يعتزم الجيش الإسرائيلي الشروع في تحقيقات عن الحرب وعما سبقها فور استقرار الوضع في غرب خان يونس. وهذه تحقيقات داخلية في إطار سلسلة القيادة. في النهاية، سيكون واجباً على رئيس الأركان تعيين فريق خارجي من ألوية متقاعدين لمراجعة النتائج. هذا هو السبيل الذي يفحص فيه الجيش سبب فشله. فالنقد الذي وجهه وزراء الحكومة لرئيس الأركان عندما تسرب نبأ لوسائل الإعلام، شهد عن فزع تلبسهم كلما طرح البحث في مصيبة 7 أكتوبر. هم خائفون.
إن تهجم بن غفير على رئيس الأركان في جلسة الحكومة أمس، كان سائباً أكثر من ذلك؛ كان سبب غضب بن غفير أن رئيس الأركان طلب من الشرطة الاهتمام بإدخال المساعدات الإنسانية إلى غزة كالمعتاد. المساعدات الإنسانية ليست هواية للجيش الإسرائيلي. من قررها هو الكابينت الذي يشغل بن غفير عضواً فيه. وبدلاً من أن يلوم رئيس الأركان فلا يلوم إلا نفسه.
لا مفر من قول الحقيقة مهما أوجعت: المساعدات الإنسانية ليست خط حياة للغزيين؛ إنما أداة تسمح للجيش الإسرائيلي بمواصلة القتال. ثمة لواء موسع من حماس، اللواء المؤهل الأخير، يعمل في رفح ومحيطها. ربما يكون قسم كبير من سلسلة القيادة موجوداً هناك. الإمكانية الوحيدة للعمل في رفح هو ما عمله الجيش في غزة وخان يونس، أي نقل 1.3 مليون نازح طردوا إلى هناك، والوصول إلى تفاهمات مع مصر والأمريكيين. الجيش مقتنع بوجوب توسيع وتحسين المساعدات وإلا ستشطب رفح عن جدول الأعمال. فماذا يفعل نتنياهو؟ يعلن بأنه “يوجه” الجيش للاستعداد للدخول إلى رفح، وبالتوازي يسمح لبن غفير وزملائه في الحكومة عرقلة الدخول إلى رفح.
هذا ما يحصل عندما يقود الحكومة كهانيون، بينما من يحمل لقب رئيس وزراء يبحث عن حجة. عندما يُسأل مسؤولون كبار في الجيش ما المقصود بأمر “النصر المطلق” الذي يكثر نتنياهو من استخدامه في خطاباته، يهزون أكتافهم. فلا نصر مطلقاً في حرب ضد منظمة إرهاب. لن يتحقق النصر إلا حين يملأ فعل سياسي الفراغ الذي خلقه الجيش في سيطرته على غزة، وغياب هذا الفعل سيبخر كل إنجازات الجيش في الميدان.
يتعذب وزراء “الكابينت الضيق” في الأيام الأخيرة بشأن كيفية الرد على مقترح إطار الصفقة الذي وضعته حماس على الطاولة. بالفعل، النقاش معذب؛ فالمطالب الأولية قاسية حتى متعذرة، وأساساً في المرحلتين الثانية والثالثة. لم تتوفر رافعة في هذه الأثناء تجبر حماس على تخفيف الحدة. لكن ثمة نقاش مهم غائب حتى اللحظة: ماذا سيحدث إن لم تتم صفقة؟ ماذا عن الواقع في غزة والغلاف؟ في الحدود الشمالية؟ يبدو أن الجيش بلا خطة.
بعض الوزراء يقولون “لا مشكلة”، سيبقى الجيش في غزة كجيش احتلال لسنة أخرى. وإن شئنا أقمنا المستوطنات من جديد. وعلاوة، سنحتل جنوب لبنان ونقيم الحزام الأمني من جديد. جنود الاحتياط سيتذمرون قليلاً، لكنهم سيتكيفون؛ وسيتدبر الاقتصاد أمره بمعونة الرب، وسينشغل الأمريكيين في شؤون أخرى. هكذا سيكون نصرنا المطلق.
الفجوة بين المستوى المتصدر في الحكومة والمستوى المتصدر في الجيش واسعة. تعول الحكومة على محافل تجلب عمالاً هنوداً بدل الفلسطينيين؛ والجيش قلق من بوادر الخراب الاقتصادي في الضفة. بعد شهر يبدأ رمضان، ولا مال ولا عمل. أما السلاح فموجود: ستترجم الضائقة إلى إرهاب. صحيح أن الجمهور الإسرائيلي يجد صعوبة، وعن حق، في رؤية عمال بناء فلسطينيين في أحيائهم السكنية خصوصاً بعد 7 أكتوبر، لكن يجب الحسم أحياناً. السيناريوهات المتطرفة في جهاز الأمن قاسية؛ فهي تتحدث عن أنه إضافة إلى حماس و”الجهاد” [الإسلامي] سيوجه تنظيم (فتح) وأجهزة الأمن فوهات بنادقها ضد إسرائيل. كما حدث في حملة “السور الواقي”. الأمر الأخير الذي تحتاجه إسرائيل الآن هو انتفاضة في الضفة، معركة قد تتسلل إلى شرقي القدس والمدن المختلطة.
“ما العلاقة بين الحكومة والحرب”؟ سأل الوزير غولدكنوف الأسبوع الماضي. بتفكير أولي، بدا أن الرجل لا يدرك أين يعيش وممن يتلقى الراتب. وبتفكير آخر، يبدو عبقرياً: يفهم الحكومة التي هو عضو فيها أكثر منا جميعاً.
ناحوم برنياع
يديعوت أحرونوت 12/2/2024