سليم عزوز
هذه الزاوية لا يجوز قراءتها في نهار رمضان، لأنها ستفسد صيام الصائمين حتماً، ولهذا فانه يُنصح بقراءتها في فترة ما بين الإفطار وحتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، وقد أعذر من أنذر، لأنني في مرات كثيرة يستقر في يقيني أن ‘الأخوة’ في ‘تورا بورا’ يقرؤون لي، ليركبهم العصبي في نهاية كل مقال فأتلقى منهم عتابا وتعنيفاً، مع أني وفي مرات عدة قلت أننا لا اكتب للقوم، وأرض الله واسعة، و’القدس العربي’ هي ‘هايد بارك’ الصحافة الناطقة بلغة الضاد، وحتما سيجد فيها القارئ الجاد من المقالات والزوايا والأعمدة، ما لا يجرح إيمانه، وما هو جدير باللحظة التاريخية الفارقة التي تمر بها الأمة، وفي كل يوم تطلع فيه الشمس ومنذ بدء الخليقة وأمتنا، دون سائر الأمم، في لحظة تاريخية فارقة.. بالفطرة.
ما علينا، فبمناسبة الشهر الفضيل (أرجو ألا يجرح أحد صيامنا ويقول: شهراً مباركاً لأنه يكفينا ثلاثين سنة نردد فيها هذا الاسم.. مبارك) فإننا سنعود من جديد الى مرحلة التخمة والتلبك المعوي بسبب كثافة الإنتاج الدرامي، فلدينا مسلسلات جديدة في مصر هذا العام لا تعد ولا تحصى، تم بيعها للفضائيات المختلفة، وكل فضائية وكما هي العادة، تقول إن العرض على شاشتها حصري، وبسبب ابتذال كلمة ‘حصري’ فقدت معناها، ولم تعد تستلفت انتباه قارئ أو تستوقف مشاهدا، وهي تشبه الدعاء الذي يلحق بأسماء أصحاب الفخامة والجلالة والسمو القادة العرب في دول الخليج: ‘حفظه الله ورعاه’.. فلا أظن ان مستمعاً هتف: آمين، ولا اعتقد أن كاتباً أو مذيعاً قصد بالفعل الدعاء لسموه، ولكنها كلمة هو قائلها، ولهذا فان الله لم يحفظ القوم ولم يرعهم مع تكرار الدعاء.
في رمضان هذا العام تم إنتاج أكثر من خمسين مسلسلاً، وحتى عادل إمام عاد الى زمن المسلسلات بعد عزوف المشاهدين عن الذهاب الى دور السينما، وبعد أزمة المسرح بعد الثورة، وبعض هذه المسلسلات ذكرنا بالموتى الذين يبعثهم الله من الممثلين، فمسلسل باب الخلق استدعى صفية العمري من مقابر العائلة، في حين استدعي مسلسل ‘كيد النساء’ كلاً من فيفي عبده ونبيلة عبيد من ‘مقابر الصدقة’ بالبساتين.. يا الهي ألم تمت هذه الكائنات من قبل؟!.. وهن من كن نجمات بينما كنت أنا في المهد صبياً، وقد احتفلت قبل أيام بعيد ميلادي السادس والأربعين، وهذه مناسبة لتعلم الأمة أن عددا من العظماء التاريخيين ولدوا في شهر يوليو، من بينهم أنا وخالد الذكر شافيز، وخالدة الذكر جمانة نمور.. من يعثر على المذكورة على أي شاشة فليبلغنا وله الأجر والثواب عند الله.
في كل رمضان، كنت أعلن غضبي على ظاهرة ‘الإسهال الدرامي’ لكني في رمضان هذا العام سعدت بكثافة الإنتاج، وان كنت اعلم مسبقاً ان كثيرين لا يهتمون بالجودة، والأعمال تباع بأسماء النجوم، ولهذا نجد كل عمل قد استعان ببطل او أكثر ومن عادل إمام الى يحيى الفخراني، الى نور الشريف، الى جمال سليمان الذي هز عرش الدراما الصعيدية قبل سنوات، لكن يبدو ان عمره قصير، لأنه أراد ان يقلد نفسه كما اللمبي، فاته ان جانباً من الضجة الإعلامية التي استقبل بها من قبل كان الهدف منها ضرب ممثلين مصريين برعوا في القيام بهذا الدور، وفي تقديري ان أفضلهم هو ممدوح عبد العليم.
كثافة الإنتاج الدراميسر سعادتي بكثافة الإنتاج الدرامي في رمضان هذا العام يرجع الى انه تتملكني رغبة جارفة في البعد عن السياسة، ومنذ الثورة المصرية والناس يأكلون سياسة ويتنفسون سياسة، وبرامج ‘التوك شو’ تكاد تجلد الرئيس المنتخب كل دقيقة، لأنه مرت دقيقة له في الحكم ولم يفعل شيئاً، وبدا كثيرون وقد باتت مهمتهم تتلخص في النظر في ساعات أيديهم.. مرت دقيقة على حكمه.. مرت دقيقتان، مرت ساعة مر يوم كامل، ولم يفعل الرئيس شيئاً.. إذن ها هو قد فشل كما كان متوقعاً.
حملة الإبادة الإعلامية للرئيس ليست وليدة شجاعة من القائمين عليها، فأي منهم لم يقل في عهد حسني مبارك: ‘أف’، بل يقف وراءها الفلول، وآخرون من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم، فليس لدي رغبة في الكلام في السياسة، فقد حذر الرئيس مرسي بعد أن فاض به الكيل من غضب الحليم، وعلي الرغم من إعلانه انه سيلجأ للقانون إلا ان هناك من غضبوا لهذا وأحدهم شبهه بأنه ديكتاتور كصدام حسين، كأن صدام كان يحذر، وكأنه كان يلجأ للقضاء لمواجهة من أهانوه بالكذب والفبركة، وكأن أحداً كان يجرؤ على ان يهاجم صدام حسين حتى يدفعه للتحذير ومن ثم التهديد باللجوء الى القضاء.
لا بأس فكما ان المذيع والمطرب وقارئ القرآن ‘يتنحنح’ لتسليك حنجرته قبل ان يبدأ مهمته، فهناك من يريدون ان يختبروا شجاعتهم، وكما أننا عرفنا ظاهرة ثوار ما بعد الثورة، فنحن نعيش في كنف مبارزين في غير ميادين القتال، حيث يستأسدون ويؤكدون على شجاعتهم في مواجهة رئيس هو في النهاية لن ينتقم من خصومه ولن يعتقل معارضيه.
ثوار ما بعد الثورة ظلوا في بيوتهم يشاهدون الثورة عبر التلفزيون فلما نجحت في حمل الرئيس على ان يغادر خرجوا هم الى الشوارع ليزايدوا على الجميع، وكأنهم كانوا في مقدمة الصفوف يوم الزحف.. يوم التقى الجمعان. وشجعان ما بعد المخلوع لم يكن احدهم يجرؤ ان يقول: ‘بم’ ليس في حق حسني مبارك وأهل بيته فحسب، وإنما في حق صفوت الشريف وحبيب العادلي، لكن بزغت لهم ألسنة الآن واحدهم وقف في وجه الرئيس يقول له في ‘وصلة ردح معتبرة’ انه لا يخاف منه، ليس استئناساً بسماحة الرجل، ولكن استناداً الى ‘شجاعته الشخصية’.. لا بأس فالثورة حررت العبيد.
في رمضان من العام الماضي تأثرت الدراما بفعل الثورة، فكان الإنتاج شحيحاً وتحول مع قلته الى تجارة بائرة، ولم تندفع قناة ‘الحياة’ التي بنت شهرتها على الإسراف في شراء الأعمال الدرامية وعرضها الى الشراء أو العرض، وهذا العام اشترت كل الإنتاج الدرامي على نحو أسعدنا، فقد آن الاوان لان تترك هذه القناة، والتي بدأت فكرة عظيمة، السياسة لأن تكون قناة منوعات.’حيص بيص’فقد شاهد الدكتور السيد البدوي شحاتة أهل الحكم في مرحلة ما قبل الثورة يريدون ان ينافسوا قناة ‘الجزيرة’ وأنهم في ‘حيص بيص’ بسبب تجاربهم الفاشلة، فقرر ان يبادر هو بتقديم ‘المعونة’ متقرباً لهم بالنوافل، وجاء حافظ المرازي ليقوم على أول قناة تلفزيونية مصرية إخبارية، وكانت المفاجأة للسيد البدوي هو ان جهات في الدولة رفضت الفكرة، بل ووضعت العراقيل في طريق تأسيسها، ولم تشفع له علاقته برئيس جهاز مباحث امن الدولة ‘المحبوس حالياً’ في الحصول على الرخصة القانونية.
إذ كان الرائد متقاعد صفوت الشريف، عجل الله بفك أسره بحق الأيام المفترجة ان كان بريئاً مما هو منسوباً إليه من اتهامات، يعتبر ان نجاح محطة خاصة فيما فشل فيه هو من قبل أمر يسئ إليه، ولأنه من كان بيده ‘عقدة النكاح’، فقد استعان السيد البدوي باثنين من الإعلاميين المقربين من الشريف، وللدقة فان احدهما عرض حل المشكلة واستدعي الثاني لمعاونته وعلى قاعدة ‘شيلني وأشيلك’، وحل صفوت الشريف مشكلة الترخيص بان تكون ‘الحياة’ قناة منوعات، وكان من ضمن الاتفاق ان يتم تهميش حافظ المرازي، وربما لم تكن هذه رغبة دولة بقدر ما هي تطلعات السماسرة!’الحياة’ كانت بمثابة طلقة في عالم الفضائيات المصرية، إذ تفوقت مثلاً على قناة ‘دريم’ الأقدم لأنها في أول رمضان اشترت كل ما تم إنتاجه من أعمال الدراما وبعضها كان يعرض فيها ‘حصريا’، ثم كانت في مرحلة لاحقة هي احدي روافد تلفزيون الريادة الإعلامية، وذكرنا من قبل ان عبد اللطيف المناوي كان يسوق للنظام وللتوريث في تلفزيون الدولة، والسيدة حرمه تقوم بنفس المهمة في قناة السيد البدوي، والذي أصبح رئيساً لحزب ‘الوفد’ أقدم الأحزاب الرسمية، وعندما فاز في انتخابات الحزب بالرئاسة عومل على انه مانديلا، وشاهدنا فنانين وفنانات ومذيعات من القواعد من النساء، وشعراء يتبعهم الغاوون، يهرولون لمقر حزب ‘الوفد’ للانضمام إليه بمناسبة هذا الانجاز التاريخي، وبمناسبة ‘اللحظة الفارقة’ في تاريخ الأمة، والأمم المجاورة، وكنا نعلم ان المهرولين للانضمام للحزب يبحثون عن عقد عمل في ‘الحياة’، وأستاذة في جامعة الأزهر انضمت ولم نشاهد لها نشاطاً حزبياً وإنما فوجئت بها قبل أيام تقدم برنامجاً للفتاوى على ‘الحياة’، وهي الدكتورة سعاد صالح.. حتي تكتمل اشتراطات ‘النميمة’. ‘الحياة’ تأثرت شعبيتها بعزوف الناس عن الدراما في رمضان الماضي، وبسبب الثورة المصرية وانغماس الناس في الشأن السياسي، وهي كانت كالمنبت الذي لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى، لأنها في لحظة العزوف هذه لم تنجح فيما يهم الناس، فبرامجها متواضعة للغاية، في حين نجحت قناة وليدة هي ‘سي بي سي’ مع اختلافنا مع خطها السياسي كواحدة من فضائيات الفلول، وان استعانت بشخصيات تنتمي للثورة مثل عبد الرحمن يوسف ومظهر شاهين من باب غسيل المواقف، والأول يقولون انه غادر مع عادل حمودة، وقبل شهرين قيل انه غادر ونشرت على لسانه تصريحات ترجع ذلك الى سقف الحرية ‘المنهار’ في القناة، ثم فوجئنا به على شاشتها بدون تفسير لما ردده هو شخصياً.
نجل القرضاويلا بأس فيقال ان عبد الرحمن يوسف مرشح لمنصب وزير الإعلام، وليس من الحكمة الوقوع معه في خصومة، ويقال ان الرئيس محمد مرسي وقع عليه اختياره ليضرب بذلك عصفورين بحجر، الأول حتي يقول انه اختار شابا ينتمي الى شباب الثورة، وقد كان عبد الرحمن من الذين ذهبوا يتسحبون على أطراف أصابعهم ويتفاوضون مع عمر سليمان نائب مبارك في الأيام الأولى للثورة، وما ان وصل خبر اللقاء الى ميدان التحرير حتى أعلن من فيه براءاتهم من الجالسين في حضرة النائب. والثاني هو إكرام الشيخ يوسف القرضاوي في نجله، والفتى كان يركبه العصبي قبل الثورة إذا تم تعريفه بأنه ابن القرضاوي، لكنه الآن لا يترك مناسبة إلا ويقول انه ابنه!
يقال ان الرئيس مرسي لم يرشح عبد الرحمن الذي رشح نفسه، وان مرشحه هو حمدي قنديل ويقال ان العسكري يصرون على ان يختاروا وزير الإعلام، مع ان اختياراتهم السابقة هي الخالق الناطق اختيارات حسني مبارك وولده جمال، ولا اعرف سر الحرص على بقاء وزارة مرتبطة بأنظمة الاستبداد، التي خرجت الثورة لتسقطها.
الثورة لم تضر فقط بالموقف التنافسي للحياة، فقط أضرت بمكانة ‘الجزيرة’، التي بنت شهرتها على قدرتها على مناقشة المسكوت عنه، والمحطات المصرية الان تتنافس في مناقشة كل الملفات، كل قناة بحسب توجهها، ومعظمها توجهه فلولي وكأن من ينفق عليها هو احمد عز من محبسه، وأصبحت اذهب الى ‘الجزيرة’ فإذا لم أجد خديجة بن قنة، وكمال ريان، وجميل عازر، شعرت بالغربة، أما الحبيب الغريبي فقد أصبح علامة مسجلة، وبات من المقررات الدراسية للقناة.
أتمنى ان نأخذ في شهر رمضان هدنة من السياسة وننغمس في مشاهدة المسلسلات مع خالص احترامي لسكان ‘تورا بورا’.. الذين لا اكتب لهم أساسا.
صحافي من مصر[email protected]