هدم المنازل و«تغيير الحمض النووي» للضفة الغربية

سعيد أبو معلا
حجم الخط
1

رام الله ـ «القدس العربي»: تشهد الضفة الغربية تسارعا في إجراءات حسم الصراع، وهناك مفارقة يرددها مواطنون فلسطينيون بسيطون ومفادها أن «الإجراءات على الأرض تسبق القرارات التي تتخذها حكومة الاحتلال الإسرائيلية». ينطبق هذا الأمر على القرارات الأخيرة التي اتخذها الكابينت الإسرائيلي المصغر والتي حملت في إحدى معانيها تكريس وتجذير سياسات الضم والسيطرة على كافة مناطق الضفة الغربية.

ومن يتابع الأخبار اليومية قبل قائمة القرارات الإسرائيلية وبعدها سيجد أن هناك تصاعدا متناميا في عمليات هدم المنازل، وهي إلى جانب قرارات المصادرة والبناء الاستيطاني وشرعنة المستوطنات تعمل على تنفيذ ما قاله وزير المالية المتطرف بتسئليل سموتريتش ببلاغة نادرة من أنه يعمل ويسعى جاهدا لـ«تغيير الحمض النووي في الضفة الغربية».
من هنا يمكن الاستنتاج بدقة أن إحدى إجراءات هذا التغيير الجارف هي سياسات هدم المنازل وعدم منح تراخيص البناء وتحديدا في مناطق «ج».

نقل المعركة من غزة إلى الضفة الغربية

وحسب الباحث عبد الهادي حنتش، خبير خرائط الاستيطان في الضفة الغربية، فإن عمليات الهدم والمصادرة والاستيطان وتصاعد جرائم المستوطنين كلها مؤشرات ودلائل تعني أن الاحتلال «يريد نقل المعركة من غزة إلى الضفة الغربية».
هذه الحالة من التصاعد الكبير في عمليات الهدم، حسب الباحث أمير داوود، وهو مدير التوثيق في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، «لم يبدأ اليوم، إنما نصل اليوم إلى واحدة من الذروات، نظرا إلى ما يحدث الآن في الإدارة المدنية، والتغييرات التي فرضتها دولة الاحتلال داخل الإدارة المدنية، وهي المسؤولة عن موضوع الأبنية والأراضي، ففي الفترة الماضية عينت الإدارة المدنية منصباً جديداً وأوكلت له الكثير من المهمات، على رأسها، موضوع المباني». يستدرك الباحث داوود مؤكدا على أن دولة الاحتلال لا تمنح تراخيص بناء للمواطنين الفلسطينيين، ولا تمنح مخططات هيكلية للقرى الفلسطينية، لكنها في ذات اللحظة، تقوم بهدم البناء الذي يتم انشاؤه بحجة عدم وجود تصريح للبناء.
ويكمل: «هناك قضية مهمة، في السنوات الثلاث الماضية، تصاعدت عملية توزيع اخطارات الهدم للمواطنين بنسب كبيرة، في العام 2021 كان لدينا 28 إخطار هدم، في عام 2022 كان لدينا 1220 إخطار هدم، في عام 2023 صعد الرقم إلى 1333 إخطار هدم، معظم هذه الإخطارات لم تنفذ، وبالتالي، في السنوات الماضية قلنا إن المرحلة القادمة ستشهد عمليات هدم كبيرة، الآن، دولة الاحتلال تحاول أن تفرغ العديد من المناطق، وتحديدا المناطق المصنفة «ج» بحجة عدم وجود تصاريح وتراخيص تمنحها دولة الاحتلال، ولكنها في ذات اللحظة تقوم بتفريغ هذه المناطق من أجل تسليمها للمشروع الاستيطاني».
ويفصل في حديثه إلى مجموعة من النقاط التي يجملها أولا في موضوع التغير الذي حدث في الإدارة المدنية، وهو أمر ترافق مع تصريحات أو تسريبات سموتريتش الذي أعلن أنه سيقوم بتغيير الحمض النووي الضفة الغربية، فما هو المقصود بذلك؟ هو طريقة تعامل دولة الاحتلال مع ما يجري في الضفة الغربية، هم استحدثوا منصبا جديدا، أطلقوا عليه منصب نائب رئيس الإدارة المدنية، ولأول مرة يتم إنشاء هذا المنصب، ولأول مرة يتم إلحاق هذا المنصب (بشخص مدني) وهناك خطورة كبيرة بإلحاق هذا النوع من المناصب لشخص مدني. ويضيف: «دولة الاحتلال تاريخياً، ومنذ اللحظة الأولى من الاحتلال، وهي تتعامل مع الواقعين تحت احتلالها بصبغة عسكرية، نظرا أنها تعطي الوجود الاحتلالي في الضفة الغربية والقدس صبغة عسكرية، هناك وجود أمني وعسكري، هذه هي المرة الأولى التي يتم إضفاء البعد المدني للوجود الاحتلالي على سكان الضفة الغربية، وهذا يعني، أن دولة الاحتلال بدأت بإجراءات نطلق عليها: الضم الإداري لمساحات كبيرة من أراضي الضفة الغربية».
ويكمل: «اليوم عند مراجعة الكثير من التشريعات في الكنيست، هناك تشريع تجري قراءته في هذه الأيام مرتبط بضم مستوطنات في جنوب الخليل لسلطة تطوير النقب، ومر بالقراءة الأولى، وهناك تشريع آخر، سيتم تداوله في الجلسة القادمة من الكنيست، يقضي بفرض ما يطلق عليها السيادة الإسرائيلية على الأغوار، وبالتالي هناك تشريع مر بالقراءات أو المصادقات الثلاث، وهو إعادة الاستيطان في شمال الضفة الغربية، وبالتالي، نحن نتحدث عن ضم ممنهج لكثير من الأجزاء في الضفة الغربية، تحت مسمى الضم الإداري، أي من خلال إسقاط النزعة أو المسحة العسكرية عن وجود الاحتلال في الضفة الغربية، هو يضاهي هذا النوع الذي نتكلم عنه وهو الضم الإداري».
ويفصل الباحث داوود في حديثه حول سلطة تطوير النقب التي تعتبر شبه وزارة، فهي تعادل وزارة أخرى لكن بدرجة أقل، وبالتالي يرى أن القضية تتعلق بإنه يتم إلحاقها إلى مؤسسة سيادية داخل أراضي الـ48 وهذا هو مصدر خطورة في إضفاء الطابع المدني على الإجراءات المدنية العسكرية في أراضي الضفة الغربية والقدس.
ويغوص في حديثه مشددا على أن هناك قضيتين مهمتين في مسألة هدم المنازل الخاصة بالفلسطينيين والمستوطنين، فـ»الصراع الذي حدث في الفترة الماضية في الإدارة المدنية، هو أن قائد المنطقة الوسطى يهودا فوكس، كان يقوم بعمليات متقطعة لهدم مبان ينشؤها مستوطنون في أراضي الضفة الغربية، هذا الشيء كان يزعج سموتريتش ويزعج اليمين المتطرف في دولة الاحتلال، يهدم 300 مبنى فلسطيني ثم يقوم بإزالة مبنيين للمستوطنين، هناك فرق كبير، وهناك رسالة تريد أن توصلها دولة الاحتلال، وبالرغم من ذلك، لم يعجب المستوطنين ما يحدث، اليوم، لن يتم هدم أي شيء يقوم المستوطنون بانشائه، وتحديدا البؤرة الاستيطانية في أراضي الضفة الغربية، وهذا إضافة إلى المخاطر الكبيرة في التغييرات المنهجية التي تحدثها دولة الاحتلال في التعامل مع أراضي الضفة الغربية والقدس».
ويشدد أن لدينا تقريبا 410 آلاف دونم يسيطر عليها مستوطنون، ضمن ما يطلق عليه بالاستيطان الزراعي والرعوي، وهو في الحقيقة ليس استيطانا زراعيا ولا رعويا، إنما الهدف منه السيطرة على الأرض بقوة السلاح، فدولة الاحتلال سلطت عتاد المستوطنين على هذه الأرض من أجل السيطرة عليها بقوة السلاح. ويكمل: «لنا أن نتخيل أن 410 آلاف دونم يمنع المستوطنون المواطنين الفلسطينيين من الوصول إليها، بحجة استصلاح الأرض والعمل عليها وفق العقيدة الصهيونية المتطرفة، إعادة إعمار أرض إسرائيل في الضفة الغربية، هناك رواية يتم تقديمها للعالم، أن هذه الأرض كانت خرابا وهم قاموا بإصلاحها، وبالتالي، نحن نتحدث عن قضية يقوم بها المستوطنون، لا تأتي بالوازع الذاتي من قبل المستوطنين، هؤلاء مسلطون من قبل دولة الاحتلال، من المؤسسة الرسمية في دولة الاحتلال، وهم مؤمنون بهذا المشروع».
ويخلص إلى أن حكومة الاحتلال اليوم هي حكومة مستوطنين، قادة ميليشات المستوطنين، هم من وصلوا إلى الحكومة، وبالتالي ما ينفذه هؤلاء هو الأجندة الرسمية، «هناك تصريحات داخل الكنيست تقول إن الاستيطان الرعوي والزراعي هو أفضل لنا بكثير من الاستيطان السكني، أسرع ويسيطر على مساحات شاسعة، وبلا حاجة إلى إجراءات قانونية وأوامر عسكرية، وبالتالي هم بدأوا يذهبون إلى هذا الخيار، باعتباره أسهل وأكثر فعالية».

إخطارات الهدم

وحسب الباحث عبد الهادي حنتش، خبير في خرائط الاستيطان، فإن قوات الاحتلال ما بين عام 1967 وحتى عام 2015 هدمت ما يقرب من 25 ألف منزل وذلك بمعدل 520 منزلا سنويا، في حين كان معدل توزيع إخطارات الهدم ما بين 1000 إلى 1300 إخطار سنويا في العام الواحد، لكن معدل الهدم في عام 2024 زاد بوتيرة عالية حيث وصل عدد المنازل التي هدمت خلال نصف عام حوالي400 منزل.
ويكمل أبو حنتش: «التحول في إجراءات الهدم طال هدم منازل مرخصة مثل منطقة فرش الهواء في الخليل، كما انه امتد من سياسة إخطارات وقف بناء إلى إخطارات هدم بعد 24 ساعة إلى 96 ساعة، وهذا أمر جديد كليا». وحسب المعطيات التي يوفرها يضيف: «الاحتلال صادر عام2016 ما يقرب من 17800 دونم من مناطق (أ) و(ب) وهذا مؤشر أن الاحتلال أزال كل التقسيمات السياسية وهو عمليا لا يأبه لها، وهو ما تكرس مع القرارات الأخيرة».
ويضيف للتأكيد على افتراض أن سياسات الاحتلال لا تمنح التراخيص فيما يكون ردها على البناء بالهدم أو وقف البناء بالقول: «إن الاحتلال في عام 2016 قام بالموافقة على13 رخصة بناء من أصل 6820 طلب رخصة تقدم بها فلسطينيون في مناطق (ج)».
ويختم الباحث داوود بالتأكيد على أنه «أرصد، منذ سنوات طويلة، موضوع خريطة الأولويات الوطنية التي تعدها حكومة الاحتلال، والمقصود بها منح أفضلية وطنية داخل دولة الاحتلال لمن يسكنون في مناطق معينة، وأول هذه المناطق هي المستوطنات، كل مستوطنات الضفة الغربية والقدس تخضع لتصنيف (أ) أي لقائمة الأفضلية الوطنية، وهنا يتم تقديم امتيازات مالية لمن يسكن في هذه المناطق، إلى جانب تخفيضات ضريبية كبيرة، وقروض محسنة لكل من يريد أن يسكن في مستوطنات الضفة الغربية».
وبالتالي والحديث للباحث أمير داوود، وهو مدير التوثيق في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، المسألة لا تتوقف عند التعزيزات الاقتصادية لرجال الأعمال، بل تطال كل مواطن إسرائيلي، وهو أمر تكرسه فكرة الشوارع الالتفافية في عموم الضفة الغربية حيث يتم الترويج لها من خلال مقولة أن بإمكانك الآن من مستوطنتك في الضفة الغربية أو يهودا والسامرة حسب مسمى الاحتلالي أن تصل إلى تل أبيب في 10 دقائق، وبالتالي.
فحتى الشوارع تستخدم مادة لإغراء السكان داخل دولة الاحتلال للقدوم للسكن داخل مستوطنات الضفة الغربية، «فمثلا شخص فقير موجود في تل أبيب، إذا قدمت له كل هذه الامتيازات، فإنه يمكن أن يسكن في مستوطنة أرائيل في سلفيت ليصبح ميسور الحال بعد أن يهرب من الغلاء المعيشي في تل أبيب».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية