هالة صدقي في مدينة فشفوش .. ومغاربة يتهجون لغة بلادهم

حجم الخط
0

الطاهر الطويل

وحدها هالة صدقي تعرف ذلك. إنها توجد في شمال المملكة! فمدينة شفشاون صارت بقدرة قادر عند الممثلة المصرية المذكورة فشفوش! تحدثت عن ذلك في البرنامج التلفزيوني بالقناة المغربية نغموتاي (أي نغمة وشاي). لقد نالت هالة ما تستحق من اهتمام وحفاوة خلال وجودها بالمغرب قبل بضعة أسابيع، حيث شاركت في عضوية لجنة التحكيم الخاصة بمهرجان تطوان السينمائي، ونُظمت لها زيارات إلي عدد من المناطق المغربية، وزاحم المسؤولون المعجبين في أخذ صور معها، وتنافسوا في إغراقها بالكرم المغربي المعهود. وحين ظهرت تلك الفنانة في برنامج نغموتاي التلفزيوني، أرادت أن تبرهن للجمهور المغربي علي كونها أصبحت تعرف المغرب جيدا، فأخذت تذكر المدن المغربية التي زارتها، وبذلت مجهودا خارقا في عملية التذكر، وكأنها اكتشفت أخيرا جزيرة الواق واق! هل الذنب ذنبها هي؟ أم ذنب المسؤولين المغاربة الذين يفكرون في كل شيء خلال استضافة الفنانين الأجانب، يفكرون في الفنادق الفخمة التي تأويهم، وفي الولائم التي يقيمونها علي شرفهم، والحفلات الخاصة والعامة التي يحيونها لأجلهم، وفي الهدايا الثمينة التي يقدمونها لهم… وينسون أو يتناسون شيئا أساسيا ومهما: أن يعرّفوهم علي حضارة المغرب وثقافته وفنونه وأعلامه البارزين. فلا عجب، إذن، إن وجدنا كثيرا من نجوم الشاشة لا يتذكرون من المغرب سوي أفاعي ساحة جامع الفنا بمراكش، أو ملاعب الغولف أو شواطئ أغادير وكازينوهاتها، أو جِمال الأقاليم الصحراوية. ولا عجب، أيضا، إن وجدنا هالة صدقي تنطق شفشاون فشفوش. والظاهر أنها كانت تريد أن تتحدث عن الفشوش (أي الدلع والدلال) الذي قوبلت به حينما حلت في بلاد المغرب. بينما نجد المواطن المغربي البسيط يحفظ عن ظهر قلب ليس فقط أسماء أهم المدن المصرية الكبري، وإنما كذلك شوارعها وأزقتها وحاراتها وأماكنها السياحية والأثرية البارزة. ليس لأنه سبق له زيارتها، بل لأنه يعيش معها يوميا تقريبا في المسلسلات والأفلام المصرية.

لغة الغربان! نبقي مع الفنانة هالة صدقي التي إن كانت أخطأت في اسم مدينة شفشاون، فإنها أصابت في وصف حال العديد من المغاربة وطريقة تعاملهم مع لغتهم الأم العربية. قالت هالة، خلال البرنامج التلفزيوني المشار إليه، إنها لا تفهم المغاربة حينما يتحدثون في ما بينهم، لأنهم يخلطون كلمات وتعابير فرنسية بلغتهم العامّية.

والحقيقة أن هذه الآفة تظهر بقوة في مختلف البرامج التلفزيونية، سواء كانت فنية أو اقتصادية أو سياسية أو حتي ترفيهية. إذ يحرص الكثير من المتحدثين علي التشدق بمفردات فرنسية ويخلطونها بالدارجة المغربية؛ ذريعتهم في ذلك أنهم مُفَرْنَسُون، والحال أنهم مُستلبون، ومصابون بعقدة محاكاة المستعمِر الفرنسي القديم، ويتصورون أن مجرد النطق بلغته يصبحون في نفس مرتبته الحضارية والفكرية والمجتمعية. لا أود أن يُفهم من كلامي هذا نوع من التعصب للغة الضاد، كلا ثم كلا. فأنا مع المقولة التي تفيد أن من يعرف لغة واحدة فقط (أي اللغة التي يتحدث بها) هو أشبه بالأمي. ولكن، إتقان لغة أجنبية ما والتواصل بها مع الأجنبي شيء، والتبجح للحديث بها مع ابن البلد شيء آخر. ما الداعي للتكلم في برامج تلفزيونية مغربية أمام جمهور مغربي بلغة هجينة، أو لنقل عجينة، لا هي بالعربية مئة بالمئة ولا بالفرنسية مئة بالمئة؟

والحق يقال إن هذه العادة المغربية غير الصحية لا نكاد نجد مثيلا لها في التلفزيونات المشرقية، فحينما تستضيف فضائية عربية ما فنانا أو إعلاميا أو سياسيا لا نجده يقحم اللغة الأجنبية في كلامه. فحتي رجال المال والأعمال وكذا العلوم والتقنيات الذين من المفترض أنهم تلقوا تكوينهم وتعليمهم بالانكليزية، لا يتبجحون بإيراد مفردات بهذه اللغة في حواراتهم التلفزيونية.

وما دام الشيء بالشيء يذكر، نشير إلي البرنامج الذي شرع التلفزيون المغربي في بثه السبت الماضي تحت اسم الأولي شو. لن أناقش مضمون البرنامج فذاك موضوع آخر، ولكن ما يهمني في هذا السياق هو اللغة التي يتلفظ بها مقدم هذه السهرة: فنور الدين كرم وقع له ما وقع للغراب الذي أراد تقليد مشية الحمامة فضيّع مشيته، إذ أن كلامه تغلب عليه مفردات فرنسية لدرجة أن العامّية التي يتلفظ بها غريبة عن تلك المتداولة عند أغلب المغاربة. ولا عجب في ذلك، فنور الدين كرم الذي أراد البعض أن يجعل منه نجما إعلاميا، ابتكر أسلوبا جديدا في التواصل عبر الإذاعة والتلفزيون يقوم علي التحرر التام وإطلاق الكلام علي عواهنه، وذلك من خلال برنامجه الإذاعي سبت الحيحة الذي يقال إنه حقق رقما قياسيا في الاستماع، بينما هو رقم قياسي في التمياع، أي الميوعة! الجزيرة المغضوب عليها! عجيب أمر الكثير من السياسيين المغاربة مع قناة الجزيرة الفضائية؛ يحبونها حينا، ويمقتونها حينا آخر! يحبونها حين تستضيفهم، وتهتم بنشاطاتهم، وتمرر وجوههم إلي العالم عبر شاشتها واسعة الانتشار. ويجاهرونها بالعداء حين تنساهم، وتغض الطرف عنهم، وتبث تصريحات خصومهم السياسيين!

هذه الأيام، السهام موجهة إلي الجزيرة من كل حدب وصوب: فمرة تُتهم بالتحيز للإسلاميين، وبكونها تأخذ فقط تصريحات شخصيات تنتمي لحزب العدالة والتنمية. ومرة أخري، يقال إنها تتعامل بتحيز وعدم موضوعية مع قضية الصحراء، ومرة ثالثة تؤاخذ بكونها بثت أخبارا مغلوطة وإشاعات تتعلق بأحداث الدار البيضاء الإرهابية الأخيرة، وأنها تعاملت بكثير من المبالغة والتهويل مع تلك الأحداث. لست هنا بصدد الدفاع عن الجزيرة ولا تبرير أخطائها الحاصلة أو المفترضة (وكل عمل معرض للخطأ) فهي كما نقول فرّان وقادْ بْحُومة (أي فرن خبز تقليدي يكفي لحارة بكاملها). ولكن الملاحظ أن الكثير من السياسيين المغاربة يريدون أن تنظر تلك القناة بمنظورهم الخاص للأحداث المحلية، وأن تكون مغربية أكثر منهم! يصفقون لها حين تتعامل بمهنية وموضوعية مع أحداث عربية ودولية أخري، ولكنهم يمتعضون ويغضبون منها حين تسعي للتعامل بالمهنية والموضوعية نفسها مع القضايا المغربية.

الكثيرون لا يقدّرون معني أن تُبَثّ نشرة المغرب العربي انطلاقا من الرباط، وكذا الانطباع الإيجابي الذي يكتسبه المغرب في العالم من وراء هذه التجربة المتميزة. ففي ذلك عربون علي شساعة المدي الذي يوفره هذا البلد في مجال حرية التعبير والإيمان بالتعددية والاختلاف وقبول الرأي الآخر. فلماذا يريد بعض السياسيين المغاربة أن يوحوا بوجود عكس هذه الصورة، وذلك انطلاقا من حسابات ضيقة وأحيانا ذاتية؟ فليطبّقوا علي الأقل مضمون المَثل العامّي القشابة واسعة، بمعني أن الصدر رحب للنقد وحتي للسخرية!

كاتب صحافي من المغرب[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية