كتاب جديد في حيفا يتطرق لموقف الفلسطينيين في إسرائيل من مذبحة غزة
الناصرة ـ «القدس العربي»: تساءل كثيرون لماذا لم يخرج فلسطينيو الداخل في مظاهرات واحتجاجات ضد الحرب المتوحشّة على غزة منذ عشرة شهور بخلاف جولات سابقة من الاعتداءات خرجوا خلالها بأعداد كبيرة للتظاهر من أبرزها مظاهرة شارك فيها 100 ألف شخص استضافتها مدينة سخنين داخل أراضي 48 ضد حرب «الرصاص المصبوب» على غزة في نهاية عام 2008. يتساءل كثيرون بازدياد عن ذلك كلما تبّينت ملامح الجراح، جراح التدمير والقتل والتهجير والإبادة ويبدو أن هذه المشاهد كانت كافية لإثارة مخاوف وجودية لدى فلسطينيي الداخل المسكونين بهواجس ترحيل تاريخية منذ نكبة 1948 علاوة على أن إسرائيل لم تكن متوحشة في هجماتها كما هي اليوم خاصة أنها محكومة من قبل حكومة موغلة في التطرف والفاشي والكراهية بعض وزراؤها مدانون ومتهمون بالإرهاب. مشهد من الخوف والصمت حاضر حتى اليوم لم تخترقه سوى محاولات احتجاج قليلة انتهت بالضرب والاعتقالات التي طالت حتى من كتب «وما غالب إلا الله» في صفحته كما حصل مع الفنانة دلال أبو آمنة التي ما زالت ملاحقة حتى اليوم أو طالت عشرات الطلاب تعرضوا للطرد من الجامعات الإسرائيلية بسبب مشاركتهم في احتجاجات وهذا يستبطن دلالة أخرى تدلل على عمق الجرح الذي سببته «طوفان الأقصى» وعلى شهوة الانتقام المفتوحة في الجانب الإسرائيلي. بخلاف ما يزعمه بعض في منتديات التواصل الاجتماعي لم تجاهل فلسطينيو الداخل نزيف أشقائهم داخل قطاع غزة بيد أنهم خشوا من تحقّق فعلي لما كان مجرد هاجس طالما أرّقهم وهو استغلال إسرائيل فرصة تاريخية لتهجيرهم واستكمال ما فعلته في النكبة وقطع الغصن الباقي من الشجرة الفلسطينية داخل أراضي 48.
نظرة واحدة للخلف تظهر أن فلسطينيي الداخل شاركوا نضالات شعبهم من أجل الحرية وهبوا للاحتجاج في كل مرة تتعرّض الضفة وغزة لجرائم جديدة يرتكبها الاحتلال من آخرها أحداث 2021 التي يصطلح فلسطينيا على تسميتها بـ «هبة الكرامة والقدس» خلال أيار/مايو قبل ثلاث سنوات انتصارا للشيخ جراح والقدس. عند هذه الهبة يتوقف كتاب جديد ربما يساهم في رسم صورة أكثر اتزانا عن فلسطينيي الداخل ودورهم في هذا الصراع ضمن واقعهم الجيوسياسي الخاص كونهم فلسطينيين ومواطنين داخل إسرائيل وهم «في بطن الحوت» كما كان يقول مؤسس الحركة الإسلامية لديهم الشيخ الراحل عبد الله نمرر درويش. وصدر الكتاب عن «مدى الكرمل، المركز العربيّ للدراسات الاجتماعيّة التطبيقيّة» وهو بعنوان «هبّة في حالة عتبة: هبّة الكرامة (أيّار 2021) والفعل الانتفاضيّ-الشعبيّ لدى فلسطينيّي 1948 -مقاربة سوسيولوجيّة» للباحث خالد عنبتاوي. تبحث هذه الدراسة، التي تقع في 161 صفحة، في خصائص هبّة الكرامة التي اندلعت في أيّار/مايو من العام 2021 على خلفيّة أحداثٍ تتعلّق باقتحامات للمسجد الأقصى، ومحاولاتِ تهجير واقتلاع أهالي حيّ الشيخ جرّاح، وما تبع ذاك من رفض للعدوان الإسرائيليّ على قِطاع غزّة، مساءَ العاشر من أيّار/مايو (2021) والتصدّي لاعتداءات المستوطنين على الشعب الفلسطينيّ في الداخل -ولا سيّما في المدن المختلطة.
مفترق طرق؟
تحاول الدراسة – استنادًا إلى فَهْم الهبّة وطبيعتها وعواملها -أن تفهم التحوُّلات الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة التي جرت في الداخل، وكيفيّة تأثيرها في رسم مسارات الهبّة؛ مُجادِلةً (الدراسة) بأنّ الهبّة كانت مفترق تقاطع والتقاء لتحوُّلات جدليّة جرت خلال العَقدَيْن الأخيرَيْن على مستويات ثلاثة: النظام الإسرائيليّ والصهيونيّة؛ المجتمع الفلسطينيّ في الداخل؛ المسألة الفلسطينيّة بصورة عامّة. وترى الدراسة أنّ التحوُّلات الآنفة الذكر شكّلت عاملًا راسمًا لملامح الهبّة واختلافها، سواء أكان ذاك من حيث جغرافيّتها، أَمْ من حيث الشريحة المنخرطة في قيادتها، أَمْ شكْل أحداثها وقاموسها الخطابيّ، أَمْ نمط التنظيم ودَوْر الحركة السياسيّة المنظَّمة فيه وبعبارة أخرى، تفترض الدراسة أنّ دراسة الهبّة وتحوُّلاتها تشكّل مدخلًا لفَهْم يتجاوز حدود الحدث الزمانيّة.
فصول الكتاب
يقدّم الفصل الأوّل تأطيرًا إبستمولوجيًّا ونظريًّا حول سوسيولوجيا الحركات الاجتماعيّة عمومًا، وفي سياق فلسطين على وجه الخصوص، يفيد في دراسة النضال /الحراك /الفعل الجماعيّ الشعبيّ في حالة الهبّة في الداخل. أمّا الفصلان الثاني والثالث، فيتطرّقان إلى تحليل سيروة الهبّة بناءً على المدخل النظريّ في الفصل الأوّل؛ إذ يسعى الفصل الثاني إلى مَفْهمة اللحظة السياسيّة-الاجتماعيّة على أنّها سياق اجتماعيّ-سياسيّ تشكّلت في ظلّه الهبّةُ، ولا سيّما في ما يخصّ التحوُّلات الأخيرة التي جرت في الصهيونيّة والنظام الإسرائيليّ، والتحوُّلات الاجتماعيّة-الاقتصاديّة العميقة التي جَرَتْ في المجتمع الفلسطينيّ في مناطق الـ48 فيما يتابع الفصل الثالث ويستقرئ الهبّةَ ملامحَها وتمثُّلاتها، وما تعنيه سياسيًّا واجتماعيًّا في الداخل.
يُسهم الكتاب في النقاش المعرفيّ والسياسيّ بشأن سوسيولوجيا الفلسطينيّين في الداخل، وبشأن سوسيولوجيا الحركة الاجتماعيّة والفعل الانتفاضيّ-الشعبيّ لديهم وفي الواقع الاستعماريّ-الاستيطانيّ عمومًا. يشار أن خالد عنبتاوي هو باحث في مركز مدى الكرمل ومرشَّح لنيل درجة الدكتوراه في معهد جنيف للدراسات العليا في السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا. تتركّز اهتماماته البحثيّة في دراسات سوسيولوجيا الهُويّة والحيّز في الواقع الاستعماريّ-الاستيطانيّ، نُشِرت موادّ له في عدد من المنصّات الأكاديميّة والثقافيّة. من هذه الموادّ دراسة عن هبّة الكرامة في مجلّة «عمران» للعلوم الاجتماعيّة، ودراسة «المسيحيّون الفلسطينيّون تحت الحكم الإسرائيليّ» الصادرة عن «ويبف أَنْد سْتُوك» وجامعة «دار الكلمة» ودراسة «العلاقة بين إسرائيل ويهود العالم» عن مؤسَّسة الدراسات الفلسطينيّة، ودراسة عن وعد بلفور في مجلّة «قضايا» للدراسات الإسرائيليّة وغيرها.
وفي هذا الصدد، ينظّم كلّ من مدى الكرمل، وجمعيّة الثقافة العربيّة، وجمعيّة الشباب العرب بلدنا، ندوةَ إشهار للكتاب تحت عنوان «عن الفعل السياسيّ والاستكانة: فلسطينيّو الـ48 بين هبّة الكرامة وحرب الإبادة». تأتي ندوة إشهار الدراسة بعد مرور ثلاث سنوات على هبّة الكرامة وإحدى عشرة سنة على هبّة برافر، وفي ظلّ العدوان الإسرائيليّ وحرب الإبادة على قِطاع غزّة اليوم. تُعْقَد الندوة حول حالة الفعل السياسيّ والنضاليّ عام 2021 في ظلّ حالة الصمت اليوم. تُقدِّم الدراسة الكثيرَ من التبصُّرات والدروس التي قد تشكّل مدخلًا لفَهْم الهواجس والأفكار حول الراهن الفلسطينيّ داخل الخطّ الأخضر، رغم أنّ الدراسة قد كُتِبت قبل بدء حرب الإبادة على غزّة.