محمد عبد الحكم دياب
كانت جماهيرية القذافي طاردة لكثير من العرب الوافدين إليها. وكانت أكثر طردا وقسوة على بنيها. كان غير الليبي يتركها ويعود إلى بلده، والمغضوب عليه منهم يبحث لنفسه عن ملاذ بديل. وحين ضاقت الدنيا بكثير منهم اتجهوا نحو الغرب. وفي ذلك المناخ احتل الوافد الغربي إلى عدد من البلاد العربية مكانة سامية وواجه العربي متاعب جمة. واتجهت العلاقات العربية العربية نحو الفرز المذهبي والطائفي والعرقي، وبعدما كان ذلك الفرز محصورا في الحدود اللبنانية اتسع وانتشر وأضعف المناعة في جسد الأمة. في هذه الظروف تَرَكت ليبيا؛ ومررت على لبنان والعراق والكويت واليونان وفرنسا بحثا عن مستقر، وكانت بريطانيا محطتي الأخيرة.
ذهبت إلى لندن وكانت وقتها تقبل بالعرب وترحب بهم، وكان السبب يعود إلى الطفرة النفطية بعد حرب 1973 وفوائضها المالية المراد امتصاصها من قبل عواصم الغرب، وإلى تأثير البترودولار في إشعال الحرب الأهلية اللبنانية، وبداية هجرة الصحافة والصحفيين اللبنانيين ولحق بهم كتاب وصحفيون وسياسيون مصريون بعد زيارة السادات للقدس المحتلة. وأعقب تلك الزيارة ما يمكن تسميته ‘الخروج الكبير’ إلى ليبيا والعراق وسورية والجزائر والسعودية ودول الخليج العربية، وتنافست تلك الدول على استقطاب النخب المصرية، وتغير موقف السلطات الليبية مع عقد ‘مؤتمر الشعب العربي’. وخف الاستقطاب الذي بنيت عليه علاقات الليبيين مع غير الليبيين؛ لضرورات جذب أكبر عدد إلى صف معسكر الرفض وجبهة ‘الصمود والتصدي’، وبدأت الدعوات لزيارة دول ‘الصمود والتصدي’ تتوالى ومنها ليبيا، وها أنذا الذي تصورت أنني تركت ليبيا إلى غير رجعة أدخلها من جديد ضيفا مرحبا به. وذلك التحول قوبل بارتياح كبير من ليبيين من ذوي التوجه الوحدوي والناصري؛ فقد هيأ لهم تواصلا جديدا مع أقرانهم من أبناء الوطن العربي الكبير.
وهلت مرحلة ظهور جماعات سياسية مصرية فى الخارج. نشأ حزب ‘الطليعة العربية’ في العراق بقيادة الراحل عبد المجيد فريد، وأعلنت الجبهة الوطنية من الجزائر بزعامة رئيس الأركان الراحل الفريق سعد الدين الشاذلي، وظهرت الجماعات الشيوعية في بلدان اوروبا الشرقية والغربية، ونشطت ‘الجماهيرية’ ودعمت جماعات متنوعة. في نفس الوقت شكلت لجانا ثورية مصرية وغير مصرية، وجذبت إليها عناصر مستقلة؛ رافضة لكامب ديفيد وغير قابلة بنهج أنور السادات. من جهة أخرى أسست ليبيا ‘منظمة الاشتراكيين التقدميين في حوض المتوسط’، وكنت أدعو لها بشكل دائم، ومنها انبثقت ‘منظمة كتاب وصحافيو البحر المتوسط’ وكنت من بين مؤسسيها، وأعادت مثل تلك المنظمات الجسور مع ليبيا، ويعود ذلك في جانب كبير منه إلى طبيعة الشخصيات الليبية، التي لعبت دورا في تأسيس تلك المنظمات، وكان أغلبها حريصا على بناء علاقات طيبة ومتينة مع العرب غير الليبيين، وكان من أبرز هؤلاء السفيران عبد الوهاب الزنتاني والراحل أحمد الشحاتي، ورمضان عبد الله الأمين الأسبق للشؤون العربية وعمر الحمدي أمين مؤتمر الشعب العام.
وسرعان ما هبت عواصف جديدة؛ بفعل المنافسات المحتدمة بين نظم الحكم العربية المتناقضة لجذب المعارضين المصريين. وهذا شجع شبابا ممن ذهبوا إلى العراق كي يعيدوا إحياء الحركة الطلابية المصرية، وكانت نشطة إلى ما قبيل زيارة السادات للقدس المحتلة، وبعد خروج كثير من قادتها من مصر نجحوا في تأسيس ‘اتحاد طلاب مصر في الخارج’ وعقد مؤتمره التأسيسي في أسبانيا 1979، وكان من أبرز وجوهه رفعت العجرودي، الذي توفاه الله في السنوات الأخيرة، وهو مؤسس حزب ‘الوفاق القومي’ وتقدم للترشيح لرئاسة الجمهورية 2005، ونبيل درويش الخبير الزراعي المعروف، وكمال زايد الناشط البارز ومن أقطاب ‘حزب الكرامة العربية’ حاليا. في نفس الوقت تقريبا ظهر ‘اتحاد الشباب الناصري’.. بدأ بشباب مصري يعيش في ليبيا وسورية ولبنان وبريطانيا وألمانيا والنمسا وسويسرا، وكانت عضويته مفتوحة لكل الشباب العربي؛ دخله سودانيون وسوريون ولبنانيون وفلسطينيون وليبيون بالإضافة إلى المصريين، ووجد تشجيعا من جماعات وحدوية وناصرية وشخصيات لبنانية عروبية؛ بداية من تنظيم المرابطون بقيادة ابراهيم قليلات، وحزب الاتحاد الاشتراكي العربي بقيادة منير الصياد، وقدم القطب اللبناني المعروف نجاح واكيم خدمات جليلة لبعض مؤسسي الاتحاد، وكذلك المرحوم عصام العرب.
نشطت الحركة الطلابية والشبابية المصرية في الخارج، وتسببت في إقلاق راحة أنور السادات، وتمكنت من بناء مصدات حدت من دور السادات في تعميق القطيعة بين مصر والعرب وتشويه صورتها وغرس روح استعلاء مقيتة بين مواطنيها، ما زالت مؤثرة حتى الآن. وهذا لم يحل دون تمكن تلك الحركات من ترميم العلاقات الشعبية العربية العربية، وساعدها على ذلك أنها كانت منظمات مقبولة من قطاعات واسعة من الشباب العربي؛ لنزوعها الوحدوي العروبي، ورفضها لانعزالية أوقعت مصر في جب العزلة، وأدت إلى تخليها عن دورها وتصالحها مع عدوها وعدو أمتها التاريخي. وكان من بين قادة ‘اتحاد الشباب الناصري’ صلاح مغيث في ليبيا ومحمد فؤاد المغازي في ألمانيا، والناشط مصطفى فهمي في سويسرا، والمرحوم أحمد المدني في لبنان، ووحيد عنتر السوداني وكان مقيما في بيروت. كان شهر العسل قصيرا؛ وعادت العلاقة مع جماهيرية القذافي إلى توترها السابق، بسبب فشلها في التعامل مع الحركات الشبابية والسياسية المصرية التي ظهرت في الخارج، ومنها ‘اتحاد الشباب الناصري’. وفي تلك الفترة بادر أصدقاء مقيمون وعاملون في ليبيا إلى طلب تأسيس دار نشر عربية في لندن باسم ‘دار الكتاب’ في نهاية السبعينات، وهو مشروع أفشله شريك أردني، ولم يُعرف لذلك سبب حتى الآن، وكان إصرار باقي المساهمين والشركاء على رفض الاستسلام لظروف الفشل الخارجة عن إرادتهم حافزا على تأسيس دار نشر أخرى باسم ‘المركز العربي للطباعة والنشر’ في فترة نشط فيها ‘اتحاد الشباب الناصري’، ومع ظهور دار النشر الجديدة في لندن أيضا عادت فكرة استئناف إصدار صحيفة ‘الناصرية’ التي توقفت في ليبيا، وحازت الفكرة موافقة كل من عرضت عليه، وأبدى كثير منهم استعداده لدعمها ماليا وعينيا، وكانت التنظيمات الناصرية اللبنانية أسبق في ذلك الاستعداد، وأوقف الغزو الصهيوني للبنان وخروج المقاومة منها إمكانية ذلك الدعم، وعادت ‘الناصرية’ إلى الصدور بشراكة مصريين وعراقيين مقيمين في بريطانيا.
وعودة ‘الناصرية’ حولت الهدنة مع جماهيرية القذافي إلى حرب؛ بدأت باردة ولكنها تطورت إلى ساخنة. وكانت ساعة الصفر دعوة من أمين المكتب الشعبي (السفارة) لزيارته في مكتبه، وتصورت أنها زيارة عادية وودية، وبمجرد أن جلست أمامه أخرج مجلة ‘شؤون الساعة’ الأردنية التي كانت تُعد وتُجهز في ‘المركز العربي للطباعة والنشر’، والمسؤول عما ينشر فيها رئيس تحريرها وصاحب الامتياز الأردني وليس المركز، وقال السفير الليبي: هل تنشرون هذه المجلة. فأوضحت له الدور الذي يقوم به المركز، ورغم التوضيح وجدته يقول تعرف ‘إللي يهاجم القائد شن بندير له’.. أي ماذا نفعل به؟ وحرك يده حول رقبته؛ بمعنى أن من ينتقد معمر القذافي يُقتل، ولما كان الشخص المقصود غائب وغير موجود، والحديث موجه لي، اعتبرت أنني المقصود بالتهديد بالقتل. ووقفت منهيا المقابلة، وقلت له أنك لا تستطيع أن تقتل فرخة (دجاجة باللهجة المصرية) وخرجت فورا دون استئذان أو تحية. بعدها أعلن السفير الليبي صراحة أنه سيغلق ‘الناصرية’ مهما كلفه ذلك من ثمن، وأصدر تعليماته بوقف أعمال الطباعة الخاصة بالسفارة الرسمية مع ‘المركز العربى للطباعة والنشر’ المملوك لنا، وجاء ذلك مصحوبا برفض تسديد ما على المكتب الشعبي من ديون، وكانت تبلغ وقتها ستة عشر ألف جنيه استرليني، منها عشرة آلاف تكلفة طبع نشرة دورية كانت تصدر عن اتحاد الطلبة الليبيين في المملكة المتحدة، وستة آلاف أخرى قيمة اشتراكات لم تسدد للصحيفة، واعتبرنا أن ذلك إعلان واضح للحرب. فتحميلنا مسؤولية ما نشرته ‘شؤون الساعة’ لم يكن سوى ذريعة لتبرير ما قامت به سفارة القذافي. وبدلا من مواجهة صاحب المجلة أشهرت أسلحتها ضدنا. بجانب أن الأخ والصديق السفير الأسبق عبد الوهاب الزنتاني؛ وكان يكتب عمودا في الصحيفة بدأ يستقبل رسائل تقول له.. كيف تكتب في صحيفة ‘تهاجم’ ليبيا؟ ويواجه ضغوطا تلومه على ما يقوم به، وعلى علاقته بي، وقاوم الرجل مشكورا وهو صاحب القامة العالية والسفيرا البارز، والشخصية العروبية المرموقة. وبحكم معرفتي بطبيعة عمل جماهيرية القذافي أعلم أن السفير الذي يمثله لا يجرؤ على القيام بما قام به إلا بتعليمات مباشرة من القذافي أو أحد أفراد الدائرة المقربة منه. وأنا الذي ابتعدت عن جماهيرية القذافي تجنبا للضغوط والملاحقة؛ وجدت نفسي مرة أخرى تحت تهديد جديد من سفيرها في لندن آدم كويري، ولم أعبأ بالمخاطر وقبلت التحدي، مع إصرار مني على إيقافه عند حده. وخصصت له عمودا أكتبه في الصفحة الأخيرة من ‘الناصرية’ بعنوان ‘ع الهوا’؛ عريته فيه وكشفت تجاوزاته وصفقاته!
، وبلغ التوتر أشده بمكالمة هاتفية، وجاءني صوت شخص على الطرف الآخر من الخط يقول: هل أنت فلان؟.. قلت نعم.. فرد تعرف ما هو ثمن من يهاجم القائد؟ ويقصد معمر القذافي.. وبادرني بالإجابة رصاصة، وقلت إذا كنت رجلا حقا فلا تتخفى وراء أسلاك الهاتف. ولتواجهني وجها لوجه؛ فما تفعله هو مواجهة الجبناء.. وانتهت المكالمة، وطلب مني أصدقائي وشركائي ان أبلغ الشرطة البريطانية ورفضت. ‘ كاتب من مصر يقيم في لندن