السبت الماضي، ودع أولاد رامي أبو شافع، توأم بنات (3 سنوات) وولد (10 سنوات)، بيتهم في سلوان. سمح لهم الأب بالرسم على الحيطان قبل الوداع. “استغللت الفرصة لتحقيق حلم صغير لهم”، قال وأظهر صورة لطفلتين صغيرتين تقفان قرب سور مزين بالألوان. وأرسل رسالة في مجموعة “الواتس اب” في الحي ودعا الجميع إلى إخلاء الأثاث من البيت. “لم أرغب في أخذ شيء. لم أرغب في أخذ ذكريات من البيت. فضلت أن يأخذ الجيران ما فيه ويستفيدوا منه”، قال. صباح الإثنين، جاءت جرافات البلدية بمرافقة قوة كبيرة للشرطة وهدمت البيت، ومعه ثمانية بيوت أخرى في الحي.
قبل أربعة أيام من ذلك، اضطرت عائلة فلسطينية أخرى إلى إخلاء بيتها، الذي تم نقله إلى جمعية “عطيرت كوهانيم” بعد أن ربحت دعوى قضائية استمرت سنوات بشأن البيت. وقبل أسبوع، أطلقت النار على عمر الشويكي (16 سنة) بعد الاشتباه فيه برشق الحجارة على سيارة مستوطنين، وما زالت جثته محتجزة لدى الشرطة. في نظر سكان سلوان، هذه الأحداث تتراكم وتصل إلى هجوم شامل للسلطات على القرية. حسب قولهم، فإن البلدية وجمعيات المستوطنين يستغلون الحرب لإبعادهم ورفع مشروع تهويد سلوان إلى مستوى جديد.
أبو شافع، وهو معلم في التعليم الخاص، ويعلم صف من الصم، يعمل أيضاً بالعلاج بمساعدة الحيوانات، ويحضر لرسالة الدكتوراه في هذا المجال. منذ بداية الحرب، عالج أطفالاً يهوداً تم إخلاؤهم من بيوتهم في الشمال ويسكنون في القدس الآن. في الوقت الذي كان يقف فيه قرب أنقاض بيته الذي عاش فيه أكثر من 30 سنة، قال أبو شافع: “أثناء الحرب عالجت أشخاصاً خرجوا من بيوتهم وهم خائفون، وساعدتهم على مواجهة الصدمة والخوف. بقيت مع خوفي، ولا أحد يساعدني الآن”. في البيت الذي هو الآن كومة من الحجارة وقطع حديد، كان يعيش تسعة من أبناء العائلة، من بينهم اثنان من إخوته ووالدته. بقيت الأم عند أقارب في الحي، وتفرق الإخوة إلى بيوت في أماكن أخرى.
“كل سلوان تشعر بأنهم يستغلون الحرب لإخلائنا وهدم منازلنا”، قال زهير الرجبي وهو أحد سكان سلوان. “لا أحد يمكنه قول كلمة”. إن بيانات هدم البيوت في شرقي القدس تعزز الشعور بأن البلدية تستغل حالة الطوارئ لزيادة وتيرة الهدم. حسب بيانات جمعية “عير عاميم”، تم تنفيذ 243 أمر هدم هذه السنة، أكثر من أي سنة أخرى منذ العام 1967. في المباني التي تم هدمها 171 شقة. 103 أوامر هدم نفذها السكان بأنفسهم، حتى لا يضطروا لدفع تكلفة الهدم للبلدية.
“حي البستان هو الحالة المتطرفة في السياسة الوحشية التي صادق عليها رئيس البلدية وبن غفير”، قال افيف ترسكي، الباحث في جمعية “عير عاميم” والذي جمع البيانات. ولورا فرتون، العضوة في مجلس البلدية عن “ميرتس”، هاجمت سياسة هدم المنازل في الحي وقالت: “لا فائدة من عمليات الهدم الوحشية التي تقوم بها البلدية، وتبقي عشرات السكان بائسين غاضبين”.
المنازل التسعة في حي البستان تضاف إلى 15 منزلاً تم هدمها في الحي في السنة الأخيرة؛ حوالي 85 منزلاً آخر تم إصدار أوامر هدم لها. بعد ذلك، قد يمحى الحي كله. مئات سكان الحي يعيشون في بيوت بنيت بدون رخص بناء – بما يشبه الكثير من المباني في الأحياء العربية في القدس. ولكن حسب السكان، فإن سبب ذلك هو الصعوبة التي تضعها البلدية أمام إصدار رخص البناء في هذه الأحياء.
