‘هالووين’ عربي

حجم الخط
0

عناية جابر

لعلنا أكثر استحقاقاً وجدارة نحن العرب بعيد ‘هالووين’ متصل ودائم، وهو نفسه عيد جميع القديسين ويقام له احتفال في ليلة 31 تشرين الاول/أكتوبر من كل عام (عطلة سنوية) وبشكل خاص في أمريكا وكندا وإيرلندا وبريطانيا وبلدان أخرى من العالم. نحن الأجدى والأحقّ بعيد ‘هالوويين لنا، متصل ودائم وتناسبنا الخدع المتصلة به، والملابس الغريبة، والأقنعة، خصوصاً (الأقنعة) كما استعادة الحكايا المرعبة، شفاهياً وبصرياً في التلفزيونات ودور السينما والشوارع حتى، فشوارعنا مرتع خصب للأشباح، وبيوتنا مزينة سلفاً لاباليقطين والزينة على غرار الأجانب بل بالجماجم من كل نوع وحجم. يليق بنا هذا العيد ما دمنا نرتدي سلفاً أقنعتنا المرعبة وحلانا المشكوكة بغيرالبصل والثوم، بل بالمتفجرات الحقيقية، ثم أننا بدل رشّ بيوتنا بالملح لدرء الأرواح الشريرة كما يفعل الأجانب الحمقى الذين لايفقهون شيئاً في معنى عيدهم، نرشّها بالديناميت والصواريخ والآربيجيهات، لإغواء تلك الأرواح واستدعائها الى حياتنا العربية.

أصحاب العيد الحقيقيون في أمريكا وسواها يتنكرون كباراً وصغاراً لكي لا تعرفهم الأرواح الشريرة، حيث تقول الأسطورة إن الأرواح تعود في هذه الليلة من البرزخ الى الأرض، تسود وتموج حتى الصباح التالي. نحن متنكرون خلقة، وجاهزون للحلول محل تلك الأرواح لأننا أكثر شراً منها، وبدل توزيع الحلوى والكاراميل على الأطفال، نقتلهم.

قيل عن الـ’هالووين’ انها أكثر الإحتفالات رعباً، تستهوي الكثيرين في الغرب وتؤثّر ما زالت في أجيال الحاضر. تعطينا هذه المناسبة الكثير من الإستبصارات الجديدة العميقة عن سر وجودنا العربي، اللبناني على وجه الخصوص، وتُسهم في إزاحة الغطاء عن انسانيتنا، وكشفها في مواجهة كل ما يتهددها. من يريد أن يرى الأ’هالووين’ على حقيقته، ليس بصفته عيداً أو مناسبة في الغرب، عليه أن يعاينه هنا في لبنان. هالوويننا فلسفة، معيار نستطيع بواسطته أن نرى الى ظواهرنا السياسية والأمنية البشعة، من دون أن يكون باستطاعتنا تقويمها. نُسقط عن هذا العيد الغربي وأشباحه، حقائق لاغنى عنها في حياتنا اللبنانية، حقائق أكثر حقيقية من أية هالووينات اخرى، جاعلة من حياتنا هالوويناً دائماً، له سحرته وأشباحه وشياطينه ورعبه الخرافي المستمر، غير ملتزم لا بعيد جميع القديسين الذين قتلناهم بأيدينا، ولا بزمنه الذي يروح وينقضي لحظة طلوع الفجر، ولا بيقطيناته الحمراء والبيضاء التي ‘طبشناها’ على رؤوس أطفالنا. إنه الرعب عندنا، بكل جبروته يقوّض بلداً كاملاً ويُشظيه، ناثراً آلاف الهالووينات التي تنخر عصب نهاراتنا وليالينا.

الهالووين اللبناني هو طقس جماعي، ومسيرة مخيفة وعنيدة باتجاه الإمساك بخناق كلّ منّا وعدم فكّ أسره.

كل طائفة عندنا تفترض امتلاكها الحقيقة، ماحية من دربها كل الحقائق الأخرى، وفاتحة دائرة الإفتراضات والظنون التي لا تنتهي. كل حزب يعتبر طروحاته مفاتيح لحلول مُثلى، وهي فُضلى دائماً، ولا تماثلها أية حلول أخرى.

الـ’هالووين’ اللبناني، يُعشّش في عقول مسؤوليه، عقول ترفض الحوار مع الاخر، تسخر منه وتحتقره. وسط السجالات/ الهالووينات، الطائفية والعنفية والسلفية التي تسمعون، ووسط الرفض الصريح والمعلن لأية بادرة رحمة على ما تبقى من النزعة الإنسانية للمواطن اللبناني، نعاني نحن المغدورين بإنسانيتنا، هالوويناً مُستمراً تُظهّرهُ كآبتنا التي تفوق الوصف، وبشراتنا الشاحبة وعيوننا المتعبة وحدقاتنا الجاحظة، وأعصابنا التالفة وأدمغتنا التي غدت يقطينيات متشظية بفعل العنف الهالوويني اليومي من دون أية خلفية دينية قدسية. كل هواجسنا وخوفنا ورعبنا لم تفقد شيئاً من نضارتها طوال حياتنا اللبنانية.

مع الهالووين اليومي المستمر عندنا،(لسنا أسوأ حالاً بالطبع من هالووينات عراقية وفلسطينية وسودانية) يبدو العالم كما كان أصلاً، عالماً بدائياً وحشياً، يحكمه السحرة، وعالماً يلعب الخوف فيه الدور الأول والأهم. زعيم الطائفة، أو القائد، ويبقى مخيفاً مادام قادراً على الإحتفاظ بسلطته، بينما نحن الأغلبية طين هش بين يديه. البلد، بسبب هذا الزعيم وبسبب امثاله، مفعم دائماً بالتوتر، وأهله لايمكنهم التنبؤ بما يحدث في غدهم. نواة مجتمعنا اللبناني البدائية- بسبب وجود وتنامي بطش زعماء الطوائف- هي شهوات حادة للتدمير والقتل، وانفعالات هستيرية، وفضول مرعب الى إرساء حال من الخراب العميم.

الهالووين المناسباتي في أمريكا وسواها (ليلة وحيدة يطلع فيها الصباح على الأطفال وجيوبهم ملأى بالكاراميل) في حقيقته البريئة التي لا تتعدى تنّكر الناس كباراً وصغارا ببعض الملابس المرعبة مُداعبين بها جيراناً وأقارب (وليس بالأحزمة الناسفة) سرعان ما يخلعونها ليعودوا الى ارتداء بيجاماتهم الزهرية والزرقاء، وليأووا الى مخادعهم هانئين بالعيد وغنائمه السُكرية.

الهالووين الحقيقي صدقاً عندنا، في إطلالات رجال السياسة وبعض رجال الإعلام والمتطفلين والمذيعين على شاشات التلفزة، وهو حقيقي في تفجير الناس في الكنائس والمعابد والجوامع والبيوت والشوارع، وفي غزة والقدس وأم الفحم، وهنا وهناك في هذا العالم العربي، وليس من فجر له، ولا أمن أو سلام يلوحان في نهايته، وكل يوم عربي يتطلّب منّا ومن أطفالنا، إختباراً جديداً لطاقتنا النفسية، ليأسنا وانعدام الأمل في رغبتنا الى الإفلات من القهر ومعاودة الإحساس بحياة سوية.qlaqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية