لندن ـ ‘القدس العربي’: يواجه الرئيس الامريكي باراك اوباما وقبل اقل من شهرين من الانتخابات الرئاسية معضلة كبيرة بعد الهجوم يوم الاثنين على القنصلية الامريكية في بنغازي الليبية ومقتل السفير الامريكي كريستوفر ستيفنز، في اول عملية يقتل فيها سفير امريكي منذ عام 1979 وتتمثل المعضلة في العامل الاسلامي الجهادي بالتحديد الذي بدأ يؤكد حضوره في الربيع العربي، فالجماعات الاسلامية المقاتلة التي تشكلت في العام الماضي للاطاحة بنظام معمر القذافي ولقيت دعما من الولايات المتحدة وحلفائها الاوروبيين هي من قامت بالعملية حيث نقلت عن بعض افرادها من انهم اندفعوا للهجوم على القنصلية بالصواريخ والقنابل اليدوية بما قالوا انه الغضب من الفيلم المسيء للرسول صلى الله عليه وسلم. وتقول صحيفة ‘نيويورك تايمز’ ان الهجوم قام به مقاتلون محترفون ومسلحون باسلحة ثقيلة وهناك ادلة اولية تظهر انه لم يكن عفويا بل مخططا له. واشارت الى ان مدينة بنغازي تنتشر فيها المظاهر المسلحة في كل مكان وشهدت في الفترة الماضية عددا من الاغتيالات، وهجمات على البعثات الدولية منها قنبلة زرعها اسلاميون قرب البعثة الامريكية في حزيران (يونيو) الماضي. ويبدو ان البعثة لم تكن محروسة بالشكل الكافي على الرغم من التهديدات المتكررة لها، فقد نقلت عن دبلوماسي ليبي تناول الافطار مع السفير قبل يوم من الهجوم ان البعثة مثبت فيها اربع كاميرات فيديو وعدد قليل لا يتجاوز اربعة من الحراس المسلحين. وقال سياسي ليبي ان البلاد تعيش فترة انتقالية والجميع يعرفون ان الاسلاميين موجودون في البلاد. ومع تهديدات اوباما والتحركات العسكرية التي بدأتها وزارة الدفاع الامريكية الا ان المسؤولين حاولوا معرفة طبيعة الهجوم. ونقلت عن السفير الحقيقي غير المعين النمساوي حتى آب ( اغسطس) الذي يزور ليبيا كل شهر ان العملية ‘مخططة بشكل جيد ونفذت بشكل حرفي’ وقال العقيد ولفانغ بوستاي ان من قام فيها مجموعة من 30-40 مدربين ومنظمين بشكل جيد.واشار الى بعض التقارير الامنية تشير الى علاقة الهجوم باعلان زعيم القاعدة ايمن الظواهري مقتل القيادي البارز في التنظيم ابو يحيى الليبي عندما استهدفته طائرة امريكي بلا طيار.تحذيراتوقالت الصحيفة ان دبلوماسيا امريكيا اخبر وزارة الخارجية الامريكية عن الغضب الذي بدأ يتجمع، لكن الخـارجية رفضت التعليق على هذا النبأ. وتشير الى ان دخول عدد من المتظاهرين في الليل ساحة السفارة ادى بالمسؤولين الطلب من الحكومة المصرية اخراجهم بدون اللجوء للسلاح او العنف خشية اشعال الغضب ومفاقمة الازمة. ولا يعرف ان كان هناك ربط بين الصور في القاهرة وهجوم بنغازي وان كان الاسلاميون قد تأثروا به. وكان السفير ستيفن يزور القنصلية لحضور حفل افتتاح المركز الثقافي الامريكي في بنغازي وكان مقيما فيها، ولا يعرف ان كان المهاجمون قد علموا مسبقا بوجوده فيها. ومع ان جماعة انصار الشريعة قاد افرادها الهجوم على البعثة الامريكية مع اخرين كانوا يحتجون على اهانة الدين الاسلامي الا انه نفت مسؤوليتها عنه ولكنها وصفته بالعمل الرائع. مع ان جماعة تطلق على نفسها كتيبة الشيخ عمر عبدالرحمن اعلنت عن مسؤوليتها عن العملية في بيان على الانترنت حسبما نقلت ‘واشنطن بوست’.عملية مدبرةوقال صحيفة ‘واشنطن بوست’ انه قبل ساعات من الهجوم شوهدت سيارات كثيرة تحمل مسلحين تتحرك نحو البعثة الدبلوماسية، وفي ساعة متأخرة من ليلة الثلاثاء شوهد حوالي 50 مسلحا متجمعين حول سورها. وانضموا الى المتظاهرين حولها، ولكن حسب شهود عيان فالقادمون الجدد لم يكونوا يحملون لافتات ولم يشاركوا في الهتافات. ونقلت عن صحافي تلفزيوني ليبي قوله ان القادمين قالوا انهم مسلمون ويدافعون عن الاسلام، وبعدها فتحوا النار ودخلوا المجمع واحرقوه. واشارت مثل بقية الصحف الامريكية ان هناك اسئلة لا تزال بدون اجابة خاصة كيفية مقتل ستيفن وكيف وصلت جثته الى مستشفى بنغازي. ولكنها نقلت عن مسؤول امني امريكي قوله ان لا توجد حتى الان ادلة حول مشاركة القاعدة في الهجوم. ولكن مسؤولين اخرين لم ينفوا امكانية قيام جماعة مرتبطة بالقاعدة قامت به احتجاجا على مقتل الليبي.وتساءلت مثل غيرها عن السبب الذي يجعل بعثة امريكية تعرضت لهجوم قبل ثلاثة اشهر بدون غير محصنة، وكيف تقوم مدينة حمتها الولايات المتحدة ترتكب عملا مروعا. وتؤكد ان السفارة لم تحظ ابدا بحماية قوية حسب مواطنين في المدينة، وقال مسؤولون ان البعثة وهي فيلا مسورة لم تكن سوى مركز مؤقت وكان من المتوقع استبدالها باخرى ولهذا لم يتم وضع مارينز لحمايتها.خيبة امل السوريينعلى العموم فقد ادت احداث القاهرة وبنغازي وكلتاهما شهدت ثورة ضد ديكتاتورية ومثلت الربيع العربي وان بطريقة مختلفة الى الحديث عن هوية الربيع العربي الذي تحول دمويا لامريكا حيث قال ايان بلاك في ‘الغارديان’ ان مقتل السفير الامريكي يظهر الخطر الكبير الذي يمثله الاسلام الراديكالي الذي عمل النظام القديم في البلدين على تهميشه ووضعه تحت الرقابة. واشار ان معمر القذافي ربما سيضحك بمرارة لو كان حيا وسمع بمقتل السفير، وكذا حسني مبارك في سجنه الان، فهما وان كان ديكتاتوريين الا انهما كانا يقومان بالمهمة التي تريدها امريكا، تحقيق الاستقرار وبالتالي حماية الدبلوماسيين الامريكيين. ويعتقد ان الحالة الليبية اكثر اثارة للقلق، ففي اليوم الذي كان يعد فيه ورثة القذافي لاعلان رئيس حكومتهم الجديد تركز انتباه العالم على السلفيين الذين تعاونوا مع الغرب لانهاء حكم القذافي. واشار الى رمزية الهجمات التي قال انها لم تكن مصادفة ان تحدث في ذكرى هجمات 9/11 ويقول ان حدوث الهجمات ذات الطابع الديني في ظل الحملة الانتخابية ستؤدي الى كبح جماح الحماس الامريكي للربيع العربي، وسيتأثر في هذا السوريون الذين ظلوا يأملون بتدخل غربي يساعدهم على التخلص من بشار الاسد وعليه فسيشعرون بالخيبة. ويختم بالقول ان الكثيرين يأملون بان يكون تأثير السلفية المدعومة من السعودية محدودا خاصة ان الحكومات العربية تريد ان تكون علاقتها مع واشنطن جيدة ولكنها ستظل عرضة للاستفزازات من المتطرفين على الجانبين.صراع داخلي ويرى ديفيد اغناطيوس في ‘واشنطن بوست’ ان ما حدث في بنغازي هو حالة من ‘الانتهازية السياسية’ ليست فقط من المرشح الجمهوري الذي اجبر على التراجع عن تصريحاته بل من السلفيين غير الراضين عن النجاحات التي حققها الاسلاميون المعتدلون في مصر وليبيا. ويقول انه في ‘ضباب الثورة’ الذي يخيم على البلدين مما يجعل من الصعوبة بمكان التعرف على ما يحدث، فان التيار السلفي الذي شارك في تظاهرات القاهرة اراد ان يبعث رسالتين للحكومة الاسلامية المعتدلة، الاولى رسالة معادية لامريكا والاخرى تحد للرئيس محمد مرسي وحكومته. ونفس الامر يقال عن تظاهرات ليبيا التي قيل في البداية انها نسخة عن تظاهرات القاهرة قبل ان تدخل فيها العناصر المسلحة، فهي ايضا تحد لحكومة عبدالرحيم الكيب والاحزاب العلمانية التي تعتبر حجر الاساس لليبيا الجديدة. ويتساءل ان كان لامريكا مصلحة فيما يحدث في هذين البلدين، ويجيب بنعم لان الامر متعلق بحماية دبلوماسييها وبعيدا عن هذا فان ما يحدث ليس متعلق بامريكا بل هو تعبير عن معركة فصائل في ظل نظام سياسي مائع. وذكر بالسيطرة على السفارة الامريكية في طهران عام 1979 والذي كان تعبيرا عن غضب المتطرفين ـ الطلاب- عن حكومة الخميني فيما بعد الثورة وعليه فقد سيطروا عليها عندما دخلوا السفارة الامريكية. ولكنه ختم بالقول ان ما يثير الخوف في حادث القاهرة هو الارتباط بين السلفيين والتكفيريين الذين يكرهون الاخوان المسلمين، حكام مصر الجدد. ومع ان تصريحات رومني حولت القضية الى قضية امريكية الا ان السبب الحقيقي في نظر اغناطيوس هو غضب المتطرفين السلفيين من نجاح حكومتين معتدلتين في ليبيا مصر، مذكرا ان مرسي حظي بدعم بالمليارات من قطر والسعودية، واكد ان مرسي قادر على تحقيق الاستقرار في مصر على الرغم من تظاهرات الثلاثاء وعلى امريكا ان تراهن عليه ايضا.اوباما والردوفي هذا السياق دعت صحيفة ‘اندبندنت’ الرئيس الامريكي اوباما لان يتريث قبل الرد، حيث قالت ان مقتل السفير وثلاثة امريكيين هو حادث مأساوي لكن ما حدث في المدينتين هو تذكير بهشاشة النظام السياسي في ليبيا ودول الربيع العربي. وقالت ان شريط الفيديو الذي اعده سام باسيلي هو فعلا مسيء ومهين للنبي محمد، لكن فعل مجموعة استفزازية مثل باسيلي وجماعته يجب ان لا يكون مبررا لقتل السفير وزملائه ولا حتى التظاهرات امام السفارة الامريكية التي تم فيها حرق العلم الامريكي. ولكن احداث الاسبوع هذا ليست عن التبرير ولكن عن مجموعة مثل باسيلي وداعميه ممن يقوم باستغلال التوتر العالمي لصالحهم وكذا الاسلاميين الذين يستغلونه لتبرير العنف. ومن المحزن ايضا ان الاحداث لا تظهر فقط درجة عدم الثقة والعداء لامريكا بل تظهر القوى الخطيرة على استقرار البلدان هذه والتي ظلت تحت السيطرة من قبل الحكام الديكتاتوريين السابقين. وتختم بالقول ان تصريحات اوباما على مقتل اول سفير منذ عقود تظهر انها قد تستجيب لمطالب الرأي العام المحلي التي تدفع للحسم، لكن عليه ان يقاوم هذه الرغبة من اجل شرق اوسط مستقر وهو ما يهم امريكا. القنابل انطلقت من كاليفورنياوركزت صحيفة ‘الغارديان’ على شخصية السفير الامريكي الذي خسرته امريكا لمعرفته العميقة بالمنطقة العربية، التي راكمها خلال عشرين عاما. وقالت ان مقتله في المدينة التي انقذها الناتو يشير الى الجو المتكهرب الذي تعيشه ليبيا في مرحلة ما بعد الثورة والتحالفات الهشة في البلاد، فقد تزامن الهجوم مع اعلان رئيس الحكومة حيث خسر محمود جبريل لمصطفى ابو شقور المقبول لليبراليين والعلمانيين. وقالت ان مقتل السفير المروع يقرن بالفيلم المروع المسيء لللاسلام. وترى ان الحادثة هذه التي تعتبر استفزازا مروعا يجب ان تقلق الطرفين المشاركين فيها- الحرب الثقافية. وقالت ان الثورتين في مصر وليبيا مثلتا هزيمة لايديولوجية القاعدة التي يمثلها ايمن الظواهري، حيث فاز فيها اعداؤه وهم الاسلاميون، دعاة اللاعنف. وقالت انه بعد تردد قررت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا الاستثمار وبشكل كبير في رئاسة مرسي، وجاء الهجوم على القنصلية في بنغازي بعد يوم من زيارة وفد امريكي كبير لمصر المنهارة اقتصاديا والتي تحتاج للدعم، فيما لا يزال الوضع في ليبيا متقلب، ولكن القنابل جاءتها من بعد من كاليفورنيا تعتبر عامل عدم استقرار، وعليه يحتاج البلدان للتعاون والقيام بتوثيق الصلات التي كان يقوم بها ستيفنز والعمل معا. نزع سلاح ليبياولامت صحيفة ‘التايمز’ الفوضى وخروج الجماعات الجهادية التي قمعها النظام السابق على ديكتاتورية القذافي. وقالت ان وجود جهادية امر يدعو للفزع. وذكرت بان بنغازي حررتها القوات المتحالفة من اسر القذافي، لكنها لم تشتر شجب الحكومة الليبية حيث اعتبرت الهجوم فشلا ذريعا لها حيث لم تكن قادرة على الحد من مظاهر التسلح ووقف نشاط الميليشيات. وقالت ان الفيلم، مسيء كما هو يجب ان لا يكون مبررا للفوضى والعنف لا في ليبيا او العالم الاسلامي. وقالت ان امريكا بعد دعمها لاعداء القذافي ستشعر بالحزن عندما تكتشف ان هناك من يكرهها في ليبيا. وقالت ان البلد الذي يعيش في مرحلة انتقالية ليس البلد الذي طمح الجميع لولادته فهو لا يزال بلدا عنيفا تتقاتل فيه الميليشيات على السلطة، وهناك جماعات موالية للنظام، فيما تملك العديد من الميليشيات اسلحة ثقيلة، مشيرة الى مصادرة الجيش اسلحة من ترهونة. وعبرت عن املها ان لا تغسل امريكا يدها من البلاد في موجة الحزن، كما على ان قادة ليبيا الجدد معرفة ان بلدهم يتحول لدولة فاشلة، وهناك فرصة ان تكون ليبيا الدولة التي حلم الجميع بها في مرحلة ما بعد القذافي. وركزت صحيفة ‘ديلي تلغراف’ على شخصية السفير الامريكي التي قالت انه ‘خاطر بنفسه من اجل الديمقراطية’ واسهم في ‘تحرير’ ليبيا، حيث اسهم من موقعه كمبعوث خاص للمجلس الانتقالي في تهيئة الظروف لانتقال السلطة في مرحلة ما بعد الثورة. واكدت مثل بقية الصحف ان الجماعات السلفية التي تعادي الحكومة الليبية كما تعادي امريكا هي التي استفادت من رحيل الديكتاتوريين. وترى ان الفيلم المسيء ليس مهما للسلفيين الذين كانوا يبحثون عن طريقة فيها لاستفزاز امريكا. وترى ان الهجمات ستؤدي الى مساءلة للنفس من اوباما في ضوء سياسته التي تقوم على عدم التدخل العسكري في الدول.لا تترك ليبيا ومصر وفي نفس السياق قالت ‘نيويورك تايمز’ ان ليبيا ودعاة الديمقراطية ليس لديهم صديق احسن من ستيفنز. وركزت في افتتاحيتها على تصريحات رومني غير الموفقة واعتقاد الولايات المتحدة ان الهجوم مدبر، وقالت ان حكومة ليبيا الضعيفة بحاجة لدعم واشنطن لتقديم القتلة للعدالة، مضيفة ان شريط الفيديو مهما كان مسيئا يجب ان لا يكون مبررا للقتل. واضافت ان المعتدلين والمتشددين والعلمانيين يتنافسون على السلطة وهجوم الثلاثاء يبدو انه من عمل فئة صغيرة. وختمت بالقول ان اسوأ شيء تقوم به الولايات المتحدة الان هو ان تدير ظهرها لليبيا وتتخلى عن التزاماتها للعمل مع ليبيا ومصر اللتين تحاولان بناء جديدة. وقالت ان عددا من الجنود الليبيين ماتوا وهم يدافعون عن الامريكيين فيما قامت القيادة الليبية بشجب الهجوم ولسبب غير مفهوم لم يصدر عن القادة المصريين نفس الامر. واخيرا يذكر مقتل ستيفنز باختطاف وقتل ادولف دبس في افغانستان عام 1979 ومقتل السفير جون غوردون في غواتيمالا عام 1968 وكليو نويل في السودان عام 1973 وروجر ديفيس في قبرص عام 1974 وفرنسس اي ميلور جونيور في لبنان عام 1976.