هدي: يا صغيرتي التائهة لا تصدقيهم، صدقي الرمل
زياد خداشهدي: يا صغيرتي التائهة لا تصدقيهم، صدقي الرمللا تصدقي دموعهم، انهم يذرفونها ايضا علي المسلسلات العربية، ما انت بالنسبة لهم سوي حلقة في مسلسل عربي ستنتهي حلقاته ذات يوم، فهم في كل الاحوال جاهزون للحزن والانفعال، نحن امة الايقاع والشعر يا صغيرتي، فلا تتفاجئي، بعد اشهر ستكوني وحدك مع اطياف الاهل الراحلين، سأدلك علي مكان يحبك، الي مكان لا يكذب، انه الشاطيء، اذهبي هناك بل اقيمي هناك ولا تغادري فثمة بياض وغيوم لن تتخلي عنك ثمة رمل حبيب، كثيف وصموت وصادق، ينتظرك، ليخبرك بحقيقة ما حدث، دون مقابل، انه مفطور علي هكذا حياة، ان يكون صادقا. فاذهبي هناك الان، حتي توفري عليك صدمة المفاجآت.نحن امة الندب والدموع والاصوات والنسيان، من يتذكر الدرة الان؟ اين ذهب الحزن علي ايمان الهمص؟؟ بعد اشهر قليلة ومن فرط استخدام مشهدك وانت تبكين بجانب جثة ابيك، سينسون يا صغيرتي، ستجف دموعهم بسرعة، وستجرفهم مشاهد اخري ليوم او يومين وسيمضون الي تجارتهم ومتعهم واطفالهم وكلابهم المدللة ومؤسساتهم ومونديالهم، وهكذا دواليك تمضي امة العرب حياتها بين دموع ونسيان، لا تصدقيهم ارجوك، كل اولئك الذين اتصلوا بالمحطات الفضائية عارضين تبنيك، انما يستخدمون مأساتك ليتطهروا ويغسلوا ضمائرهم، ويضمنوا مقاعدهم في الجنة، الرئيس الذي عانقك امام الشاشات وذرف بصيص دمعة يستخدمك ايضا لمزيد من حشد الصفوف حوله مزيد من الشرعية الأفلة، حكومة حماس؛ (ظل الله علي الارض)، استخدمتك ايضا لمزيد من جذب الانتحاريين، لمزيد من اثبات نظرياتهم العدمية، لمزيد من جرنا الي موت مجاني مجنون، في سبيل معارك تخصهم وحدهم تخص جنتهم واوهامهم وسماءهم الخاصة، يشعلونها باسم الشعب الفلسطيني، الشعب البسيط الذي يريد ان يعيش علي الارض ويخلق جنته هنا علي التراب لا علي سطوح النجوم.هدي يا صغيرتي:لا تصدقي احدا، أرأيت؟ لم يجف دمعك بعد وصرختك ما زالت تدوي، ودم أبيك لم تشربه الرمال بعد، ومع ذلك مازال ابطال ظل الله علي الارض يتقاتلون مع ابطال اوسلو دفاعا عن ماذا؟؟ عن السلطة، عن المال عن النفوذ عن التحكم بالآخر، لا تصدقيهم يا صغيرتي، لانهم قد يقتلون في حروبهم الغبية هدي اخري، في شاطيء آخر. لا تصدقي دموع المصورين الذين صوروا متاهتك : انهم يبحثون عن جوائز، سيحصلون عليها بعد اشهر، وسيقولون في كلماتهم امام جمهور الجائزة: كنا نتمزق بين انسانيتنا وبين مهنتنا فاخترنا مهنتنا،. لا تصدقي كتبة الاشعار والقصص انهم يبحثون عن اثارة درامية فقط، عن تجارب واحداث غريبة، عن قراء مندهشين ومجد شخصي.الشخص الوحيد الذي اريدك ان تصدقيه هو ابيك الذي صدق في وعده لك ولاخوتك حين قال لكم : حين تنجحون في الامتحانات سآخذكم الي البحر لتمضون يوما كاملا، لم يكذب ابوك، كما كذب معلم التاريخ في مدرسة المخيم حين قال لك : ان ثمة امة عربية موجودة تحمل نفس الدين واللغة والعادات والتاريخ والهموم، اياك ان تصدقي معلم الجغرافيا الذي قال لك: ان اسرائيل هي صنيعة الاستعمار، انها يا صغيرتي صنيعة تخلف العرب. لا تصدقي معلم الرسم حين قال لك ان لون البحر ازرق، قولي له بصوت عال انا رأيت لونه احمر يا استاذي، سيضحك التلاميذ، لابأس.هدي:الرئيس الذي اعلن تبنيك وقال لك انه سيكون لك ابا، لن ينهض في الليل ليتأكد انك (مكشفة ام مغطية)، لن يخاف ولن يصيبه ارق حين يداهمك سعال مفاجيء، او حين تقولين له انك تحلمين احلاما مخيفة ولا تستطيعين النوم،صدقي الرمل يا هدي انه من احتضن صراخك وخزنه في ذاكرته الي الابد، انه من تشرب دم امك واخوتك وابيك وخبأه في مسامات جلده الوفي طريا وطازجا، صدقي الرمل فقط يا صغيرتي انه وحده من يقول الحقيقة ومن يحفظها ويصقلها، حين تعودين الي الشاطيء بعد ان يهدأ فيك جنون الفقد قليلا، ستجلسين علي الرمل، سيحكي لك عن اخر هواجس الاب، سيقول لك: خبأت في روحي هاجسين لابيك : اولهما خوفه من المجهول، اذ ان الطعام في البيت قليل، وثانيهما هو: حيرته من العجز عن شراء هدايا نجاح ابنائه في المدارس، وسيكشف لك الرمل عن اخر ضحكات الام وهي تداعب رضيعها، واخر اصوات اخوتك وهم يلعبون فوق الرمل.هدي: لا تصدقي المقالات ولا الدموع ولا صيحات الانتقام ولا دفء الاقارب المفاجيء، ولا لطف الجيران الغريب، ولا المصورين المتربصين بكوارث الناس ورعبهم، اياك ان تصدقي الطعام الوفير والدسم الذي ملأ ثلاجة بيتكم فجأة، لا تصدقي الصواريخ التي تنطلق الي سدروت لتثأر لك، انها لن تصيب دجاجة هناك ولن تزعج اعداء الحياة والانسان، بالعكس تماما يا صغيرتي، ان اعداء الحياة والانسان ينتظرون الصواريخ بشغف، ليقتلوا هدي اخري تجلس في شرفة او تلعب في حوش او تأكل الحمص مع العائلة الكبيرة، غدا سوف تنهضين بلا اب ولا ام ولا اخوات، لا صحون فول، لا جرس يرن، لا جارات ينادين علي امك من الشرفة لا اصدقاء لابيك يطرقون الباب ليلعبوا الشدة في الغرفة العلوية، لا اخوة يشاكسون ويدخنون خلف البيت، فتهدديهم باخبار الاب فيتوسلون لك ان لا تفعلي، وتضحكين انت وتبتزين منهم دفتر رسم جديد او قطعة حلوي. ستكون امامك ايام غريبة ليست كالايام، صباحات المدرسة القادمة في الصيف الآتي ستكون صباحات مؤلمة، حيث لا أم تضع لك (سانوديش) الزعتر في الحقيبة، لا اب يضع في يدك مصروف اليوم القليل مع قبلة حارة علي الخد ـ وتوصيات بالاجتهاد ووعود بجائزة، لا ضجيج في الغرفة الاخري، لا تلويحات وصيحات للاخوة من الشباك : مع الثلامة يا هدي، سيكون هناك بانتظارك مساءات ليست كالمساءات، عتمات تشبه الضباع وصحراء تشبه الجوع، كلما اهتاج داخلك الحنين الي حضن الاب، اركضي الي الرمل، هو فقط من سيصدق معك حين يقول لك ان اباك كان يحبك وكان يفكر في اخر لحظات حياته في هدية مميزة لك يشتريها من محل الالعاب، بالتقسيط، كلما كذب عليك احد اهربي الي الرمل، سيقول لك الحقيقة، تذكري الرمل فقط، لا الرؤساء ولا الجيران ولا المسعفين ولا البحر ولا الجماهير الغاضبة، تذكري فقط الرمل. صديق المجروحين والشهداء والتائهين، الشاهد الوحيد علي همجية القذيفة وعلي لحظات الرعب الاولي، الكاميرا الحقيقية التي لا تريد مجدا او مالا او شهرة او نفوذاً او سلطة، الرمل الرمل يا هدي، صادقيه، احبيه، اتخذيه بيتا ومدرسة ونافورة وذاكرة ومبكي، الرمل الرمل يا هدي الذي ما زال يحتفظ بوفاء حقيقي في قلبه بنتف صغيرة سقطت سهوا من اياد المسعفين وهم يحملون جثث ابيك وامك واخوتك المزقة. انتظري قليلا علي الرمل، ثمة مفاجأة بانتظارك، ها هي فتاة صغيرة بالمريول المدرسي تمشي باتجاهك، من هي يا تري؟؟ اوه سنراها بعد قليل عن قرب، ها هي تقترب، اوه انها الشهيدة ايمان الهمص، ما الذي تريده ايمان؟؟ ايمان تقول لك يا هدي: اياك ان تصدقيهم صدقي الرمل. الهي من هؤلاء النسوة والبنات القادمات من بعيد ؟ يمشين باتجاهك يا هدي؟؟ سنعرف بعد قليل، دعينا نصبر وننتظر، هاهن يصلن اليك، اوه، الهي انهن : لينا النابلسي، ايمان حجو، آيات الاخرس، وفاء ادريس، هنادي جرادات، كرستين سعادة، هند الشراتحة، اسلام افنان، هبة ضراغمة رندة خالد، سعاد صنوبر، سامية دلول، دلال المغربي، رجاء ابو عمشة شادية ابو غزالة، حلوة زيدان، سهيلة الوزني، واخريات كثيرات، كلهن اتين اليك يا هدي ليقلن لك فقط : لا تصدقيهم، صدقي الرمل. الرمل الرمل.كاتب من فلسطين[email protected]