لم تتعب النخب الثقافية السورية نفسها كثيرا بشرح ماهية كل من الحل الأمني والحل السياسي، أو بتعريف السلمي وغير السلمي للمواطن البسيط، لتزويده بأداة معرفية تمكنه من تمييز تداخلات محتملة، ومن قياس مصداقية الأطراف المتنازعة.
قد يقول قائل: ما الحاجة لرفاه كذلك طالما أن النخب ومنذ أكثر من ألف سنه تقرر مصير الناس البسطاء، وتمتلك المقدرة على أن تلعب بكل مرجعية لتكيف دلالتها في اتجاه محدد اليوم، وفي اتجاه مغاير له غدا، وهل لمن يمتلك هامشا كذلك أن يتخلى عنه؟ واقعيا.. لا توجد بين يدي المواطن السوري البسيط وسيلة توضح له ما هو المقصود عندما ينطق أحدهم بكلمة: ‘ديمقراطية’، بل ويبدو له أن دلالاتها تتغير بتغير من ينطقها. كذلك هو حال مفردات أخرى يستخدمها المثقفون والساسة في السلطة والمعارضة.
ألا يتضمن تجنب كل من السلطة والمعارضات و’المستقلين’ إيضاح وتحديد النظم والمعايير التي يخضع لها القول والأداء، رغبة في تفريغ الواقع من أدوات تقيس ملوحة أو حلاوة ذلك القول وقلوية أو حموضة ذلك السلوك؟ بغياب النظم والمعايير يمكن لكل شخص أن يوصف حدثا ما.. كما يشاء، بل وأن يلغي وقوعه، ويختلق آخر لم يقع، ويصبح الكلام شبيها بعملة مطبوعة يتم تداولها وليس من اقتصاد يغطي قيمتها.
هو تغييب قد يسفر عن وضع الحكيم والأحمق في سلة واحدة، وأدهى ما يخشى منه؛ كونه حالة تحتوي إعادة إنتاج ما يعيق أو يلغي مبدأ المحاسبة، ولطالما كان ذلك الإلغاء من أركان الاستبداد الثقافي والسياسي و’الأبوي’، ثالوث عصور الانحطاط، و.. ‘الإناء ينضح بما فيه’. قبل اندلاع الأزمة السورية، ثم وفي بدايتها، علت المطالبات بمؤتمر حوار وطني، ودعت السلطة المعارضات السياسية في الداخل والخارج إلى مائدة حوار، فكان أن اختارت أطراف منها الرفض المطلق مطالبة باستقالة الرئيس وإسقاط النظام، وتمسكت أطراف أخرى بمبدأ الحوار مشترطة تهيئة بيئة مناسبة له. هل يمكن للموقفين السالفين أن يكونا الشيء نفسه؟ حضر أحد الطرفين السابقين مؤتمر الصهيوني برنار ليفي، وأدان الآخر المؤتمر ومن حضره، فهل يمكن أن يكون لهما نفس الأدوات داخل سورية؟ إذا كان الجواب نعم، فذلك يعني أن أدوات النجارة قد تصلح للدباغة.
لماذا لم يحرص الطرف الثاني على فصل واضح لأدواته عن أدوات الأول، ولماذا كيفت السلطة نفسها وبالدرجة الأولى لمواجهة الطرف الأول، ولم تلحظ وبإيجابية مناسبة أهمية الحضور السياسي للطرف الثاني لبناء آليات الخروج من الأزمة؟
ألا يشي ذلك بأنها وعلى الأقل مترددة بشأن تشاركية للسلطات في إطار توافق وطني؟
وهل ثمة حل بدون تشاركية؟ أليس رفض التشاركية، اصطفافا مع ‘لا للحوار’؟ نقتبس من تصريح للناطق باسم لجنة التنسيق من أجل التغيير الديمقراطي في سورية: ‘تعلوا بصورة وقحة أصوات سورية من خارج الوطن مطالبة بـ’حماية الشعب السوري’، بل وشوهدت أيضا يافطات في المظاهرات تنادي بمطالب مشابهة’، و’أعلن ساركوزي (31 تموز) أن ‘حماية الشعب السوري من مسؤولية منظمة الأمم المتحدة، وأن التدابير.. تتوقف على قرار دولي في هذا الشأن’، وكان (السيد و.
ح) أحد المشاركين في مؤتمر اسطنبول.. مطالبا بفرض ‘حظر جوي عسكري’ في السماء السورية، أو تحديد ‘مناطق آمنة لحماية الشعب السوري’.. و’أدلى السيد الناطق الرسمي باسم الإخوان المسلمين في سورية (ز.
س) بحديث لقناة المستقبل اللبنانية.. أكد فيه ان النظام الحاكم في سورية ‘هو المسؤول عن التدخل الأجنبي’. رغم أن العراق ما زال ينزف، ثمة من يضع كل بيض بلاده في سلة آخر مشهور بشراهته لأكله نيئا ومسلوقا ومقليا، ثم يقول أنه فعل ذلك لخيرها، وإن أُكِلَ البيض، فتلك مسؤولية خصمه السياسي وحده (هنا هو السلطة)! إفتاء سوقه ‘علماني جبري’ حينا و’لاهوتي جبري’ تارة، مثبتين قدرية تلغي السؤال والحوار معا، وتكرس إرادة تصر على إعادة إنتاج الاستبداد، ومنهج تفكير ضد عقلاني.
كتب صبحي غندور: ‘على قوى المعارضة السورية أن تكون واضحةً في قياداتها وفي برنامجها لا في أساليبها فقط’، ورفض: ‘خيار الحكومات (إمّا الحاكم أو الفوضى)، وخيار المعارضات (إمّا الديمقراطية أو التقسيم)’. بكل أسف نقول للسيد غندور: أن المعارضات السياسية لا تستطيع أن ترتقي إلى ما طالبها به، ونرجح لن تفعل ذلك لاحقا، فالديمقراطية ليست هدف يجمعها، وهناك أهداف تفرقها، وسينضج البوح. في انتظار ذلك نتساءل: هل يمكن إنجاز جمع (تكامل) بين من يسعى لتدخل عسكري خارجي، وبين من يدين ذلك بحزم وشدة، ومن غير أن يغير أحدهما موقفه؟ وماذا تعني محاولات الجمع؟!
هل هي للتشكيك بصدقية المعارضة الوطنية (الطرف الثاني) وصولا لخنق كل فرص الحوار؟ ألا يشي كون الدكتور برهان غليون مرشحا لسدة القيادة في معظم هيئات المعارضات رغم اختلافها وتناقضاتها العميقة، باختلاطات مشبوهة لا تحترم الأسس الوطنية الجامعة؟
نستشهد بتصريح للدكتور هيثم المناع (فضائية روسيا اليوم): ‘الدعوة لتأسيس مجلس للثورة في سورية، التي أطلقها غليون، أمر في غاية الخطورة’، ‘كل من يدفعنا إلى الاستعجال له أجندة لا تخدم الشعب’، ‘إن الغرب يحسب حساب الأمن الإسرائيلي، أكثر مما يحسب حساب الأمن الوطني السوري أو الفلسطيني، ويريد أن ‘نكون ثوريين بالوكالة في معركته مع النووي الإيراني.. يريدنا أن نقوم بحرب بالوكالة لا بثورة بالأصالة؟’. هل يمكن اللعب بالأسس الجامعة، والمحافظة على سلامتها في الوقت نفسه؟
نستطيع أن نتفهم رفع تشرشل لقبعته محييا داعرات سوهو، في إطار جهده لحشد كل طاقات الأمة من أجل الدفاع عن الوطن خلال الحرب العالمية الثانية، لكنا لا نستطيع أن نتفهم أي غض للطرف تجاه من يصادق المستسقين لتدخل عسكري خارجي في وطننا. يبدو أن تلك الفوضى قد نجحت بإنتاج حالة ذهنية عند البعض، بدت لها معظم القنوات التي يمكن للحوار أن يسلكها وكأنها سدت. ربما ذلك هو ما هيج فحول المعارضات في الخارج والطامحة بوكالة تزعم القطيع، فبدت مؤخرا وكأنها في ذروة دورتها النزوية، وبعض ما أفرزته غددها؛ ‘مجلس وطني انتقالي، ودعوة لتأسيس مجلس للثورة’. لا يملك المواطن البسيط ما يقدم له صورة عما قد يفعله أي من المجلسين، ولا عن آليات الفعل، أو ضوابط لقرار قد يتخذه أحدهما ويرهن مستقبل البلاد، أو إلى أين سيفضى بها إلغاء فكرة الحوار(سلطة معارضة)، وما هي الفواتير المحتمل أن يدفعها هو نتيجة لذلك!
عمليا.. هناك مجموعات تدور في العواصم الأجنبية، وتتجر مع من يسوقها من مؤتمر لآخر، وما يعرض للبيع في أسواق النخاسة تلك؛ هو مستقبل سوريا. كم حياة ستزهق؟! لطالما رافقت الطيور القمامة الضواري لتلهم ما تخلفه بعد أن تشبع. للأسف لم تضع المعارضة الوطنية ومنذ بداية الأزمة، مواجهة أولئك النخاسين و’أدواتهم’ في سلم أولوياتها (لم تكن هفوتها الوحيدة)، مما أتاح لهم الوقت والفرصة للتنقل من عاصمة لأخرى، والتحدث ‘ديمقراطيا’ لهذا أو لتلك، باسم شعب لم يفوضهم، دافعين لمزيد من تقسيم وعسكرة شارعه، في سياق مشروع طهي سوريا.
يعاقب الزمن على كل ‘هفوة’، وهاهو يعاقب سورية على فساد سلطة استشرى، كما عاقب الحضارة العربية الإسلامية على استنباتها لثقافة الجبرية. علي محمد – اللاذقية