“الطريق إلى جهنم كثيرا ما يكون محفوفا بالنوايا الحسنة” ونوايا الفرقاء الليبيين المتصارعين اليوم في البلاد لا أحد يعلم إلى أين ستؤدي، فالحالة الليبية جد معقدة حتى باتت أحيانا عصية على الفهم والإدراك، وما لم تبادر نخب ليبيا وأبناؤها الأحرار لتجاوز هذه التعقيدات من أجل هذا الوطن المكلوم وذلك من خلال العمل على تجاوز آلام الماضي القريب وتضميد الجراح التي تسببت فيها الحروب الأخيرة وحالة الفوضى التي عاشتها البلد منذ سنة 2011 بغاية الانطلاق والإقلاع من أجل الحاضر والمستقبل على أسس متينة، فإن ليبيا لن تخرج من هذه الحلقة المفرغة من العنف والعنف المضاد الذي سيطال الجميع دون استثناء، ولن يقتصر على فئة دون أخرى، سيغرق الليبيون حينها في مستنقع الثأر والنعرات القبلية والعرقية وسينهون ما تبقى من أرض وشعب وحضارة في جاهلية مقيتة لا تبقي ولا تذر.
يجمع المتابعون على أن قرار الهجوم على طرابلس هو قرار خاطئ وكارثي بامتياز من حيث التوقيت والكيفية. فقد حطم أحلام شعب كامل في بناء جيش حقيقي يضمد جراح الليبيين، أولا من حيث التوقيت، فقد جاء هذا الهجوم قبيل المؤتمر الجامع ببضعة أيام، مما تسبب في فقدان مصداقية قيادة الجيش لدى أطراف عديدة في الداخل والخارج. وكذلك ساهمت العملية في تدمير النسيج الاجتماعي بعد التئامه جزئيا بعد ثماني سنوات من الفوضى وانتهاك المال والأرض والعرض بين أبناء الشعب الواحد.
أما من الناحية العسكرية فإن بُعد خطوط إمداد الجيش واتساع رقعة المساحة التي يتحرك فيها لا تتناسب مع إمكانياته المحدودة، فإمكانية قطع امداداته ومحاصرة بعض قطاعاته تبقى من الأوامر الواردة في كل ساعة، وكذلك فإن هذه العملية العسكرية لم تراع إطلاقا إمكانيات الطرف الآخر وبداهة تآزر وتوحد مكوناته في مواجهة عدو مشترك. كان على الجيش أن يكتفي بالسيطرة على مدينة غريان المشرفة على العاصمة والانتظار بعض الوقت، فبضعة أشهر كانت ستكون كفيلة بتفتيت كل الميليشيات في مدن الساحل باستخدام أسلوب الترهيب والترغيب وأساليب عسكرية أخرى مبتكرة. والوسيلة الوحيدة للسيطرة على العاصمة عسكريا من قبل الجيش كانت تتمثل في عنصر المفاجأة أي تدفق عدة أرتال عسكرية نظامية من عدة محاور بشكل مفاجئ وسريع وحسم الأمر خلال ساعات، أما بهذه الطريقة فلن يدخل الجيش طرابلس وكل يوم يمر تصعب مهمته وتصبح في خانة المستحيل.
بعض الدول الكبرى أعطت الضوء الأخضر للمشير خليفة حفتر معتمدة على تقارير مضللة بأن العملية لن تستغرق أكثر من 48 ساعة وأن قواته ستستقبل بالورود. تلك الدول الآن في وضع محرج أمام برلماناتها وشعوبها ولن تستطيع الاستمرار في تأييد العملية وما يرافقها من انتهاكات لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.
وفي حال فشل الجيش فان الميليشيات ستتحول إلى مافيا، ومن المؤكد في حال فشل العملية أن نشاهد مدنا ومناطق مهجرة لسنوات كما حدث لمدينة تاورغاء 2011 .
ان ليبيا ليست ملكا لهذا الطرف أو ذاك، وإنما هي ملك لكل أبنائها دون استثناء وهي امتداد لسلسلة من الأجيال يفترض ألا يكون أهل هذا العصر سبباً في انفراط عقدها وفك حلقاتها. ومن الصعوبة بمكان حين تكون لغة الحوار بين أبناء الشعب الواحد هي لغة التهديد والخطف والقتل.
إن الخيار “اللاعنفي” هو خيارنا المطلق، وهو خيار لا يحتمل استخدام السلاح نهائياً في كل الظروف، فتفسيره قد يكون جائزا أما تبريره فهو أمر مستحيل.