هتلر وموسوليني وجبابرة أفسدوا كرة القدم قبل بوتين!

حجم الخط
0

لندن – «القدس العربي»: أعاد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إلى الأذهان قصص الرعب والدمار، التي كنا نعتقد أنها مجرد روايات نقرأ عنها في التراث القديم، أو بلغة جيل الآيفون «ميديا الأجداد»، حول استغلال النفوذ السياسي في عالم كرة القدم، وبالأحرى جرائم الأنظمة الديكتاتورية القديمة في حق اللاعبين واللعبة الأكثر شعبية وجماهيرية في العالم، خاصة في فترات الحروب العالمية الكبرى في النصف الأول من القرن الماضي، وهو قريباً مما يحدث الآن على أرض الواقع، منذ أن أعطى الرئيس العسكري الضوء الأخضر لاجتياح أوكرانيا الأسبوع الماضي.

ضريبة الغزو

رغم أن حجم التوتر لم يرتق، لما يُمكن وصفه بمؤشرات الى حرب عالمية ثالثة، إلا أن الرياضة الروسية دفعت ضريبة باهظة الثمن في أول أسبوع بعد الغزو، وبالأخص الاتحاد الروسي لكرة القدم ومن تحت مظلته، كمنتخبات الرجال والنساء بمختلف الأعمار والفرق، كان آخرها معاقبة سبارتك موسكو بالإقصاء من اليوروبا ليغ، بجانب تعليق مشاركات منتخبات الروس في البطولات التابعة للاتحادين الدولي والأوروبي لكرة القدم، ما يعني أن منتخب الرجال لن يخوض مواجهة بولندا المؤهلة للمباراة الحاسمة على بطاقة الترشح لكأس العالم 2022 في قطر في الملحق الأوروبي، وكذا منتخب السيدات لن يشارك في بطولة اليورو المقررة في فصل الصيف في إنكلترا، وسبقها سحب شرف تنظيم نهائي دوري الأبطال من مدينة سان بطرسبورغ، تزامنا مع الضربات المتلاحقة من قبل الأندية الأوروبية الشهيرة، بفسخ عقود الرعاية مع العلامات التجارية والمؤسسات المحسوبة على الحكومة الروسية، وخطوات أخرى تصعيدية منتظرة، ضمن الضغوط التي تمارس على بوتين، أملا في إقناعه بوقف الحرب الغاشمة على الأوكران، التي راح ضحيتها أبرياء لا ناقة لهم ولا جمل من تهديد الناتو وضربات روسيا الاستباقية، منهم حتى الآن لاعبا كرة قدم، وهما فيتالي سابيلو اللاعب السابق بفريق الشباب بنادي كارباتي لفيف، ودميتريو «ديما» مارتينينكو من فريق جوستوميل.

السفاح الأعظم

سبق بوتين بعقود، مُلهم السفاحين أدولف هتلر، بالفظائع التي ارتكبها في حق الدول التي احتلها في الحرب العالمية الثانية، بجانب مغامراته في عالم كرة القدم، لعل منها الوثائق التي عثر عليها أساتذة جامعة إيراسموس الهولندية، بشأن القرارات التي اتخذها القصير الدموي، بعد تلقيه خطابا من رئيس حكومة النمسا آرثر إتكوارت في 12 مارس / آذار 1938، يطلب فيه عودة الجمهورية إلى الرايخ، بدأت باحتلال النمسا بعد فترة وجيزة من الاستبعاد من الشؤون الألمانية الداخلية لأكثر من خمسين عاما على اتفاقية سلام براغ التي انتهت بحلول النمساوية البروسية عام 1866، ثم بمعاقبة الاتحاد النمساوي لكرة القدم، بحله وتعليق مشاركته في كأس العالم 1938، بجانب تجنيد نصف الفريق الألماني المشارك في ذاك المونديال بألمع مواهب النمسا، وكان ذلك في زمن يُلقب فيه منتخب العاصمة فيينا بـ«المنتخب المذهل»، مثل البرازيل وإسبانيا وفرنسا في العصر الحالي، منتخب كان يُضرب به المثل في فنون كرة القدم الجميلة، بأسلوب أقرب إلى الباليه والموسيقى، جعلهم يقهرون منتخبات مثل اسكتلندا وألمانيا بالخمسة والستة في أوائل الثلاثينات، لكن في الأخير حُكم على أكثرهم موهبة بتمثيل ألمانيا بعد غزو 1938، باستثناء قائدهم وأكثرهم أناقة ماتياس سينديلار، الذي تحجج بالشعور بالتعب، وبعدها بعام عُثر عليه مقتولا برفقة صديقته في شقته في فيينا. وفي المقابل، كان يُلقب المنتخب الألماني بـ«آلة الجيش»، كإشارة إلى قبح الطريقة التي كان يلعب بها الناسيونال مانشافت قبل الاستعانة بتسع جواهر نمساوية في مونديال 1938، من أصل 62 لاعبا أجبروا على تمثيل الماكينات، ثم قرر أغلبيتهم اعتزال اللعبة في بداية عقد الأربعينات، بسبب فساد جرائم النازية.

التهديد الأشهر

وسط معاناة الشعب الإيطالي وتضاعف أرقام الدين المحلي إلى أرقام فلكية في ثلاثينات القرن الماضي، تفنن الزعيم الفاشي موسوليني في إفساد كرة القدم بطريقته الخاصة، وذلك بعد هيمنته على كل مفاصل الدولة الإيطالية، بعد الكم غير المسبوق سواء للمذابح أو الاعتقالات الجماعية للمعارضين، بدأها باستغلال عدم وجود قوانين ولوائح تلزم اللاعبين بتمثيل منتخب واحد، وفعلها بتجنيد 4 لاعبين من أبناء الشتات الإيطالي في أمريكا الجنوبية، وإشراكهم في كأس العالم 1934، ثم بالتهديد الأشهر تاريخيا، بتحذير المنتخب إما بالفوز بكأس العالم، أو بمواجهة المجهول والقتل في حال خسارته، والأعجب، أن هناك مصادر تاريخية، سلطت الضوء على الدور الكبير، الذي قام به موسوليني، لكي تفوز بلاده بكأس العالم، على غرار جلوسه مع حكم سويدي، قيل إنه اختاره بالاسم ليقود اللقاء الأصعب أمام المنتخب المجري، الذي كان يلعب كرة قدم سريعة وهجومية، وبالفعل، يروي البروفيسور جون فوت، أن إيطاليا فازت بهدف مشكوك في صحته، وبعدها اختار نفس الحكم لإدارة المباراة النهائية أمام تشيكوسلوفاكيا، وقبل ضربة البداية قال: «أنتم جنود… والآن ستدخلون المعركة»، وفي الأخير فاز أسياد الدفاع، واحتفل إل دوتشي وحزبه الفاشي باللقب، كأنه لم يمارس نفوذه وكل أنواع التهديد لترتفع شعبيته في روما في منتصف الثلاثينات.

نفوذ ناعم وحروب

بطريقة أكثر آدمية من وحشية هتلر وجنون موسوليني، نجح الديكتاتور البرتغالي أنطونيو دي أوليفيرا سالازار، في إفساد قوانين ولوائح الكرة، بعد استفاقة الفيفا المتأخرة لقاعدة منع اللاعبين من تمثيل منتخبين، وفعلها بدمج مواهب المستعمرات من البرازيل والرأس الأخضر وأنغولا وموزمبيق مع نجوم المنتخب، معتقدا أن هذه الخطة، ستساهم في زيادة فرص البرتغال في تحقيق الانتصارات، خاصة بعد الانكسار أمام النمسا بنتيجة 9-1 والانحناء أمام العدو الأزلي الإسباني 5-1، ليجني ثمار نظرته البعيدة، بحصول البرتغال على المركز الثالث في مونديال 1966، بمشاركة 4 لاعبين من المستعمرة الموزمبيقية، أشهرهم اللؤلؤة السوداء أوزيبيو، والذي رفض الديكتاتور انتقاله إلى الدوري الإيطالي، بحجة أن الأفريقي الأصل بمثابة كنز وطني. بينما جاره الإسباني فرانكو، فكان أكثر عدوانية، بعد هجومه على الإقليم الكتالوني ردا على عدم الاعتراف بانقلابه في مارس / آذار 1936، وآنذاك قام بقصف مقر النادي، في ما كانت وقود شرارة الحرب الأهلية بين الإقليم المتمرد والعاصمة، والآن تعرف بمحاولات انفصال كتالونيا عن الحكومة المركزية في مدريد. والأسوأ على الإطلاق، ما يُعرف باسم «حرب كرة القدم»، بوقوع مواجهات عسكرية بين هندوراس والسلفادور بعد سلسلة من المباريات بينهما في الفترة ما بين 6 و27 من يونيو / حزيران عام 1969، وكان ذلك ضمن التصفيات المؤهلة لكأس العالم 1970، وخلفت الاشتباكات بين البلدين نحو ألفي قتيل، وغيرها من الأحداث والمواقف التي طغت خلالها السياسة على كرة القدم ومفاهيم اللعب النظيف، على عكس الاعتقاد السائد بأن الرياضة لا علاقة لها بالسياسة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية