هدم الاحتلال الإسرائيلي لمدرسة “عين سامية” البدوية.. وتصوير الفراغ

سعيد أبو معلا
حجم الخط
2

رام الله/ “القدس العربي”:

قليلة هي الصور الصحافية التي يكون مصدر القوة فيها هو تصوير الفراغ، ذلك ما حدث مع المصورين الصحافيين الفلسطينيين، يوم أمس، عندما ذهبوا لتغطية هدم مدرسة “عين سامية”، في إحدى التجمعات البدوية شرق مدينة رام الله والذي يحمل نفس الاسم.

وتعكس صور الفراغ الممتد التي انتشرت على المنصات الاجتماعية وفي المواقع الصحفية طبيعة الجريمة التي ارتكبتها قوات الاحتلال حيث لم تكتف بهدم المدرسة ذات الصفوف البسيطة المقامة على تلة مرتفعة وبالقرب من منازل سكان العين، بل عملت على مسحها من المكان عبر إزالة مخلفات الهدم بشكل كامل.

ويظهر فيديو بجودة منخفضة صوره أحد النشطاء طبيعة الجريمة، حيث حضرت الجرافات في الصباح الباكر حيث عملت على تدمر مبنى المدرسة المكون من خمسة صفوف أساسية، فيما كان هناك ثلاث شاحنات ضخمة وضع فيها بقايا الهدم.

وعندما وصل المصورون لم يجدوا مكان المدرسة أي شيء، فالتقطوا صورة للفراغ تظهر المكان ممتدا على مساحات فارغة، ورغم أن المصورين لا يحبون الفراغ ولا يفضلونه في صورهم إلا أنه هذه المرة عكس جوهر حكاية تهويد التجمعات البدوية في كل فلسطين المحتلة.

لقد كانت الصورة الصحافية الإخبارية الجيدة هذه المرة صورة لمنطقة فسيحة ليس فيها أي شيء.

وعلق المصور الصحافي عصام الريماوي قائلا إنه لم يكتب له التصوير في عين سامية وتحديدا لحظة الهدم، “لكنني صورت في مدرسة “جب الديب” التي تم هدمها في بيت لحم حيث لم يبق الاحتلال سوى التراب”.

ويضيف: “لم أذهب للمكان، فقد علمنا ان الاحتلال جرفه ونقل كل ما قام بهدمه، هنا تحديدا الصورة الفارغة تبقى ضعيفة، حيث يمكن لأي واحد تصوير أي شيء ومن ثم يقول إنه كان هنا مدرسة، ولذا كي تنقل الصورة قصة أو فكرة علينا أن نبحث دوما عن عناصر مثل طلاب، كتب، بقايا دمار”.

ويضرب مثالا عندما صور هدم مدرسة جب الذيب فإن الطلبة جاءوا للمكان وفتحوا الكتب، هذه صورة يمكن أن يصدقها القراء والمشاهدون بالخارج، ونحن دوما ما نبحث عما يجعل الصورة حية، أما كومة تراب، فراغ، فهذا لا يعطي صورة قوية، بالخارج يصدقون”.

ويكمل: “صورة فارغة ليس فيها ما يثبت أن هناك مدرسة ودمرها الاحتلال. لولا اننا نعرف أن في هذا المكان كان مدرسة لما عرفنا أنها كانت في هذا المكان”.

https://twitter.com/Al_Shayeb211/status/1692482927978832129

وبرأي المصور الصحافي علاء بدارنة فإن الصورة الفارغة هي فعليا القصة، لكنه يشترط أن تحتوي على عنصر واحد على الأقل من العناصر التي توحي بالخبر نفسه.

ويضرب بدارنة مثالا: “أن تحتوي على أي شيء يدل على من كان هنا (جزء من مقتنيات..الخ) وحتى بعدم وجودها فإن الـ general view أو اللقطة العامة للمكان هي صورة ذات قيمة خبرية طالما هناك وصف يعطي التفاصيل عما حدث”.

ويتابع بدارنة أن الصورة التي يمكن يطلق عليها الأعمق والتي يمكن للمصور غير التقليدي الحصول عليها تتمثل في أن يُبحث عنها، “وهي وتحتاج الى ما يمكن ان اسميه القدرة على إنتاج عمق مفاهيمي في الصورة من خلال تصوير شيء ما محدد يصل من خلاله إلى تفسير العنوان الرئيسي وهو هنا “التهجير القسري”.

وأقدمت سلطات الاحتلال صباح الخميس، على هدم المدرسة الواقعة في سهل كفر مالك، والتي تخدم التجمعات البدوية، شرق رام الله، وذلك بعد تهجير السّكان مؤخرًا إلى مناطق قريبة من خربة أبو فلاح والمغيّر بفعل اعتداءات المستوطنين وملاحقاتهم.

وجاء هدم الاحتلال للمدرسة استكمالًا لعمليّة تهجير سكّان التجمّعات البدوية شرق رام الله، بفعل مضايقات المستوطنين المستمرة، بهدف السيطرة على مساحات شاسعة.

وبمقارنة بسيطة يمكن للمهتم الرجوع للقطات صحفية مصورة من الجو في فصل الربيع تظهر عشرات المنازل لعائلات بدوية سكنت في المكان منذ أكثر من 40 عاما، حيث يظهر الفيديو وجود بيوت من القماش إلى جانب دورات صحية وخلايا طاقة شمسية، غير أن ذلك المشهد اختفى من أكثر من شهرين بعد أن قام الاحتلال بترحيلهم لمناطق أبعد فيما بقي مبنى المدرسة في مكانه.

وبتاريخ 22 مايو أيار كتبت منظمة بتسيلم اليهودية الحقوقية أنه “اضطر آخر مَن تبقى مِن سكان تجمع عين سامية الفلسطيني، المجاور لرام الله، والذين يبلغ عددهم نحو 200 إنسان، إلى هجر أرضهم بعد أن أوصلت إسرائيل حياتهم، عبر سنوات، إلى وضع لا يطاق، حتى لم يعد أمامهم أي خيار آخر”.

وعين سامية هي إحدى البلدات الفلسطينية، التي تقع على السهول الشرقية لقرية كفر مالك، على امتداد أربعة كيلومترات من بقايا مدينة رومانية عرفت باسم “ارام”، وصفها الباحثون في تاريخ الحضارات بأنها مدينة تحظى بالعديد من المزايا والآثار التي تعود إلى العهد البرونزي القديم والكنعاني المعروف وأيضا الروماني والإسلامي.

واستنكرت وزارة التربية والتعليم، تدمير قوات الاحتلال للمدرسة، وقالت إن هذه خطوة عدائية تأتي مع اقتراب انطلاق العام الدراسي الجديد، ما يعني حرمان طلبة التجمع البدوي من الحصول على حقّهم في التعليم.

وبحسب التربية والتعليم فإن المدرسة أقيمت العام الماضي بتنسيق بين وزارة التربية والتعليم وهيئة مقاومة الجدار والاستيطان، وبتمويل أوروبي لتخدم طلبة تجمع عين سامية البدوي، كواحدة من مدارس الصمود والتحدي في مناطق (ج).

واستنكر الاتحاد الأوروبي ظهر اليوم، هدم قوات الاحتلال الإسرائيلي مدرسة عين سامية بالضفة الغربية، الممولة منه. وطالب إسرائيل، في بيان صحافي، باحترام حق الأطفال الفلسطينيين في التعليم، و”بتعويض الاتحاد الأوروبي عن التمويل الذي فقده”.

وتشير المعلومات عن قضية “عين سامية” والبادية الفلسطينية شرق الضفة الغربية إلى وجود ما يقرب من 12 تجمعا بدويا مركزيا كانت تقطن على طول الشريط الشرقي للضفة (شرقي محافظة رام الله ونابلس تحديدا)، هي: عين سامية، القبون، راس التين، الرشاش، شرق الطيبة، أبو فزاع، “المليحات- المعرجات”، “المليحات-مغاير الدير”، وادي السيق، المرج، رأس المعرجات، البقعة.

وشكلت هذه التجمعات هوية المكان الفلسطينية منذ النكبة وحتى سنوات قليلة ماضية، قبل ظهور ما يعرف بالاستيطان الرعوي في المنطقة.

وبدأت سياسة الاستيطان الرعوي في هذه المنطقة الاستراتيجية منذ نحو 6 سنوات. خلال هذه الفترة اقيمت في المنطقة نحو 10 بؤر استيطانية ارهابية، تقريبا بجانب كل تجمع بؤرة.

وتقام مستوطنتان مركزيتان في المنطقة، (ريمونيم، كوهاف هشاحر)، هذه الأخيرة تشكل مركز تنظيم شبيبة التلال الارهابي، وهي الاقرب لتجمع عين سامية، ومن بؤرة مجاورة لها (جفعات هبلاديم) خرج منفذو محرقة عائلة دوابشة في قرية دوما قبل سنوات.

أما مخطط تهجير التجمعات فهو يجري بالتنسيق بين المستوطنين (شبيبة التلال) و”تنظيم الاراضي” وشرطة الاحتلال، والجمعيات الاستيطانية، حيث تنصب حملة المستوطنين على تهجير تجمعي المعرجات ووادي السيق على وجه الخصوص، مع الإشارة إلى أن جميع التجمعات المتبقية مهددة. أما تجمع دار فزاع على دوار الطيبة، فهو حالة مختلفة، فالسكان يقطنون في أرض بملكية خاصة لكن المستوطنين يشنون حملة تضييق عليهم، ويحاولون قطع خط المياه الوحيد الذي يخدم التجمع، بعدما سيطروا على خط آخر مرخص من قبل شركة “ميكروت” ويخدم معظم التجمعات المتبقية.

ويسعى الاحتلال والمستوطنون بشكل واضح وجلي إلى تحقيق هدف جعل طريق ألون الاستيطاني خاليا من الوجود الفلسطيني.

يذكر أن الاستيطان الرعوي بدأ ببضع مئات من المستوطنين، فيما يصل العدد إلى الاف منهم، وهم مستوطنون متطرفون ومتأهبون لهجمات ارهابية تستهدف القرى الفلسطينية، وما حدث في ترمسعيا وقرى أخرى كان إشارة إلى البداية الأمر الذي دفع جهات فلسطينية إلى القول إن نكبة فلسطينية جديدة تقع شرق رام الله، فسكان التجمعات البدوية الذين كانوا يحمون عشرات آلاف الدونمات يرحلون تحت ضربات المستوطنين ومحاولات كسر صمودهم، وهو ما نجح فعليا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية