظ، بل هي رؤية تسهم فيها، وفي صياغتها، عوامل متعددة ‘ منها ما يتصل بثقافة الشاعر، وتحضره، ورؤيته هو للتركيب الاجتماعي، ومنها ما يتصل بطبيعة العلاقة التي تجمعه بطبقات المجتمع، ومؤسساته وأفراده. وتأتي بعد ذلك كله قدرة الشاعر على تحويل هذه المواقف إلى تجارب أصيلة ذات أبعاد فسيحة في الزمان والمكان ‘. وإذن، فإن الرؤية التي يشير إليها الدكتور ياغي رؤية مركبة من ذلك كله بإضافة أمرين آخرين، هما الخيال الخالق، والوجدان العميق.
وتبعًا لذلك، لا يؤيد الراحل الكبير تلك المزاعم التي ترى في عدول الشعراء عن البنية العروضيّة التقليدية، أو الاتجاه للتفعيلة، أو لما يوصف بقصيدة النثر حداثة، فهي حداثة وهميّة، إن لم تساندها تلك الرؤية المركبة التي لا تخلو من خيال خالق، ووجدان مفعم بالألق.
وففي ضوء هذا الإطار المُحدّد لمعنى الحداثة يقرأ الدكتور ياغي أنشودة المطر للسياب، والأرض المُحجّبة لنازك الملائكة، وقصيدة ‘ أبي ‘ لصلاح عبد الصبور، وقصيدة ‘ جندي يحلم بالزنابق البيضاء .. ‘ لمحمود درويش.
فأنشودة المطر تجسيد لهذ الرؤية المركبة، انتهت بالشاعر الثائر للتبشير بقوى التغيير التي تتصاعد من رماد الواقع المحترق. وأما قصيدة جندي يحلم بالزنابق .. فقد جسد الشاعر فيها هذه الرؤية من توظيفه للعلاقة الجدلية بين الأنا(الذات) والآخر، من جهة، والعلاقة بين الأنا والوطن من جهة أخرى. في صور لا ينقصها التركيب الذي يتمثل في عدد من المفارقات التي تشف عن حقيقة الاختلاف بين أصحاب الأرض والاحتلاليين:
وكلّ ما يربطني بالأرض من أواصر
مقالة نارية، محاضرة
قد علّموني أن أحبّ حبّها
ولم أحسّ أنّ قلبي قلبُها
ولم أشم العشب
والجذور والغصون.
واللافت للنظر أن الرؤية الحديثة بمفهوم الدكتور ياغي لا تكتسب هويتها الحداثية من الموضوع، أو المضمون، فقصيدة أبي لعبد الصبور موضوعها رثاءُ الأب، وهو موضوع تقليدي، إذا أردنا الدقة في الوصف، والإصابة في ‘ التغريض ‘، ولكنها مع ذلك كتبت برؤية حداثية، غير أن الشاعر عبد الصبور قصَّر في رؤيته الحداثية هذه تقصيرا قعد به عن بلوغ ما بلغه السياب في أنشودة المطر، ودرويش في جندي يحلم بالزنابق.. فقد كبح جماح رؤيته تلك ذلك الرسيس التقليدي الذي يوهم الشاعر بأن رثاء الأب يظل في نهاية الأمر موضوعا فرديا خالصًا. فعلى الرغم من لجوء الشاعر عبد الصبور للتفعيلة بدلا من البحر، وتقطيع القصيدة إلى قصائد قصيرة، وعلى الرغم من امتلاء القصيدة بالصور العديدة إلا أنه لم يستطع أن يضفي على مسألة الموت بعدًا غير ذاتي، ولا فردي، يوحي بأن له تاثيرًا في رؤية الشاعر للعالم. وقد توهمتْ نازك الملائكة أنها بمبالغاتها المتكررة في وصف الشقاء الذي تعاني منه الجماهير في قصيدتها الموسومة بالأرض المحجبة، وأنها بذلك يمكنها أن تبلغ ما بلغه السياب من رؤية حداثية في أنشودة المطر، وذلك لأنَّ القصيدة في رأيه- أخفقت في رؤية العوامل التي تؤدي لتغيير حياة هؤلاء الناس، وتعبيرُها عن الصراع الطبقي تعبيرٌ يتَّسمُ بالسطحية، والسذاجة، والركاكة، فجاءت قصيدة الأرض المحجّبة بسبب ذلك قصيدة مفككة خالية من الوحدة.
مما سبق يلاحظ المتتبع لما أسهم به الراحل العزيز من دراساتٍ، ومقالاتٍ، عن الشعر الحديث، عمْق بصيرته، ونفاذ رؤيته، لما طرحته الكتابة الشعرية الحديثة، والقصيدة المعاصرة، من تساؤلات حول الحداثة، والأصالة، وعلاقة الشاعر بالواقع، وعلاقته بالسلطة، والموقف من الوجدان، والخيال الخلاق، والصورة، والمرأة، والمدارس الأدبيّة، من رومنسيّة وواقعية. وهذه تساؤلات لا نظنها باليسيرة على أديب اقتصر تخصصه الدقيق على الشعر الجاهلي، فماذا لو أنه متخصص في الحديث؟ سؤال لا ينبغي أن ننتظر طويلا في الإجابة عنه، فالذي قدمه في نقد الشعر الحديث، والقصة القصيرة، والنقد الحديث في لبنان، والنقد الحديث في فلسطين، كفيل بالإجابة عن هذا السؤال بما يؤكد ما طبع عليه الدكتور ياغي من رؤية نافذة، وأفق متسع.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية