فلسطين-»القدس العربي»: «الانتفاضة مستمرة حتى تعود الأرض.. 27 ألف كيلو متر مربع وشوي» نص بوستر بالأبيض والأسود وبحروف غير منقطة (لتجاوز سياسات الحجب على شبكات التواصل الاجتماعية وخوارزمياتها المنحازة ضد الصوت الفلسطيني). هذا البوستر البسيط والمكثف الذي تمت مشاركته على المنصات الرقمية يشكل خلاصة تحول عاشه الشعب الفلسطيني خلال أسبوعين ليس أكثر.
إنها هبة مقاومة جماهيرية شكلت عودة فعالة لفكرة الأرض بمفهومها الواسع الذي يعني فلسطين التاريخية، وهي نتيجة حاضرة بفعل الحالة النضالية الجديدة بعد أن كان يتم الحديث عن فلسطين بصفتها مناطق أربع: الضفة الغربية، قطاع غزة، القدس، وفلسطين 48، مقسمة ومجزأة ومختلفة الهموم والقضايا.
انقلبت الصورة وتسيد مفهوم «الأرض الفلسطينية».
وجاء في بيان «الكرامة والأمل: انتفاضة فلسطين الواحدة» الذي لم يتم توقيعه من حزب سياسي محدد بل قامت عليه حراكات شبابية، بأن الأحداث الأخيرة التي شهدتها فلسطين تحمل عنوان «انتفاضة الوحدة» التي تهدف إلى إعادة توحيد المجتمع الفلسطيني بكافة مركباته ومجالات الحياة فيه وإعادة توحيد الإرادة السياسية والسبل النضالية في مواجهة الصهيونية.
وتحدث البيان عن «قصة الحق البسيطة في بلدنا» وليس عن قصة الممكن والمقدور عليه وفق الرؤى العربية والدولية: «الحق الذي يقول إننا شعب واحد ومجتمع واحد في كل فلسطين. وكل ما يحدث لنا من تشتيت وتهجير وتقسيم هدفه تسهيل عصابات الصهيونية من السيطرة علينا والتحكم بنا».
وتحدث البيان الذي كان تقديما لإضراب عم فلسطين التاريخية (18/5/2021) «أن إسرائيل حبستنا في سجون معزولة جزء في سجن أوسلو، وجزء في سجن المواطنة في فلسطين 48 وجزء معزول بحصار وحشي وحرب متواصلة ممثلا في غزة، وجزء معزول بنظام التهويد. وقد آن لهذه المأساة أن تسقط».
ولم ينس البيان أننا إزاء انتفاضة وعي طويلة تنفض الخنوع والانهزامية وتربي أجيالا شجاعة على مبدأ فلسطين الواحدة وتعادي كل من يعمق التقسيم. وبالتالي رأى هذا الوعي الشبابي المتمثل في البيان بالفعل النضالي بمثابة «انتفاضة طويلة الأمد تواجه الظلم».
وتفاعل مئات الآلاف من الفلسطينيين في الوطن والشتات مع حلقة جديدة من برنامج «مع تميم» بث على شبكة «الجزيرة بلس» كان مضمون الفيديو «أن تحرير فلسطين كلها من البحر إلى النهر، موضوعياً وواقعياً ممكن، لا أقول إنه سهل، ولا أقول إنه حتمي، لكنه ممكن، وهو ممكن في هذا الجيل، وهو ممكن لا بجيوش تشتري سلاحها من عدوها، بل بمقاومة شعبية مستمرة ومتراكمة، كالتي تجري أمامكم الآن».
ولعب الفيديو دورا كبيرا في التنظير للحالة النضالية الفلسطينية فهو يرى أن إسرائيل صاحبة نظام عنصري، هي المكان الوحيد الذي يعطي الجنسية على أساس الدين، هو نظام حول الفلسطيني إلى شهيد وشريد. فيما يعد إسقاط النظام العنصري بمثابة تحرير فلسطين.
ورأى تميم البرغوثي أن «سياسة إسرائيل الصهيونية جعلت من المقاومة ضرورة لا بد منها، وعليه لا بد من القول إن المقاومة بمفهومها المجرد هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني».
كيف السبيل للاستمرار؟
من هذا المنطلق يعبر الباحث الفلسطيني صبيح صبيح قائلا إنه لا شيء قادر على توحيد الشعب الفلسطيني كالمقاومة، على الجميع فهم هذه المعادلة. وتابع قائلا في وصف الإضراب التاريخي الذي عاشته فلسطين قبل أيام وأسس للحالة النضالية في عموم أرض فلسطين، «لم أشعر يوما اننا قد بدأنا معركة التحرير الشامل كما اليوم. اليوم بالتأكيد ولادة جديدة، اليوم نعلن قطيعتنا مع القطيعة المتراكمة بفعل استدخال الهزيمة، قطيعتنا مع خيباتنا كلها».
ورأى في فعل التزام الناس بالإضراب بأنه نتيجة «لعودة المعنى للإضراب، إنها صحوة استرجاع المعنى، وهي حالة يجب ان تخرج بقيادة تليق بنا».
وأكد الباحث صبيح أن معركتنا الحقيقية هي كيف تستمر الصحوة بعد توقف الصواريخ، فأي عودة للوراء هي مقتل لنا. فلنحتمل بعض، لنتناقش في كل الطرق الممكنة، وصولا لإنتاج قيادة ميدانية على كامل التراب الفلسطيني، فبعد ان قامت المقاومة بما عليها وأكثر، وكذلك السكان في قطاع غزة يبقى أن تستمر صحوة الوعي، وكذلك كل فعل مقاومة من البحر للنهر. وأضاف: «الدور الآن على الناس، على أبناء التنظيمات بأن يقولوا كلمتهم فيمن يمثلهم».
عائق حقيقي
وسام رفيدي، الباحث والمحاضر في دائرة العلوم الاجتماعية في جامعة بيت لحم يرى أن أبرز تحول في المشهد الفلسطيني يتمثل في انفكاك العلاقة بشكل كامل بين الناس/الشعب ومنظمة التحرير الفلسطينية، فلم يعد هناك أي ثقة في هياكل منظمة التحرير كلها، في ضوء غياب أي دور لها. وهو غياب يعتبر امتدادا لمرحلة ما بعد أوسلو، حيث غابت المنظمة عن تمثيل فلسطينيي الخارج بفعل حلول السلطة محلها، «إذا نحن أمام غياب للشرعية والوطنية الداخلية لهذا الكيان، وما يبقى لها هو شرعية قانونية دولية لكنها تضمحل بكل تأكيد».
أما على صعيد الأحزاب الفلسطينية فيري رفيدي إن حماس ورغم كل الضربات التي تلقتها فإنها ما زالت متماسكة مقارنة بحركة فتح التي تعاني من انفكاك في علاقتها مع عناصرها والجماهير المحيطة بها، وما يدلل على ذلك بحسب رفيدي يتمثل في ظهور أصوات متمردة من جنين والخليل ونابلس وبيت لحم عبرت عن نفسها في بيانات ومواقف نضالية في مناطق المواجهات، ولمعرفة حقيقة تمرد هذه الأصوات وهل ستشكل لاحقا موقفا صلبا يتطلب الأمر مراقبة ورصد لفهم ما يجري بدقة.
ويرى أن الحال مع أحزاب اليسار مختلفة حيث تعاني الجبهة الشعبية من مطاردة قوية وملاحقة ورغم ذلك تتعزز مكانتها كفصيل مقاوم، في حين أن بقية أحزاب اليسار مثل: حزب الشعب والجبهة الديمقرطية وحركة فدا فهناك انفكاك جماهيري عنهما بشكل واضح.
وعن بدايل الأحزاب السياسية والفصائل التي تعاني من تراجع في قواعدها الشعبية يعبر رفيدي عن عدم تفاؤله ببروز حراكات شبابية واجتماعية جديدة تحل محل الفصائل وتسد الفراغات المتشكلة بفعل غيابها وضعفها وعدم تجاوبها مع الشارع الفلسطيني. ويتابع: «لن تنجح أي حركة اجتماعية إلا إذا كانت ذات طابع وطني مقاوم، حيث ظهر في الأعوام الأخيرة أكثر من 35 حراكا اجتماعيا لكنها لم تتماسك ولم تشكل قاعدة شعبية جماهيرية».
أما فيما يتعلق بالتحولات التي أصابت الناس فيرصد تحولين هامين الأول: أن الناس استعادت وعيها المفقود، أي الوعي بفلسطين التاريخية، وأننا حركة تحرر وطني يجب ان تعود للمربع الأول الذي مفاده أن فلسطين مستعمرة ويجب تحريرها، وهو أمر ردت الهبة الجماهيرية الروح فيها ليكون بديلا عن الوعي الزائف المتمثل في وهم الدولتين والانتخابات والتعايش ومشروع أوسلو.
أما التحول الثاني فيرصد في الخارج حيث تشكل وعي الجاليات الفلسطينية بالخارج بذاتها، وهي جاليات همشت تاريخيا بفعل مشروع أوسلو وتراجع منظمة التحرير، فجاليات الشتات أخذت تتبلور وتتشكل وتعيد بناء دورها بعيدا عن المنظمة.
وفيما يخص أكبر معيق يمكن أن يقف في وجه البناء على النصر الذي تحقق مؤخرا فيتمثل بالقياد الفلسطينية الحالية التي لا يجب النظر إليها أنها لا تريد مشروع المقاومة فالحقيقة تقول إنها تعادي مشروع المقاومة، والخوف يتمثل في أن هذه القيادة تريد أن تلتف على الإنجاز النضالي الوطني وتعود للمسار الذي أثبت فشله وعبثيته، فهي قيادة لا تمتلك أي بديل في ضوء انها كونت نخبة مصالح وامتيازات اقتصادية وطبقية. والحل لا يكون إلا بإبدالها.
ورشة وطنية مفتوحة
بدوره طالب رئيس مجلس إدارة مركز السياسات ودراسات حل الصراع الأستاذ الدكتور ايمن يوسف بضرورة العمل فورا على الاستثمار الأمثل للحالة النضالية الماثلة للجميع من أجل تحويل الوطن بجميع أقسامه لورشة وطنية مفتوحة تضم فتح وحماس وبقية الأحزاب والفصائل ومؤسسات المجتمع المدني والمثقفين والجامعات في عموم الوطن والشتات من أجل تحديد معالم المرحلة المقبلة والمقاربات النضالية الجديدة.
وتابع: «لقد انتصرنا، وهذا نصر يحتاج إلى إدارة نصر تضمن الاستمرار بالحالة النضالية والبناء عليها وضمان البناء على نتائجها، فالتعامل مع نتيجة الانتصار أصعب من التعامل مع معادلة الهزيمة».
ويرى يوسف أن هناك تحولات كثيرة طرأت على الحالة الحزبية والفصائلية في الضفة الغربية في ضوء «هبة أيار» الأخيرة، وحتما ستؤثر على توجهات الأحزاب الفلسطينية وتحديدا حركة فتح، التي يتصارع فيها توجهان رئيسيان، إحداها توجه وحدوي يرى أن حماس ومقاومتها جزء من النظام السياسي الفلسطيني وبالتالي لابد من الشراكة معه، وهو توجه يتطلب احتضان كل الحركات المقاومة والعمل على إصلاح منظمة التحرير الفلسطينية، فيما الخط الثاني لا يرى في حركة حماس وبقية الفصائل الإسلامية شركاء، والأرجح أن تقود الأحداث الأخيرة إلى تفوق الاتجاه الأول.
وتابع «حاولت حركة فتح احتكار العمل النضالي في الضفة في الفترة الماضية، ومع ذلك كان الفعل أقل من المستوى المطلوب ميدانيا، وهي نفس الملاحظة على الأداء السياسي والدبلوماسي، وقد نرى في قادم الأيام نماذج لهذا الحراك الداخلي وربما التناقض الذي أثمر خلال الأشهر الماضية خروج وظهور تيار مروان القدوة الذي شكل قائمة انتخابية بعيدا عن قائمة فتح الرسمية».
وعن العوائق التي قد تمنع استثمار حالة النضال الأخيرة يرى أن التنسيق بين فتح وحماس يعتبر العائق الأكبر، وهذا أمر يجب ان يحدث بأقرب فرصة بعيدا عن جو الانقسام الذي عشنا في ظله سنوات طويلة.
الاستقطاب بين فتح وحماس ومسألة تجديد الشرعيات بطريقة صحية يحدد ما سيحصل في فلسطين لاحقا، وكيف سينعكس ذلك على المشهد الفلسطيني.
الأكاديمي والباحث فارس الديك، محاضر العلوم السياسية في الجامعة العربية الأمريكية يقول أن ما جرى في الأسبوعين الماضيين أحدث العديد من التحولات على كل الصعد، الفكرية، والنفسية، والميدانية، وحتما هذا سيترك أثره على مستقبل القضية الفلسطينية.
وتابع في وصفه الهبة الجماهيرية التي أطلق عليها «حرب أيار»: «لقد حرك الشباب الشارع في عموم فلسطين التاريخية، وهم شباب يؤيدون خيار المقاومة، وهو عامل تأثير على الأحزاب السياسية والفصائل الفلسطينية التي ينتمون إليها، ولذلك لن ينطوي عليهم أي مبرر من قيادة أحزابهم للمضي فيما جرب سابقا وأثبت فشله، سيكون هناك تغيير جذري في طريقة خطاب الأحزاب والحركات على أقل تقدير، وما ينطبق على الأحزاب ينطبق على المجتمع بشكل عام، فقد أعادت الحرب للنفوس والعقول حياتها وخيارها من أجل التحرر».
ويرى الديك أن زلزالًا ضرب منظومة فكرية كاملة، بل حطّم حلم إسرائيل الكبرى، وبعثر حالة الأمن والأمان في العقلية الإسرائيلية، وخالف كلّ الفلسفات والدراسات الفكرية، التي عملت عليها إسرائيل منذ احتلال فلسطين عام 1948م، وأبطل فاعلية كل بوتقات الصهر والتذويب للانتماء القومي العربي والوطني.
وتابع: «ما حدث على الأرض شكل جبهة خرجت عن إطار اتفاق أوسلو، بل غيبته من خلال نشاط الشباب على وسائل التواصل الاجتماعي، من خلال إعلان الإضراب في كل فلسطين التاريخية، من خلال عملهم كوزارة إعلام وخارجية وما تبع ذلك من اتحاد ضد النهج المتبع من قبل السلطة الفلسطينية، ولذلك فإن هذا التوجه سيكون هو الحاسم في الانتخابات المقبلة».
ويرى أن المطلب اليوم يتمثل في تغيير الشكل الداخلي لمكونات السلطة وطبيعة أدوارها، ويأتي ذلك عبر الإصرار على إجراء انتخابات لمنظمة التحرير والرئاسة والمجلس التشريعي بحيث ينتخب الشعب ممثلين لهم عبر برنامج سياسي وتحرري.
وتابع: «ومن نتائج تحقيق هذه المطالب أننا سنكون أمام نهج مختلف عن نهج أوسلو الذي يضيع نتائج ومصائر كل الهبات والانتفاضات السابقة».
يتوقف إطلاق النار على قطاع غزة في فجر الجمعة، فيما تستمر الدعوات والحراكات للاستمرار، ذلك المطلب الذي فهمه الجيل الجديد الذي نضج وعيه بسرعة وفي لحظات ضياع وانسداد لأي مشروع سياسي، وفي لحظة نهضة القطاع لتفقد أحواله تستمر الدعوات لجعل ذات الجمعة التي توقفت فيها النيران «جمعة وحدة المصير والوفاء للشهداء في كل فلسطين التاريخية».