هبة قواص: السلطنة ليست ظاهرة عربية وكل شعب يسلطن علي موسيقي خاصة به
انتخبت اهم موسيقي معاصر لعام 2000 هبة قواص: السلطنة ليست ظاهرة عربية وكل شعب يسلطن علي موسيقي خاصة بهبيروت ـ القدس العربي ـ من زهرة مرعي: تكتب الموسيقي التي تعزفها الفرق السمفونية. تلحن الأغنية وتؤديها، وتتولي التدريس في المعهد الموسيقي الوطني في لبنان. انها الفنانة هبة قواس التي شربت الموسيقي مع الحليب وكان لها خياراتها الفنية البعيدة كل البعد عن معادلات السوق. لم تنتبه في بداياتها لمعادلة مهمة في الفن وهي الجمهور. بدأت اليوم تعطي اهتماماً لهذا الجانب وقريباً سيصدر لها سي دي أغنيات عاطفية وانسانية، وسي دي آخر يتضمن غناءً وطنياً. مع الفنانة هبة قواص كان هذا الحوار: كيف رسمت مسار طريقك الفني؟ المنهج الفني الذي أعتمده في الغناء أو التأليف الموسيقي يعطي انطباعاً بأنه ناتج عن دراسة وتخطيط. في الواقع لست من الذين يعتمدون التخطيط. أنا كما كثيرين يعملون في الابداع وهم في الغالب تلقائيون. ما يمكنني قوله أني عزفت البيانو في عمر سنتين ونصف، وألفت في عمر الأربع سنوات، وفي عمر الست سنوات كان لي أول حفل، وكتبت الشعر في عمر الثماني سنوات ولحنته ووزعته حيث كان يعزفه فريق في مسقط رأسي صيدا حيث عشت لسنوات طويلة. هل نقول أن عمر الطفولة هو الذي حدد مسارك الفني؟ اؤمن بمنظومة الكون وبأن الأمور منظمة ومنسقة حتي من قبل ولادتنا بزمن. الزمن في الكون هو وهم للبشر والزمن الألهي والكوني هو اللازمن. لقد خبرت ذلك مع نفسي وكل ما حدث في حياتي تم بارادة لاواعية وهي كانت مرتبطة بالارادة الكبيرة الخاصة بالكون، وتحولت الي ارادة واعية عندما كبرت فقررت التخصص بالموسيقي. ومتي بدأ القرار الواعي يأخذ طريقه الي حياتك؟ منذ الطفولة كنت أرغب بالقيام بأمر لم يسبقني اليه أحد. وفي عمر الخمس سنوات كنت أردد بأني سوف أخترع دواء للسرطان. وعندما كنت أكتب الموسيقي في عمر صغير وكانت والدتي تسألني عن نوعية عملي فكان جوابي بأني أخترع. فكرة الاختراع كانت دهشتي الكبيرة. ولم أفكر بالموسيقي مطلقاً بل بمداواة الفقراء مجاناً. وهذا موجود في مقابلة أجرتها معي مجلة المدرسة في عمر الخمس سنوات. متي قررت دراسة الموسيقي؟ قبل بلوغي الـ16 من العمر أنهيت دراستي الثانوية وكنت علي مفترق طرق وكان في بالي السفر الي لندن لدارسة الطب. كانت الموسيقي جزءاً من حياتي بحيث كنت أشعرها كما يدي وليس من الضروري التخصص بها. الدكتور وليد غلمية ساهم بجزء من قراري عندما سألته اذا لم يكن ثمة جديد أقدمه في الموسيقي كي أذهب الي الطب،فقال لي بأن ما قدمته في الموسيقي حتي الآن هو جديد. وهكذا توجهت نحو الموسيقي. هل فكرت بأن درب الغناء الذي اخترته من أوبرا وغناء كلاسيكي جمهوره محدود؟ من أخطائي في الصغر أني لم أفكر بهذا الأمر. الموسيقي تشغله الموسيقي وليس ظروفها المستقبلية. عندما كنت في ايطاليا وقال لي كارلو بركونزي أنك ستصبحين النجمة الأولي في ستار دو ميلانو قلت له بأني سأعود الي لبنان لأقدم أوبرا عربية. ومن المؤكد أني جئت الي لبنان وتلقيت الكثير من الصدمات. ومما قلته لبركونزي بأني سأكون صوتاً في الأوبرا العالمية يضاف الي ما هو موجود لكني أرغب بالعودة الي بلدي لخلق ريبرتوار ليس موجوداً بعد. النمط الموسيقي الذي أقدمه لا شركات انتاج تتبناه ولا دور أوبرا تحتضنه. أري دوري في فتح الطريق لتكون كل هذه الأمور متوفرة في المستقبل لمن سيأتون لاحقاً. أنت اخترت الموسيقي التي ترغبين بها علي أن تبحثي لاحقاً عن الجمهور؟ نكتب أنفسنا موسيقياً أو لنقل أن الله يقوم بذلك من خلالنا. لكن الأنا ضرورية من أجل الاستمرارية والتطور. ما أقوم به هو تلقائي والموسيقي المفتعلة تظهر جلية. المؤلف الموسيقي هو الصلة المطلقة مع الكون. المسألة شبيهة بالتصوف واذا لم يكن المؤلف مخطوفاً لا تصدر عنه أصواتاً لها معانيها. هنا أحبذ الأغنية الشعبية التي يقدمها موهوب عفوي بدل التأليف المركب الذي يكثر في الكون. أتابع طريقي والجمهور يتكون مع الوقت ومع التسويق الصحيح. هل لا حظت توسعاً لهذا الجمهور؟ ليس علي الصعيد المحلي وحسب بل هو يكبر في النطاق العربي. وهو بالتأكيد كان ليحقق خطوات أكبر لو تعاملت مع التلفزيون بشكل صحيح. قدمت أغنيات محبوبة من الجمهور لكنها لم تسوق اعلامياً. كان المطلوب أن أقدم هذا النوع من الغناء في البداية، لكن الأمور بالنسبة لي ليست قراراً بل تلقائية. كانت قناعتي بأن الموسيقي الجميلة تصل للجميع دون أن أنتبه لمسألة التسويق والشاشة الصغيرة التي تربط الناس. الآن صرت أنتبه لهذه الأمور. هل من محطات في حياتك الفنية تؤرخ لعلاقتك بالأغنية؟ الي عمر الثماني سنوات كانت مرحلة، ومن ثم مرحلة أخري حتي عمر الـ12 سنة تلتها مرحلة لعمر الـ16 سنة. وفي عمر الـ24 كانت مرحلة جدية ودرامية جداً، ومن بعدها قدمت أعمالاً سيمفونية تم عزفها عالمياً وحازت علي جوائز. وأنا حالياً في مرحلة اللعب. أرغب بالسيمفونية وبأغنية البوب، وكذلك أرغب بالعمل الدرامي مع البناء. وأرغب بالمزج بين الأوركسترا السمفونية وآلات الكترونية. تنوعت المراحل عندي بين المزج الموسيقي والدراما والشرقي الصافي. وحالياً ومن وحي العدوان علي لبنان لدي أغنية أعتقد بأنها ستنال تعبير ضربت اضافة الي عمل سيمفوني. كما لحنت أغنية من وحي مجزرة قانا الثانية كتبتها ندي الحاج. كان العدوان مساحة زمنية لتفجير الابداع لديك؟ تلقيت عروض عمل من دول عربية وأجنبية خلال العدوان لكني كنت متمسكة بالبقاء في بيت مري. عشت كل حروب لبنان والشظايا لا تزال في رأسي بعد اصابة في عمر الـ8سنوات. بيتنا في صيدا علي شاطيء البحر وأتذكر بوضوح الانزالات البحرية الاسرائيلية. لم أكن علي استعداد للمرور في حرب من جديد لكني اعتدت الحرب مرة أخري نظراً لطولها الزمني. في الأيام الأولي للحرب لم أشعر بقيمة الموسيقي، فيما بعد بدأ المخزون يتصاعد متواصلاً مع تعلقي وارتباطي بالوطن. وأذكر هنا أني عدت من زيارة الي عُمان وبدأ العدوان في اليوم التالي. أكثر الغناء الذي تقدمينه هو من ألحانك لماذا؟ سبق وغيت من ألحان وليد غلمية وتوفيق كرباج، وعندما أجد لحناً جميلاً أغنيه، وقد أعطي في المستقبل الحانا لغيري لأنه سبق وقلت لك أني في مرحلة الرغبة باللعب الموسيقي. هذا العام مررت بتجربة أشعرتني بمدي خطورة الاحتراف والتخصص. الاحتراف يربطنا بمواعيد عمل، في حين أن الابداع هو واحة من الحرية. وصلت الي النضج الموسيقي وعدت الي اللعب تماما كما عندما كنت طفلة. آلية التلحين والتأليف لديك هل تمتزج مع نوع من المعاناة؟ اطلاقاً تأليفي وتلحيني سريع جداً وهو تلقائي بمجرد الانتهاء من التكوين الموسيقي في الرأس بين العمودي والأفقي اللذين يترافقان معاً ضمن حسابات. دائماً أحلم بوجود كمبيوتر مرتبط بالرأس يترجم الأفكار مباشرة علي الورق. لماذا لم نشهد لك ولادة عمل فني خلال العدوان كما الكثير من الفنانين؟ كنت من أوائل من عرضت أغنياتهم الوطنية علي الشاشة وخاصة أنشودة الحق والسلام وهي عمل درامي يشبه الواقع الذي عشناه. لن اعلق علي الغناء الذي قدم في الحرب فكل فنان قدم احساسه. لكني في الواقع أخاف من التجارة التي تترافق عادة مع الحروب. لم أشعر بامكانية أن تكون لي أغنية تحمل صوراً للضحايا والدماء. كأستاذة في المعهد الموسيقي الوطني ما هي الأسس التي تلقنيها لطلابك كرسالة للمستقبل؟ أُدَرس الأوبرا والتأليف الموسيقي. الموسيقي أبداع حر ومطلق. مع أول درس في المواد النظرية أقول للطلاب بأن يتذكروا أن ما يدرسونه هو تاريخ النظريات الموسيقية والمؤلف يصنع النظريات التي تأتي لاحقاً علي المؤلفات الجديدة. من الرحمة التي نعيشها أننا لا نسمع كل أصوات الكون وذبذباته، ولو سمعنا كل ما في هذا الكون لمتنا في اللحظة ذاتها. يفترض بالطلاب أن يدركوأ في أي بلد هم وماذا ينتظرهم، وأن لا يكونوا جزءاً من التدهور الحاصل نتيجة ضغوط الظرف المالي. الموسيقي صوت والصوت خطير ومن المهم أن لا نؤذي أحداً بموسيقانا. مجتمعنا يرتاح للأغنية والكلمة اكثر من الموسيقي فما رأيك بذلك؟ ولأجل ذلك اقدم الأغنية. وقريباً سيصدر لي أسطوانتان غنائيتان. وهل السلطنة علي الأغنية هي ميزة عربية؟ اطلاقاً، نوع التطريب العربي يخلق أجواء معينة للسلطنة. الغربي يشعر بالاهتزاز الداخلي علي أية سمفونية. السمفونية السادسة لتشايكوفسكي تهز الانسان الغربي من الأعماق في حين أنها قد لاتعني شياً لغير الغربي. السلطنة ليست حكراً علي العالم العربي، كل شعب يسلطن علي موسيقي خاصة به كمثل سلطنة الأميركي علي وتني هيوستن. السلطنة هي حالة أنفعال مع موسيقي هي جزء من الذاكرة، لكن أحياناً يرتقي الفرد ثقافياً ويرتقي احساسه معه مما ينفي الانفعال علي أمور كانت مؤثرة قبل عشر سنوات علي سبيل المثال . وهنا بالطبع أستثني التراث. ما أهتم به أن يكون الانفعال علي أمور سامية كما في حالة الحلولية مع المتصوفين. هل ندمت يوماً علي خط الغناء الذي اتبعته؟ أبداً وليس بامكاني أن أكون شخصاً آخر. هل تبحثين عن شهرة أكثر اتساعاً؟ طبعاً لكنها ليست الهدف. لم يصل أحد في مثل عمري الي الأمكنة التي وصلتها علي الصعيد العالمي من حيث الغناء أو عزف مقطوعاته الموسيقية، كذلك تم تكريمي في الكثير من الأماكن علي صعيد العالم. كما تم أنتخابي كأهم موسيقي معاصر سنة 2000 في كراكوف، وفي العام الماضي تم أنتخاب 15 شخصاً كأهم موسيقيين معاصرين في العالم وكنت واحدة منهم. ولأول مرة يحل عربي في هذا التصنيف. لذلك أعيش نوعاً من الرضي والطمأنينة. لكن بالطبع الشهرة الأوسع تساعد أكثر علي صعيد ايجاد الانتاج. وما هو مشروعك المستقبلي القريب؟ قريباً سيصدر لي سي دي موسيقي وآخر يتضمن أغنيات وطنية خاصة بلبــنان اضافة الي سي دي منوعات غنائية. النمط الموسيقي الذي أقدمه تدعمه الدول لكنه عندنا يستند الي جهود خاصة. في حين أن الكثير من الدول تقـــطع جزءاً من ضرائبها لخدمة الأعمال الثقــــافية التي تبني حضارتها وأتمني الوصول لاحقاً الي مثل هذا الواقع، بهدف تأسيس مستقبل لمن سيأتون من بعدنا. 2