في العام 2010 أعلن رئيس البلدية في حينه نير بركات، عن خطة لهدم الحي وإقامة حديقة باسم “حديقة الملك” مكانه. المتنزه السياحي الأثري يتوقع أن يرتبط مع الحديقة الوطنية “مدينة داود” التي تديرها جمعية “العاد”. الخطة أعقبها انتقاد شديد من دول كثيرة في العالم، وضمن ذلك إدارة أوباما، وبدأت البلدية التفاوض مع السكان في محاولة لبلورة خطة – إخلاء – بناء متفق عليها. وحسب ادعاءات البلدية، تم طرح خطة على السكان قبل سنة ونصف، يتم في إطارها نقلهم إلى مبان قانونية تقام في منطقة أخرى في الحي. سيتم هدم البيوت القائمة وتنظيم الحي. ولكن السكان قالوا إن الخطة لا تناسب احتياجاتهم، ورفض معظمهم التوقيع عليها. في محاولة للتوصل إلى تسوية متفق عليها، أعد السكان خطة خاصة بهم، لكن البلدية رفضتها.
في شباط الماضي، في ذروة المفاوضات بين الطرفين، هدمت البلدية بيت رئيس لجنة الحي فخري أبو دياب. في نظر السكان، كانت هذه الخطوة محاولة للضغط عليهم حتى يوافقوا على الخطة. في بداية تشرين الثاني، في يوم الانتخابات في الولايات المتحدة، هدمت البلدية سبعة بيوت أخرى، والإثنين الماضي تم هدم تسعة منازل أخرى. إضافة إلى ذلك، هدمت البلدية نادياً مجتمعياً ومواقف ومخازن. حلت محل البيوت أكوام أنقاض البناء. السكان على قناعة بأن أعضاء جمعية “العاد”، الذين يديرون كل المناطق السياحية والأثرية في المنطقة، هم الذين سيديرون المتنزه المستقبلي.
في رد البلدية على الهدم السابق، جاء: “هذا الهدم ليس فيه نية لتجنب التوصل إلى حل شامل للتسوية كما تم عرضها على السكان في السنوات الأخيرة، بل العكس”. ولكن أمس، نشر سكان الحي أنه إزاء عمليات الهدم فإنهم أوقفوا التفاوض مع البلدية. “نحن نوضح رفضنا المطلق لكل خطة ستفرض علينا بالتهديد، الهدم والنار. حقنا في العيش بكرامة غير خاضع للتفاوض”، جاء في بيان السكان.
“الخطة التي قدمناها للبلدية كانت تسمح لنا بالعيش حياة طبيعية وتبقي مكاناً لمتنزه يخدم عائلاتنا أيضاً. لكنهم وبدلاً من ذلك، يريدون نقلنا إلى عشرة مبان عالية وإقامة متنزه على باقي المساحة”، قال مراد أبو شافع، وهو أحد سكان ونشطاء الحي. “عندما تهدم بيتاً تعتقد أنك تهدم حجارة، لكنك في الحقيقة تهدم أحلاماً وذكريات عائلات كاملة”، وأضاف رامي: “ماذا سأقول لأولادي، هل من يهدم البيت يفعل ذلك لإقامة حديقة من أجل أشخاص آخرين للتنزه فيها؟”.
على بعد بضع عشرات من الأمتار يمتد حي بطن الهوى، وهو حي قديم ومكتظ، وسكانه يواجهون خطر الإخلاء أيضاً. ولكن ليس مثل حي البستان؛ لا يتوقع هدم بيوت الحي، بل نقلها إلى مستوطنين يهود. بطن الهوى أقيم في جزء منه على أرض اشتراها أعضاء الاستيطان اليهودي في القدس في نهاية القرن التاسع عشر من أجل توطين يهود اليمن. في إجراء قانوني معقد، نجحت جمعية “عطيرت كوهانيم” في السيطرة على الوقف التاريخي الذي يمتلك الأرض، وبدأت في إجراءات لإخلاء مئات السكان من الحي. بعد نضال قانوني طويل، أخلت عائلة شحادة بيتها في الحي الصيف الماضي، قبل ذلك هدمت العائلة الجدران الداخلية للمبنى. “إذا كانوا يقولون إن الأرض لهم فلماذا نعطيهم البيوت؟”، تساءل أحد الجيران.
في الأسبوع الماضي، جاء دور عائلة غيث كي تخلي بيتها. وحسب أقوال أبناء العائلة، فإنه في الوقت الذي كانوا ينشغلون فيه بإخلاء أغراضهم، جاء ملثمون فلسطينيون وطلبوا منهم الخروج من البيت، وأحرقوه بالكامل. اعتقلت الشرطة ثلاثة من أبناء العائلة بتهمة أنهم عرفوا عن الحريق أو أنهم أزعجوا رجال الشرطة. أطلق سراح سراحهم بشروط مقيدة. في “عطيرت كوهانيم” لم ينتظروا كثيراً، ففي هذا الأسبوع وضعت موقع حراسة جديداً على سطح البيت، وعمل شباب يهود على ترميمه.
نير حسون
هآرتس 19/12/2024